زياد وحارس المنارة في ليلة العاصفة

زياد وحارس المنارة في ليلة العاصفة

📝 ملخص القصة

يقضي زياد عطلته عند جدّه حارس المنارة القديمة، وفي ليلة عاصفة يتعطّل المصباح الكبير وقارب صيد يقترب من الصخور، فيصعد زياد مع جدّه الدرج الحلزونيّ ويساعده على إعادة النور في الوقت المناسب.

📖 نص القصة

على رأس صخريّ بعيد يطلّ على البحر، تقف منارة بيضاء طويلة، في أعلاها غرفة زجاجيّة فيها مصباح كبير يدور طول الليل، فيرسل شعاعه فوق الأمواج ليقول للسفن: انتبهي، هنا صخور، ابتعدي عنها. وفي بيت صغير عند قاعدة المنارة، كان يعيش الجدّ منصور، حارس المنارة منذ أكثر من أربعين سنة. كان له لحية بيضاء، وقبّعة صوفيّة زرقاء، ومعطف ثقيل يلبسه في كلّ الفصول، لأنّ ريح البحر لا تعرف الصيف من الشتاء.

وفي عطلة الربيع، جاء حفيده زياد ليقضي عنده أسبوعًا كاملًا. كان زياد في الثامنة من عمره، يحبّ الخرائط والبوصلات والقصص عن البحّارة، وكان يحلم منذ زمن أن يصعد إلى قمّة المنارة. وفي اليوم الأوّل، أخذه الجدّ إلى الباب الحديديّ في أسفل البرج وقال: هنا يبدأ الدرج، مئة وسبع وعشرون درجة، تدور وتدور مثل قوقعة الحلزون. هل تستطيع أن تعدّها معي؟

صعد زياد وهو يعدّ بصوت عالٍ: واحد، اثنان، ثلاثة... وكان صوته يرتدّ عن الجدران الحجريّة كأنّ أحدًا آخر يعدّ معه. وعند الدرجة الخمسين توقّف ليلتقط أنفاسه، ونظر من نافذة صغيرة مستديرة، فرأى البحر الأزرق الواسع، والطيور البيضاء تطير فوقه. وعند الدرجة المئة والسبع والعشرين، وصلا إلى غرفة المصباح، فوقف زياد مذهولًا أمام العدسة الزجاجيّة الضخمة التي تشبه خليّة نحل من البلّور.

شرح له الجدّ كيف يعمل المصباح: هذه العدسة تجمع الضوء الصغير وتجعله شعاعًا قويًّا يُرى من بعيد جدًّا. وهذا المحرّك الصغير يدير العدسة، فيظهر الشعاع ويختفي كلّ عشر ثوانٍ، وكلّ منارة لها إيقاع خاصّ بها، حتى يعرف البحّارة أيّ منارة يرون. ثمّ أراه دفترًا كبيرًا قديمًا، يكتب فيه كلّ ليلة حالة الطقس والسفن التي مرّت. وقال: هذا عملي يا زياد، أن يبقى النور مضاءً مهما حدث.

مرّت الأيّام الأولى جميلة وهادئة. كان زياد يساعد جدّه في تنظيف زجاج غرفة المصباح، وفي تزييت المحرّك، وفي كتابة الدفتر بخطّه الصغير. وكان الجدّ يحكي له في المساء قصصًا عن ليالٍ عاصفة قديمة، وعن سفن أنقذها النور. وكان زياد يسأل: يا جدّي، هل انطفأت المنارة يومًا؟ فيضحك الجدّ ويقول: مرّة أو مرّتين، لكنّني كنت دائمًا مستعدًّا. عندي مصباح احتياطيّ، ولكلّ مشكلة حلّ.

وفي الليلة الخامسة، تغيّر كلّ شيء. صارت السماء سوداء، وغطّت الغيوم الثقيلة النجوم، وبدأت الريح تعوي حول البرج كذئب كبير. وارتفعت الأمواج حتى صارت تضرب الصخور وترمي رذاذها الأبيض عاليًا. أغلق الجدّ النوافذ، وأشعل مصباحًا يدويًّا، وقال لزياد: هذه ليلة عمل يا بطل. سأصعد لأتأكّد أنّ كلّ شيء بخير. وقبل أن يصل الجدّ إلى الباب، انطفأت أنوار البيت فجأة، وصار كلّ شيء مظلمًا.

خرج الجدّ وزياد إلى الباب، ونظرا إلى أعلى المنارة، فوجدا الشعاع قد توقّف. قال الجدّ بقلق: انقطعت الكهرباء! يجب أن نشغّل المولّد ونضيء المصباح الاحتياطيّ بسرعة. وفي تلك اللحظة، رأى زياد في البحر نقطة ضوء صغيرة صفراء تتأرجح بين الأمواج. صاح: جدّي! هناك قارب! أمسك الجدّ منظاره ونظر، ثمّ قال: إنّه قارب صيد صغير، وهو يتّجه نحو صخور الرأس. بدون النور لن يعرف أين هو!

