العودة إلى الحكايات

حكاية

القارب الورقيّ الذي أبحر في الزقاق

القارب الورقيّ الذي أبحر في الزقاق
طوال الصباح، كان المطر يهطل على القرية الصغيرة: طِق، طَق، طِق، طَق.

جلست زارا وأخوها الصغير سامي قرب النافذة، يراقبان قطرات المطر تتسابق على الزجاج.

سأل سامي: «متى يتوقّف؟»

وبعد الغداء بقليل، توقّف فعلًا.

تدحرجت الغيوم بعيدًا، وأطلّت الشمس. وصار كلّ شيء يلمع ويقطر ويتلألأ.

لبست زارا وسامي معطفي المطر. معطف زارا أصفر، ومعطف سامي أزرق. ولبسا حذاءي المطر أيضًا: دَبّ، دَبّ، دَبّ. ثمّ ركضا إلى الخارج.

كان الزقاق أمام بيتهما مرصوفًا بحجارة رمادية مستديرة. وعلى طول جانبه، كان جدول طويل من ماء المطر يندفع نحو الأسفل. يقرقر ويرشّ، ويدور حول الحجارة، ويحمل معه أوراقًا صغيرة وأعوادًا، أسرع فأسرع.

قال سامي: «انظري كيف يجري!»

راقبت زارا الماء. ثمّ خطرت لها فكرة، فلمعت عيناها.

وقالت: «سامي، هيّا نصنع قاربًا!»

ركضا إلى الداخل. وجدت زارا ورقة بيضاء نظيفة. كانت تعرف كيف تطوي قاربًا ورقيًّا، فقد علّمتها جدّتها في الصيف الماضي.

قالت زارا وهي تطوي بعناية: «نطويها من النصف. ثمّ نطوي الزوايا إلى الأسفل. ثمّ نفتح الأسفل هكذا، ونسحب الجانبين.»

راقبها سامي بعينين واسعتين. طيّة، طيّة، ضغطة. طيّة، طيّة، ضغطة. ثمّ، كأنّه سحر، صار في يدي زارا قارب ورقيّ صغير، له وسط مدبّب وجانبان مرتّبان.

سأل سامي: «هل أستطيع أن أزيّنه؟»

قالت زارا: «طبعًا.»

أخذ سامي قلم التلوين الأصفر، وفكّر لحظة. ثمّ رسم على جانب القارب شمسًا مستديرة مبتسمة، لها أشعّة صغيرة كثيرة.

وشرح: «لكي يكون الطقس جميلًا للقارب دائمًا.»

قالت زارا: «هذا رائع.»

ركضا إلى الزقاق من جديد. جلست زارا على ركبتيها قرب جدول الماء المندفع، وجلس سامي بجانبها.

قالت زارا: «مستعدّ؟»

قال سامي: «مستعدّ!»

وضعت زارا القارب على الماء بلطف.

ووووش! انطلق.

تمايل القارب الصغير ودار. ثمّ استقام وانطلق في الزقاق، راكبًا ماء المطر.

صاح سامي: «لنلحق به!»

فركضا. طَش، طَش، طَش، فعل حذاءاهما في البرك. وأبحر القارب، وهما يركضان بجانبه.

أبحر بجانب حديقة الجيران، حيث تقطر الأزهار الورديّة بالمطر. صاح سامي: «هيّا يا قارب، هيّا!»

أبحر بجانب المخبز، حيث يفوح الهواء برائحة الكعك الدافئ. لوّح الخبّاز من الباب. صاح سامي: «هيّا يا قارب، هيّا!»

أبحر بجانب موقف الحافلات، حيث ابتسمت لهما سيّدة عجوز تحمل مظلّة. صاح سامي: «هيّا يا قارب، هيّا!»

ثمّ وصل القارب إلى ورقة شجر كبيرة مسطّحة بنّية. اصطدم بها، ودار مرّة، ومرّتين، وثلاثًا. وحبس زارا وسامي أنفاسهما.

ثمّ انزلق من جانب الورقة وتابع طريقه.

هتفا: «هيييه!»

لكن بعد مسافة قصيرة في الزقاق، كان هناك عود. عود طويل معقّد، ممدود عبر الجدول.

أبحر القارب الصغير نحوه مباشرة: بُمب.

وتوقّف.

كان الماء يدفع القارب من الخلف. فتمايل، ومال على جانب. وفاضت عليه رشّة ماء، ثمّ أخرى.

صاح سامي وهو يمسك كمّ زارا: «يا إلهي! سيغرق! قاربنا سيغرق!»

