📖 نص القصة
في قرية جبليّة عالية، بيوتها من الحجر وسطوحها من القرميد الأحمر، كانت شهد تقضي عطلة الخريف عند جدّها أبي نبيل. كانت شهد في السابعة من عمرها، تحبّ الخرائط والبوصلات والحكايات عن المستكشفين، وتحمل في جيبها دائمًا دفترًا صغيرًا تكتب فيه ما تراه. وكان جدّها رجلًا طويلًا، له شاربان أبيضان وعصا خشبيّة، يعرف الجبل منذ كان صغيرًا. وفي صباح يوم صافٍ قال لها: اليوم سآخذكِ إلى غابة الأرز القديمة في أعلى الجبل، هناك أشجار عمرها مئات السنين.
فرحت شهد كثيرًا، وبدأت تجهّز حقيبتها الصغيرة. وضعت فيها قارورة ماء، وتفّاحتين، وقطعة جبن ملفوفة، ومصباحًا صغيرًا، ودفترها وقلمها. ثمّ وقفت أمام سلّة الخياطة التي تملكها جدّتها، ورأت فيها كبّة كبيرة من الصوف الأحمر. قالت: يا جدّتي، هل أستطيع أن آخذ قليلًا من هذا الخيط؟ قالت الجدّة: ولماذا تحتاجين خيطًا في الغابة؟ قالت شهد: قرأت في كتاب أنّ المستكشفين يضعون علامات على الطريق حتى لا يضيعوا. سأقطع خيوطًا صغيرة وأربطها على الأغصان. ضحك الجدّ وقال: يا لكِ من مستكشفة! خذيه، فالحذر لا يضرّ أبدًا.
انطلق الاثنان في الطريق الترابيّ الذي يصعد بين الصخور وأشجار السنديان. كان الهواء باردًا منعشًا، ورائحة الأعشاب البرّيّة تملأ المكان، والعصافير تغنّي فوقهما. وكلّما وصلا إلى مفترق طريق، أو إلى صخرة كبيرة، أو إلى شجرة مميّزة، كانت شهد تقطع خيطًا أحمر صغيرًا وتربطه على غصن منخفض ربطة صغيرة، وتكتب في دفترها: الخيط الأوّل عند الصخرة التي تشبه السلحفاة. الخيط الثاني عند النبع الصغير. الخيط الثالث عند الشجرة المكسورة. وكان الجدّ يبتسم ويقول: هذه أوّل مرّة يكون للجبل خريطة حمراء!
وبعد ساعة من المشي، وصلا إلى غابة الأرز. توقّفت شهد مكانها مندهشة. كانت الأشجار ضخمة جدًّا، جذوعها عريضة لا تستطيع أن تحيطها بذراعيها، وأغصانها ممتدّة أفقيّة مثل طبقات من المظلّات الخضراء. قال الجدّ: هذه الشجرة الكبيرة هنا، كان جدّي يجلس تحتها حين كان في عمركِ. لمست شهد الجذع الخشن، وشمّت رائحة الخشب الطيّبة، وقالت: كأنّها تحكي قصصًا قديمة. جلسا تحت الشجرة، وأكلا التفّاح والجبن، وكتبت شهد في دفترها وصفًا للغابة، ورسمت ورقة أرز صغيرة.
بعد أن استراحا، قال الجدّ: هيّا نعود، فالشمس بدأت تميل. لكنّ شهد طلبت أن تتجوّل قليلًا لترى شجرة أخرى أبعد. مشيا بين الأشجار، وكانت شهد تربط خيطًا أحمر عند كلّ شجرة يمرّان بها. وفجأة، لاحظ الجدّ شيئًا. قال بصوت هادئ: انظري يا شهد إلى الوادي. كان هناك شيء أبيض كثيف يصعد من الوادي ببطء، مثل بحر من القطن. قالت شهد: ما هذا يا جدّي؟ قال: إنّه الضباب. في الجبل يأتي الضباب أحيانًا بسرعة كبيرة في الخريف.
وما هي إلّا دقائق حتى وصل الضباب إليهما، ولفّ الأشجار كلّها. صار كلّ شيء أبيض رماديًّا، ولم تعد شهد ترى أبعد من خطوات قليلة. اختفت الأشجار البعيدة، واختفت الشمس، واختفى الطريق. وصار الهواء باردًا ورطبًا. أمسكت شهد يد جدّها بقوّة، وقالت بصوت فيه خوف: جدّي، أين الطريق؟ أنا لا أرى شيئًا! وقف الجدّ وفكّر، ثمّ قال بهدوء: حتى أنا، مع أنّي أعرف الجبل جيّدًا، لا أستطيع أن أرى العلامات في هذا الضباب. كلّ الأشجار تبدو متشابهة الآن.