ركض الجدّ إلى غرفة المولّد الصغيرة بجانب البيت، وزياد يمسك المصباح اليدويّ ويضيء له الطريق. سحب الجدّ الحبل مرّة، ومرّتين، وثلاث مرّات، حتى دار المولّد بصوت عالٍ. ثمّ قال: الكهرباء عادت إلى البرج، لكنّ المصباح لن يعمل وحده، يجب أن أصعد وأشغّله بيدي. وكانت ركبة الجدّ تؤلمه منذ أيّام، ونظر إلى الدرج الطويل وتنهّد. فقال زياد: سأصعد معك يا جدّي، سأحمل المصباح اليدويّ وصندوق الأدوات.

بدأ الصعود. كانت الريح تهزّ النوافذ الصغيرة، وصوت الأمواج يملأ البرج، والدرج مظلم لا يضيئه إلّا مصباح زياد. كان زياد يصعد أمام جدّه، يضيء الدرجات، ويعدّ بصوت عالٍ ليشجّعه: عشرون، ثلاثون، أربعون... وكلّما توقّف الجدّ ليرتاح، قال زياد: نحن في منتصف الطريق يا جدّي، القارب ينتظرنا. وكان الجدّ يبتسم رغم التعب ويقول: أنت بوصلتي الليلة يا زياد.

عند الدرجة المئة والسبع والعشرين، دخلا غرفة المصباح. كان الزجاج يرتجف من الريح، والبحر تحتهما أسود كالحبر. فتح الجدّ صندوق المصباح الاحتياطيّ، وقال: يا زياد، أضئ هنا، على هذه الأسلاك. وجّه زياد الضوء بيد ثابتة، رغم أنّ قلبه كان يدقّ بسرعة. ركّب الجدّ المصباح، وشدّ البراغي، ثمّ قال: والآن، اضغط أنت هذا الزرّ الأحمر. نظر زياد إلى جدّه، فهزّ الجدّ رأسه مشجّعًا.

ضغط زياد الزرّ. وفي لحظة واحدة، اشتعل المصباح بنور أبيض قويّ، ودارت العدسة البلّوريّة، وانطلق الشعاع فوق البحر المظلم، ثمّ اختفى، ثمّ عاد بعد عشر ثوانٍ، كما يجب تمامًا. ركض زياد إلى الزجاج ونظر إلى القارب الصغير، فرآه يتوقّف، ثمّ يدور ببطء، ويبتعد عن الصخور، ويتّجه نحو مدخل الميناء الآمن. صاح زياد: لقد رآنا! لقد رأى النور! وضمّه الجدّ بقوّة.

بقي الجدّ وزياد في غرفة المصباح حتى هدأت العاصفة قرب الفجر. كتب الجدّ في الدفتر الكبير: ليلة عاصفة، انقطاع الكهرباء، تشغيل المصباح الاحتياطيّ، قارب صيد عاد سالمًا. ثمّ أعطى القلم لزياد وقال: اكتب اسمك هنا، فأنت شريكي في هذه الليلة. كتب زياد اسمه بخطّ مرتجف من الفرح، ثمّ نام على الكرسيّ الخشبيّ، ومعطف جدّه فوقه.

وفي الصباح، طرق أحدهم باب البيت. كان رجلًا عريض الكتفين، يلبس معطفًا أصفر مبلّلًا، ومعه ابنه الصغير. قال: أنا الصيّاد سالم، كنت في القارب ليلة أمس. ضللت الطريق في العاصفة، ولولا أنّ النور عاد في تلك اللحظة لاصطدمت بالصخور. جئت لأشكركم. ثمّ قدّم لهما سلّة مليئة بالسمك الطازج. قال الجدّ: لا تشكرني وحدي، اشكر حفيدي زياد، فهو الذي رأى قاربك، وهو الذي ضغط الزرّ.

نظر الصيّاد إلى زياد وصافحه كما يصافح الرجال، وقال: أنت بطل يا زياد. فاحمرّ وجه زياد وقال: لم أكن وحدي، جدّي هو الذي يعرف كلّ شيء. ضحك الجدّ وقال: والبطولة الحقيقيّة يا زياد أن تعرف ماذا تفعل حين تخاف، وأن تساعد من معك، وأن تبقى هادئًا حتى تنتهي المهمّة.

وعندما انتهت العطلة وعاد زياد إلى المدينة، أخذ معه هديّة من جدّه: بوصلة نحاسيّة قديمة، وصفحة منسوخة من الدفتر الكبير فيها اسمه. علّقها على حائط غرفته، وكلّما نظر إليها تذكّر الدرج الحلزونيّ، والريح، والزرّ الأحمر، والنور الذي دار فوق البحر. وقال لأمّه: عندما أكبر، أريد أن أكون مثل جدّي، أضيء الطريق لمن ضلّ طريقه.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×