حكاية
فانوس السلطان وراعية الغنم
في قديم الزمان، في مملكةٍ ذات تلالٍ خضراء وأنهارٍ هادئة، عاش سلطانٌ اسمه ناصر. لم يكن سلطانًا قاسيًا، لكنه كان مغرورًا. كان لقصره مئة نافذة، وفي كل نافذةٍ فانوسٌ من الزجاج الملوّن. فإذا جاء الليل أشعلها الخدم جميعًا، فتوهّج القصر فوق التلّ كأنه جوهرة.
وكان السلطان يحبّ فوانيسه أكثر من أي شيء. أمّا أحبّها إليه فكان فانوسًا ذهبيًّا كبيرًا معلّقًا فوق باب القصر، شديد اللمعان، يراه أهل القرى البعيدة في الليل.
كان السلطان يقول لوزرائه: «انظروا إلى فانوسي. ليس في الدنيا كلها نورٌ أجمل من نوري.»
فينحني الوزراء ويقولون: «نعم يا مولانا. لا نور أجمل من نورك.»
وفي أسفل التلّ، في بيتٍ صغيرٍ من الحجر، عاشت راعيةٌ صغيرة اسمها سلمى. كان لها اثنا عشر خروفًا كثيف الصوف، وكلبٌ عجوز اسمه برق، ومصباحٌ صغيرٌ من الفخّار صنعته جدّتها. وفي كل مساء كانت سلمى تملأ المصباح بقطراتٍ من زيت الزيتون وتضعه في نافذتها.
كان مصباحها صغيرًا، بسيطًا، لا يتوهّج كالجوهرة. لكنه كان يفعل شيئًا لا يفعله فانوس السلطان: كان يدلّ على طريق البيت.
ذلك أن الطريق تحت التلّ كان ضيّقًا كثير الحجارة، وكان المسافرون الذين يصلون متأخرين في الليل يضلّون طريقهم كثيرًا. فإذا رأوا النور الصغير في نافذة سلمى مشوا نحوه. وكانت سلمى تفتح لهم بابها دائمًا، فتقدّم لهم خبزًا دافئًا وكوبًا من الحليب وركنًا قرب النار يستريحون فيه.
وفي أحد فصول الشتاء، هبّت على التلال عاصفةٌ شديدة. عوت الريح، وانهمر المطر كأنه حبالٌ من فضّة. وفي تلك الليلة نفسها كان السلطان قد خرج إلى الصيد مع رجاله، فلمّا عادوا فاجأتهم العاصفة في الطريق.
صاح السلطان: «أين القصر؟ لا أرى فانوسي الذهبي!»
كان المطر كثيفًا حتى صار الفانوس الكبير فوق الباب كأنه بقعةٌ باهتة في السماء؛ فقد كان عاليًا جدًّا وبعيدًا جدًّا. تعثّرت الخيول، وارتجف الرجال، ولم يعرف أحدٌ أيّ طريقٍ يسلك.
ثم أشار أحد الحرّاس الشبّان وقال: «انظر يا مولاي! هناك نور، قريبٌ من الأرض!»
كان ذلك مصباح سلمى الفخّاري الصغير، يضيء بثباتٍ في نافذتها، ولم تكن العاصفة تبلغه لأنه محميٌّ خلف الجدار الحجري السميك.
سار السلطان ورجاله نحو النور الصغير، فلمّا طرقوا الباب فتحته سلمى في الحال. لم تكن تعرف من هم؛ كل ما رأته مسافرون مبلَّلون يرتجفون من البرد.
قالت: «تفضّلوا، تفضّلوا. هناك مكانٌ قرب النار.»
دخل السلطان، وكان الماء يقطر من عباءته الفاخرة على الأرض الطينية. لم يكن في البيت إلا غرفةٌ واحدة، وبعض الوسائد، وقدرٌ من حساء العدس يغلي على مهل. وهزّ برق الكلب العجوز ذيله مرحّبًا.
صبّت سلمى الحساء في كل صحنٍ عندها، فلمّا نفدت الصحون صبّته في الأكواب، فلمّا نفدت الأكواب أعطت صحنها هي لأصغر الحرّاس، ولم تأكل شيئًا.
كان السلطان يراقبها صامتًا، ثم قال: «يا بنيّتي، لماذا تضعين مصباحًا في نافذتك كل ليلة؟ إن الزيت ليس رخيصًا على راعية.»
ابتسمت سلمى وقالت: «علّمتني جدّتي أن النور ليس لمن يشعله، بل لمن ضلّ الطريق. النور الكبير البعيد جميلٌ للنظر، لكن النور الصغير القريب يوصلك إلى بيتك.»
سكت السلطان طويلًا. تذكّر فوانيسه المئة وفانوسه الذهبي الكبير، وتذكّر أنه لم يشعلها إلا ليُعجَب الناس بقصره، ولم يفكّر يومًا في المسافرين على الطريق المظلم تحت التلّ.
وفي الصباح كانت العاصفة قد انقضت، وصارت السماء زرقاء صافية كأنها غُسلت. شكر السلطان سلمى وعاد إلى قصره فوق التلّ، ولوّحت له سلمى مودّعةً، ولم تكن تعلم بعدُ أنها أطعمت ملكًا.
وبعد ثلاثة أيام جاء رسولٌ إلى بابها وقال: «السلطان يدعوكِ إلى القصر.»
خافت سلمى، وقالت في نفسها: هل أخطأتُ في شيء؟ ثم نظّفت أحسن ثيابها، وأخذت برق معها، وصعدت التلّ.