أغمضت شهد عينيها لحظة، وتذكّرت ما قرأته في كتاب المستكشفين: أوّل شيء تفعله حين تضيع، أن تهدأ ولا تركض. فأخذت نفسًا عميقًا، ثمّ فتحت عينيها وقالت: جدّي، الخيوط! الخيوط الحمراء! أخرجت مصباحها الصغير وأشعلته، ووجّهته نحو الشجرة القريبة. وهناك، على غصن منخفض، رأت الربطة الحمراء الصغيرة تلمع في الضوء، واضحة جدًّا وسط اللون الأبيض. قال الجدّ بفرح: يا شهد! اللون الأحمر يظهر في الضباب أكثر من أيّ لون آخر! أنتِ عبقريّة!
بدأ الاثنان يمشيان ببطء، يدًا بيد. كانت شهد توجّه المصباح يمينًا ويسارًا حتى تجد الخيط التالي، ثمّ يمشيان إليه، ثمّ تبحث عن الذي بعده. كانت تفتح دفترها أيضًا وتقرأ: بعد الشجرة المكسورة يأتي النبع الصغير. وحين سمعا صوت الماء يخرّ بين الصخور، صاحت: هذا هو النبع! نحن على الطريق الصحيح! وكان الجدّ يمشي خلفها ويقول: على مهلكِ يا مستكشفتي، خطوة خطوة، لا تستعجلي.
في منتصف الطريق، لم تجد شهد الخيط التالي. بحثت يمينًا وبحثت يسارًا، فلم تجد شيئًا. شعرت بالقلق يعود إليها. لكنّ الجدّ قال: لا بأس، لنقف هنا ولا نبتعد عن آخر خيط وجدناه. فكّري: ماذا كتبتِ في دفتركِ؟ فتحت شهد الدفتر، وقرأت بصوت عالٍ: الخيط الرابع عند الصخرة التي تشبه السلحفاة. ثمّ وجّهت المصباح نحو الأسفل، فرأت صخرة كبيرة مستديرة، فوقها حجر صغير مثل رأس سلحفاة، والخيط الأحمر مربوط على شجيرة صغيرة بجانبها، لم تكن قد رأته لأنّه كان منخفضًا.
واصلا المشي، خيطًا بعد خيط، وعلامة بعد علامة. وشيئًا فشيئًا، صار الضباب أخفّ، وصارت الأشجار تظهر من جديد، ثمّ ظهر سطح قرميديّ أحمر بعيد، ثمّ سمعا نباح الكلب الذي يعرفانه، كلب الجيران الأسود. صاحت شهد: القرية! وصلنا! وعند باب البيت، كانت الجدّة واقفة تنتظر وهي تلفّ وشاحها حول كتفيها، وقالت: الحمد لله على سلامتكما! رأيت الضباب يصعد فقلقت عليكما كثيرًا.
جلس الجميع حول المدفأة، وشربوا الحليب الساخن بالعسل، وحكى الجدّ القصّة كلّها للجدّة، وهو يربت على كتف شهد ويقول: لقد أنقذتنا مستكشفتنا الصغيرة اليوم. أنا عرفت الجبل سبعين سنة، لكنّ الضباب أخفى عنّي كلّ شيء، أمّا خيوط شهد فلم يستطع أن يخفيها. قالت شهد بخجل: لكنّك أنت يا جدّي من علّمني أن أهدأ، وأن أقف عند آخر علامة ولا أبتعد. ضحكت الجدّة وقالت: إذن أنتما فريق ممتاز.
في اليوم التالي، حين صفا الجوّ، صعدت شهد وجدّها إلى الغابة مرّة أخرى، وجمعا كلّ الخيوط الحمراء عن الأغصان، خيطًا بعد خيط، حتى لا تبقى في الغابة شيئًا غريبًا عنها. وقالت شهد: سنعيدها إلى سلّة جدّتي، وفي الرحلة القادمة نستعملها من جديد. وفي طريق العودة، كانت شهد تشير إلى كلّ مكان مرّا به في الضباب، وتقول: هنا وقفنا، وهنا وجدنا النبع، وهنا كادت الصخرة السلحفاة تختفي عنّا! وكان الجدّ يضحك ويقول: سنسمّي هذا الطريق من اليوم درب شهد. ثمّ كتبت في آخر صفحة من دفترها جملة بخطّ كبير.
