الْفَلَّاحُ الْأَمِينُ وَالصُّرَّةُ الضَّائِعَةُ

الْفَلَّاحُ الْأَمِينُ وَالصُّرَّةُ الضَّائِعَةُ

📝 ملخص القصة

يجد الفلاح الفقير حسن صرّة مملوءة بالذهب في طريق السوق، فيبحث عن صاحبها رغم فقره، فيكافئه الله على أمانته بخير أعظم من الذهب.

📖 نص القصة

يُحْكَى أَنَّ فَلَّاحًا فَقِيرًا اسْمُهُ حَسَنٌ، كَانَ يَعِيشُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ فِي كُوخٍ صَغِيرٍ عَلَى طَرَفِ الْقَرْيَةِ. وَكَانَ لَهُ حَقْلٌ صَغِيرٌ، يَزْرَعُهُ قَمْحًا وَخُضَرًا، وَيَعْمَلُ فِيهِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْمَسَاءِ. وَكَانَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَنَّهُ صَادِقٌ أَمِينٌ، لَا يَكْذِبُ، وَلَا يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ.

وَفِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ، قَلَّ الْمَطَرُ، وَضَعُفَ الزَّرْعُ، وَصَارَ حَسَنٌ لَا يَجِدُ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الطَّعَامِ. فَحَمَلَ يَوْمًا سَلَّةً فِيهَا بَعْضُ الْخُضَرِ، وَخَرَجَ إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ لِيَبِيعَهَا، وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا خُبْزًا لِأُسْرَتِهِ.

وَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، رَأَى عَلَى الْأَرْضِ صُرَّةً مِنَ الْجِلْدِ الْأَحْمَرِ. فَانْحَنَى وَأَخَذَهَا، فَإِذَا هِيَ ثَقِيلَةٌ! فَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا دَنَانِيرَ ذَهَبِيَّةً كَثِيرَةً تَلْمَعُ تَحْتَ الشَّمْسِ.

وَقَفَ حَسَنٌ مُتَعَجِّبًا. وَهَمَسَ لَهُ صَوْتٌ فِي نَفْسِهِ: «خُذْهَا يَا حَسَنُ! لَا أَحَدَ يَرَاكَ. سَتَشْتَرِي بَيْتًا جَمِيلًا، وَحَقْلًا كَبِيرًا، وَثِيَابًا جَدِيدَةً لِابْنَتِكَ». لَكِنَّ حَسَنًا هَزَّ رَأْسَهُ وَقَالَ: «إِنْ لَمْ يَرَنِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَاللَّهُ يَرَانِي. وَهَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِي. لَا بُدَّ أَنَّ صَاحِبَهُ حَزِينٌ الْآنَ».

فَأَغْلَقَ الصُّرَّةَ، وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِهِ، وَمَضَى إِلَى السُّوقِ. وَهُنَاكَ وَقَفَ فِي وَسَطِ النَّاسِ، وَنَادَى بِصَوْتٍ عَالٍ: «يَا أَهْلَ السُّوقِ! مَنْ ضَاعَتْ مِنْهُ صُرَّةٌ؟ مَنْ فَقَدَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ؟»

فَجَاءَهُ رَجُلٌ مُحْتَالٌ وَقَالَ: «أَنَا! أَنَا صَاحِبُهَا! أَعْطِنِي إِيَّاهَا». فَقَالَ حَسَنٌ بِذَكَاءٍ: «إِذَا كُنْتَ صَاحِبَهَا، فَقُلْ لِي: مَا لَوْنُهَا؟ وَمَاذَا فِيهَا؟» فَتَلَعْثَمَ الرَّجُلُ وَقَالَ: «إِنَّهَا... إِنَّهَا زَرْقَاءُ، وَفِيهَا فِضَّةٌ». فَقَالَ حَسَنٌ: «لَسْتَ صَاحِبَهَا». فَهَرَبَ الْمُحْتَالُ خَجْلَانَ.

وَبَعْدَ قَلِيلٍ، جَاءَ شَيْخٌ وَقُورٌ، عَلَى وَجْهِهِ الْحُزْنُ وَالتَّعَبُ، وَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، ضَاعَتْ مِنِّي صُرَّةٌ مِنَ الْجِلْدِ الْأَحْمَرِ، فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ ذَهَبِيٍّ، وَعَلَيْهَا خَيْطٌ أَخْضَرُ. كُنْتُ قَدْ جَمَعْتُهَا لِأَبْنِيَ بِهَا بِئْرًا لِأَهْلِ قَرْيَتِي».