لم تفزع زارا. جلست على ركبتيها قرب الجدول، ومدّت يدها ببطء حتى لا تصنع موجة كبيرة.

وبلطف شديد، رفعت العود من الماء.

تمايل القارب الصغير، ونفض الماء عنه. ثمّ استقام وأبحر من جديد، كأنّ شيئًا لم يحدث.

أطلق سامي نفسًا طويلًا وقال: «لقد أنقذتِه.»

قالت زارا: «أنقذناه معًا. أنت رأيته أوّلًا.»

وتابعا الركض: طَش، طَش، طَش.

في آخر الزقاق تمامًا، كان جدول المطر يصبّ في بركة كبيرة واسعة قرب الحديقة العامّة. كانت كبيرة حتى كادت تكون بحيرة صغيرة، تنعكس فيها السماء زرقاء بغيوم بيضاء منفوشة.

أبحر القارب الصغير إلى وسط البركة.

ثمّ توقّف.

لم يعد ينطلق. صار يطفو فقط، ويدور ويدور في دوائر بطيئة.

عبس سامي وقال: «الآن لا يستطيع أن يذهب إلى أيّ مكان. الماء توقّف عن دفعه.»

قرب البركة، كان مقعد خشبيّ. وعلى المقعد جلس رجل عجوز، يلبس قبّعة رمادية ناعمة ووشاحًا أخضر طويلًا. كان يراقب كلّ شيء منذ البداية.

قال مبتسمًا: «هذا قارب جميل جدًّا. هل صنعتماه بأنفسكما؟»

قالت زارا بفخر: «نعم. أنا طويته.»

وقال سامي: «وأنا رسمت الشمس.»

قال الرجل العجوز: «أرى ذلك. قارب معه شمسه الخاصّة. إنّه قارب محظوظ.»

وقام ببطء، ومشى إلى حافّة البركة.

وقال: «أتعرفان؟ عندما كنت صبيًّا، كنت أصنع قوارب مثله تمامًا. وكنت أُبحرها في هذا الزقاق نفسه.»

قال سامي: «حقًّا؟»

قال الرجل العجوز: «حقًّا. وعندما كانت قواربي تعلق في البركة الكبيرة، تعلّمت حيلة. هل تريدان أن أريكما؟»

هزّت زارا وسامي رأسيهما بقوّة.

أخرج الرجل العجوز مربّعًا صغيرًا من الورق من جيب معطفه، وطواه مثلّثًا صغيرًا. ثمّ وجد غصينًا رفيعًا على الأرض، وأدخله في الورقة. فصار يشبه علمًا صغيرًا.

وقال: «شراع.»

أخرجت زارا القارب من البركة. وغرز سامي الغصين بعناية في وسط القارب، فوقف الشراع منتصبًا.

ثمّ أعادت زارا القارب إلى الماء.

وانتظروا جميعًا.

في البداية، لم يحدث شيء.

ثمّ هبّ نسيم ناعم عبر الحديقة. حرّك الأشجار، وبعثر شعر سامي، وملأ الشراع الورقيّ الصغير.

بدأ القارب يتحرّك. ببطء أوّلًا، ثمّ أسرع قليلًا. وأبحر عبر البركة الكبيرة كلّها، وحده، وشمسه الصفراء تلمع على جانبه.

هتف سامي وقفز إلى الأعلى والأسفل: طَش! وصفّقت زارا وابتسمت. وحتى الرجل العجوز ضحك وصفّق بيديه.

سأل سامي: «هل نستطيع أن نفعلها مرّة أخرى؟»

قال الرجل العجوز: «كم مرّة تشاءان.» وجلس على طرف المقعد يتفرّج.

فأبحرا بالقارب الصغير ذهابًا وإيابًا عبر البركة طوال العصر، حتى بدأت الشمس تغيب.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

لُجين وصباح المنطاد
لُجين وصباح المنطاد

كان الظلام ما زال يملأ السماء حين أيقظت الأمّ لُجين. والنجوم تلمع خارج النافذة، والبيت بارد هادئ....

الشيخ حكيم والجسور الثلاثة
الشيخ حكيم والجسور الثلاثة

في قريةٍ بين نهرين عاش شيخٌ اسمه حكيم. كانت لحيته بيضاء كالقطن، وعيناه طيّبتين لامعتين. لم يكن حكيمٌ...

قصة نبي الله يوسف عليه السلام والبئر والكواكب الأحد عشر
قصة نبي الله يوسف عليه السلام والبئر والكواكب الأحد عشر

يسمّي الله قصة يوسف «أحسن القصص» (سورة يوسف، الآية 3). إنها قصة عن رؤيا، ورحلة طويلة، وقلب كثير العف...