كتبت شهد: المستكشف الذكيّ لا يعتمد على الحظّ، بل يستعدّ قبل أن يبدأ رحلته. وتعلّمت شهد في ذلك اليوم أنّ التخطيط الصغير قبل المغامرة قد يصنع فرقًا كبيرًا، وأنّ الهدوء عند الخطر أقوى من الخوف، وأنّ الاستماع لنصائح الكبار مع التفكير بعقلنا يجعلنا نجد طريقنا حتى في أكثر الأيام ضبابًا.
فرحت شهد كثيرًا، وبدأت تجهّز حقيبتها الصغيرة. وضعت فيها قارورة ماء، وتفّاحتين، وقطعة جبن ملفوفة، ومصباحًا صغيرًا، ودفترها وقلمها. ثمّ وقفت أمام سلّة الخياطة التي تملكها جدّتها، ورأت فيها كبّة كبيرة من الصوف الأحمر. قالت: يا جدّتي، هل أستطيع أن آخذ قليلًا من هذا الخيط؟ قالت الجدّة: ولماذا تحتاجين خيطًا في الغابة؟ قالت شهد: قرأت في كتاب أنّ المستكشفين يضعون علامات على الطريق حتى لا يضيعوا. سأقطع خيوطًا صغيرة وأربطها على الأغصان. ضحك الجدّ وقال: يا لكِ من مستكشفة! خذيه، فالحذر لا يضرّ أبدًا.
انطلق الاثنان في الطريق الترابيّ الذي يصعد بين الصخور وأشجار السنديان. كان الهواء باردًا منعشًا، ورائحة الأعشاب البرّيّة تملأ المكان، والعصافير تغنّي فوقهما. وكلّما وصلا إلى مفترق طريق، أو إلى صخرة كبيرة، أو إلى شجرة مميّزة، كانت شهد تقطع خيطًا أحمر صغيرًا وتربطه على غصن منخفض ربطة صغيرة، وتكتب في دفترها: الخيط الأوّل عند الصخرة التي تشبه السلحفاة. الخيط الثاني عند النبع الصغير. الخيط الثالث عند الشجرة المكسورة. وكان الجدّ يبتسم ويقول: هذه أوّل مرّة يكون للجبل خريطة حمراء!
وبعد ساعة من المشي، وصلا إلى غابة الأرز. توقّفت شهد مكانها مندهشة. كانت الأشجار ضخمة جدًّا، جذوعها عريضة لا تستطيع أن تحيطها بذراعيها، وأغصانها ممتدّة أفقيّة مثل طبقات من المظلّات الخضراء. قال الجدّ: هذه الشجرة الكبيرة هنا، كان جدّي يجلس تحتها حين كان في عمركِ. لمست شهد الجذع الخشن، وشمّت رائحة الخشب الطيّبة، وقالت: كأنّها تحكي قصصًا قديمة. جلسا تحت الشجرة، وأكلا التفّاح والجبن، وكتبت شهد في دفترها وصفًا للغابة، ورسمت ورقة أرز صغيرة.
بعد أن استراحا، قال الجدّ: هيّا نعود، فالشمس بدأت تميل. لكنّ شهد طلبت أن تتجوّل قليلًا لترى شجرة أخرى أبعد. مشيا بين الأشجار، وكانت شهد تربط خيطًا أحمر عند كلّ شجرة يمرّان بها. وفجأة، لاحظ الجدّ شيئًا. قال بصوت هادئ: انظري يا شهد إلى الوادي. كان هناك شيء أبيض كثيف يصعد من الوادي ببطء، مثل بحر من القطن. قالت شهد: ما هذا يا جدّي؟ قال: إنّه الضباب. في الجبل يأتي الضباب أحيانًا بسرعة كبيرة في الخريف.
وما هي إلّا دقائق حتى وصل الضباب إليهما، ولفّ الأشجار كلّها. صار كلّ شيء أبيض رماديًّا، ولم تعد شهد ترى أبعد من خطوات قليلة. اختفت الأشجار البعيدة، واختفت الشمس، واختفى الطريق. وصار الهواء باردًا ورطبًا. أمسكت شهد يد جدّها بقوّة، وقالت بصوت فيه خوف: جدّي، أين الطريق؟ أنا لا أرى شيئًا! وقف الجدّ وفكّر، ثمّ قال بهدوء: حتى أنا، مع أنّي أعرف الجبل جيّدًا، لا أستطيع أن أرى العلامات في هذا الضباب. كلّ الأشجار تبدو متشابهة الآن.