فَأَخْرَجَ حَسَنٌ الصُّرَّةَ، فَإِذَا عَلَيْهَا خَيْطٌ أَخْضَرُ! فَأَعْطَاهَا لِلشَّيْخِ وَقَالَ: «تَفَضَّلْ يَا عَمُّ، عُدَّهَا». فَعَدَّهَا الشَّيْخُ، فَوَجَدَهَا كَامِلَةً لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا دِينَارٌ وَاحِدٌ.

فَرِحَ الشَّيْخُ فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَظَرَ إِلَى ثِيَابِ حَسَنٍ الْقَدِيمَةِ، وَإِلَى سَلَّتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، أَنْتَ فَقِيرٌ، وَمَعَ ذَلِكَ رَدَدْتَ الذَّهَبَ كُلَّهُ! خُذْ مِنْهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مُكَافَأَةً لَكَ». فَقَالَ حَسَنٌ: «شُكْرًا يَا عَمُّ، لَكِنَّنِي لَمْ أَفْعَلْ إِلَّا الْوَاجِبَ. وَأَهْلُ قَرْيَتِكَ أَحَقُّ بِالْبِئْرِ».

فَتَعَجَّبَ الشَّيْخُ، وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِكَ». فَحَكَى لَهُ حَسَنٌ عَنْ قِلَّةِ الْمَطَرِ، وَضَعْفِ الزَّرْعِ. فَقَالَ الشَّيْخُ: «اسْمَعْ يَا بُنَيَّ. أَنَا عِنْدِي بُسْتَانٌ كَبِيرٌ فِيهِ نَخْلٌ وَزَيْتُونٌ، وَقَدْ كَبِرْتُ، وَلَا أَجِدُ رَجُلًا أَمِينًا يَعْمَلُ فِيهِ وَيَحْفَظُهُ. فَهَلْ تَعْمَلُ مَعِي، وَلَكَ نِصْفُ الثَّمَرِ؟»

فَرِحَ حَسَنٌ، وَشَكَرَ اللَّهَ، وَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ يَجْرِي، وَأَخْبَرَ زَوْجَتَهُ وَابْنَتَهُ. فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ! الْأَمَانَةُ لَمْ تُضَيِّعْنَا».

وَعَمِلَ حَسَنٌ فِي الْبُسْتَانِ بِجِدٍّ وَإِخْلَاصٍ، فَكَثُرَ الثَّمَرُ، وَبَارَكَ اللَّهُ فِي رِزْقِهِ. وَبَنَى الشَّيْخُ الْبِئْرَ لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ، وَكَانَ حَسَنٌ أَوَّلَ مَنْ سَاعَدَهُ فِي حَفْرِهَا.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، جَاءَ الرَّجُلُ الْمُحْتَالُ الَّذِي كَذَبَ فِي السُّوقِ، وَكَانَ قَدْ خَسِرَ مَالَهُ وَأَصْحَابَهُ، لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعُودُوا يُصَدِّقُونَهُ. فَطَلَبَ مِنْ حَسَنٍ عَمَلًا فِي الْبُسْتَانِ. فَقَالَ لَهُ حَسَنٌ: «أُعْطِيكَ عَمَلًا، بِشَرْطِ أَنْ تَصْدُقَ». فَعَمِلَ الرَّجُلُ بِأَمَانَةٍ، وَتَعَلَّمَ مِنْ حَسَنٍ أَنَّ الصِّدْقَ يَفْتَحُ الْأَبْوَابَ، وَأَنَّ الْكَذِبَ يُغْلِقُهَا. وَصَارَ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ فِي الْقَرْيَةِ.

وَكَانَ النَّاسُ إِذَا مَرُّوا بِالْبِئْرِ، وَشَرِبُوا مِنْ مَائِهَا الْعَذْبِ، قَالُوا: «هَذِهِ بِئْرُ الْأَمَانَةِ». وَكَانَ حَسَنٌ يَقُولُ لِابْنَتِهِ: «يَا بُنَيَّتِي، الذَّهَبُ يَذْهَبُ، وَالْأَمَانَةُ تَبْقَى. وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ، عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ».

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×