أغمضت شهد عينيها لحظة، وتذكّرت ما قرأته في كتاب المستكشفين: أوّل شيء تفعله حين تضيع، أن تهدأ ولا تركض. فأخذت نفسًا عميقًا، ثمّ فتحت عينيها وقالت: جدّي، الخيوط! الخيوط الحمراء! أخرجت مصباحها الصغير وأشعلته، ووجّهته نحو الشجرة القريبة. وهناك، على غصن منخفض، رأت الربطة الحمراء الصغيرة تلمع في الضوء، واضحة جدًّا وسط اللون الأبيض. قال الجدّ بفرح: يا شهد! اللون الأحمر يظهر في الضباب أكثر من أيّ لون آخر! أنتِ عبقريّة!
بدأ الاثنان يمشيان ببطء، يدًا بيد. كانت شهد توجّه المصباح يمينًا ويسارًا حتى تجد الخيط التالي، ثمّ يمشيان إليه، ثمّ تبحث عن الذي بعده. كانت تفتح دفترها أيضًا وتقرأ: بعد الشجرة المكسورة يأتي النبع الصغير. وحين سمعا صوت الماء يخرّ بين الصخور، صاحت: هذا هو النبع! نحن على الطريق الصحيح! وكان الجدّ يمشي خلفها ويقول: على مهلكِ يا مستكشفتي، خطوة خطوة، لا تستعجلي.
في منتصف الطريق، لم تجد شهد الخيط التالي. بحثت يمينًا وبحثت يسارًا، فلم تجد شيئًا. شعرت بالقلق يعود إليها. لكنّ الجدّ قال: لا بأس، لنقف هنا ولا نبتعد عن آخر خيط وجدناه. فكّري: ماذا كتبتِ في دفتركِ؟ فتحت شهد الدفتر، وقرأت بصوت عالٍ: الخيط الرابع عند الصخرة التي تشبه السلحفاة. ثمّ وجّهت المصباح نحو الأسفل، فرأت صخرة كبيرة مستديرة، فوقها حجر صغير مثل رأس سلحفاة، والخيط الأحمر مربوط على شجيرة صغيرة بجانبها، لم تكن قد رأته لأنّه كان منخفضًا.
واصلا المشي، خيطًا بعد خيط، وعلامة بعد علامة. وشيئًا فشيئًا، صار الضباب أخفّ، وصارت الأشجار تظهر من جديد، ثمّ ظهر سطح قرميديّ أحمر بعيد، ثمّ سمعا نباح الكلب الذي يعرفانه، كلب الجيران الأسود. صاحت شهد: القرية! وصلنا! وعند باب البيت، كانت الجدّة واقفة تنتظر وهي تلفّ وشاحها حول كتفيها، وقالت: الحمد لله على سلامتكما! رأيت الضباب يصعد فقلقت عليكما كثيرًا.
جلس الجميع حول المدفأة، وشربوا الحليب الساخن بالعسل، وحكى الجدّ القصّة كلّها للجدّة، وهو يربت على كتف شهد ويقول: لقد أنقذتنا مستكشفتنا الصغيرة اليوم. أنا عرفت الجبل سبعين سنة، لكنّ الضباب أخفى عنّي كلّ شيء، أمّا خيوط شهد فلم يستطع أن يخفيها. قالت شهد بخجل: لكنّك أنت يا جدّي من علّمني أن أهدأ، وأن أقف عند آخر علامة ولا أبتعد. ضحكت الجدّة وقالت: إذن أنتما فريق ممتاز.
في اليوم التالي، حين صفا الجوّ، صعدت شهد وجدّها إلى الغابة مرّة أخرى، وجمعا كلّ الخيوط الحمراء عن الأغصان، خيطًا بعد خيط، حتى لا تبقى في الغابة شيئًا غريبًا عنها. وقالت شهد: سنعيدها إلى سلّة جدّتي، وفي الرحلة القادمة نستعملها من جديد. وفي طريق العودة، كانت شهد تشير إلى كلّ مكان مرّا به في الضباب، وتقول: هنا وقفنا، وهنا وجدنا النبع، وهنا كادت الصخرة السلحفاة تختفي عنّا! وكان الجدّ يضحك ويقول: سنسمّي هذا الطريق من اليوم درب شهد. ثمّ كتبت في آخر صفحة من دفترها جملة بخطّ كبير.
كتبت شهد: المستكشف الذكيّ لا يعتمد على الحظّ، بل يستعدّ قبل أن يبدأ رحلته. وتعلّمت شهد في ذلك اليوم أنّ التخطيط الصغير قبل المغامرة قد يصنع فرقًا كبيرًا، وأنّ الهدوء عند الخطر أقوى من الخوف، وأنّ الاستماع لنصائح الكبار مع التفكير بعقلنا يجعلنا نجد طريقنا حتى في أكثر الأيام ضبابًا.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!