وفي القاعة الكبرى كان السلطان ينتظر، وحوله وزراؤه، وقد بدت عليهم الدهشة، لأن السلطان لم يكن يلبس تاجه الذهبي، بل كان يحمل مصباحًا صغيرًا من الفخّار.
قال: «أتعرفينني يا سلمى؟»
دقّقت سلمى النظر، فاحمرّ خدّاها وقالت: «أنت المسافر الذي أكل من حساء العدس!»
ضحك السلطان وقال: «أنا هو. وقد علّمتِني شيئًا لم يعلّمني إيّاه وزرائي كلهم. لقد قرّرتُ أن أغيّر فوانيسي.»
ومنذ ذلك اليوم أمر السلطان بأن تُنزَل الفوانيس الملوّنة من نوافذ القصر، وأن تُحمَل إلى أسفل التلّ، فتُعلَّق على الطريق الحجري، فانوسٌ كل مئة خطوة، حتى لا يضلّ مسافرٌ بعد اليوم. وطلب من سلمى أن تدلّ العمّال على أخطر مواضع الطريق، لأنها كانت أعرف الناس به.
ونُقل الفانوس الذهبي الكبير أيضًا، فوُضع عند مفترق الطرق حيث تلتقي ثلاث دروب، وهو المكان الذي كان يضلّ فيه أكثر المسافرين.
قال أحد الوزراء: «ولكن يا مولاي، سيصير قصرك مظلمًا، ولن يرى الناس روعته.»
قال السلطان: «فليروا الطريق بدلًا منه. القصر الذي لا يضيء إلا لنفسه كمصباحٍ تحت إناء. خيرٌ لنا أن نضيء الطريق للآخرين.»
فأحبّ أهل المملكة سلطانهم حبًّا جديدًا؛ لا لأن قصره كان مضيئًا، بل لأن رحلاتهم صارت آمنة.
أمّا سلمى، فعادت إلى بيتها الحجري وخرافها الاثني عشر، وظلّت كل مساء تشعل مصباح جدّتها الفخّاري الصغير. لكنها صارت حين تنظر من نافذتها ترى خيطًا طويلًا لطيفًا من الأنوار يتلوّى صاعدًا على التلّ، كأنه نجومٌ نزلت لتمشي بجانب المسافرين.
فابتسمت، لأنها عرفت أن النور يكون أجمل ما يكون حين يساعد أحدًا على أن يجد طريقه إلى البيت.
العبرة: ليست العظمة الحقيقية في أن نلمع لأنفسنا، بل في أن نمنح النور والعون للآخرين.
وكان السلطان يحبّ فوانيسه أكثر من أي شيء. أمّا أحبّها إليه فكان فانوسًا ذهبيًّا كبيرًا معلّقًا فوق باب القصر، شديد اللمعان، يراه أهل القرى البعيدة في الليل.
كان السلطان يقول لوزرائه: «انظروا إلى فانوسي. ليس في الدنيا كلها نورٌ أجمل من نوري.»
فينحني الوزراء ويقولون: «نعم يا مولانا. لا نور أجمل من نورك.»
وفي أسفل التلّ، في بيتٍ صغيرٍ من الحجر، عاشت راعيةٌ صغيرة اسمها سلمى. كان لها اثنا عشر خروفًا كثيف الصوف، وكلبٌ عجوز اسمه برق، ومصباحٌ صغيرٌ من الفخّار صنعته جدّتها. وفي كل مساء كانت سلمى تملأ المصباح بقطراتٍ من زيت الزيتون وتضعه في نافذتها.
كان مصباحها صغيرًا، بسيطًا، لا يتوهّج كالجوهرة. لكنه كان يفعل شيئًا لا يفعله فانوس السلطان: كان يدلّ على طريق البيت.
ذلك أن الطريق تحت التلّ كان ضيّقًا كثير الحجارة، وكان المسافرون الذين يصلون متأخرين في الليل يضلّون طريقهم كثيرًا. فإذا رأوا النور الصغير في نافذة سلمى مشوا نحوه. وكانت سلمى تفتح لهم بابها دائمًا، فتقدّم لهم خبزًا دافئًا وكوبًا من الحليب وركنًا قرب النار يستريحون فيه.
وفي أحد فصول الشتاء، هبّت على التلال عاصفةٌ شديدة. عوت الريح، وانهمر المطر كأنه حبالٌ من فضّة. وفي تلك الليلة نفسها كان السلطان قد خرج إلى الصيد مع رجاله، فلمّا عادوا فاجأتهم العاصفة في الطريق.
صاح السلطان: «أين القصر؟ لا أرى فانوسي الذهبي!»
كان المطر كثيفًا حتى صار الفانوس الكبير فوق الباب كأنه بقعةٌ باهتة في السماء؛ فقد كان عاليًا جدًّا وبعيدًا جدًّا. تعثّرت الخيول، وارتجف الرجال، ولم يعرف أحدٌ أيّ طريقٍ يسلك.
ثم أشار أحد الحرّاس الشبّان وقال: «انظر يا مولاي! هناك نور، قريبٌ من الأرض!»
كان ذلك مصباح سلمى الفخّاري الصغير، يضيء بثباتٍ في نافذتها، ولم تكن العاصفة تبلغه لأنه محميٌّ خلف الجدار الحجري السميك.
سار السلطان ورجاله نحو النور الصغير، فلمّا طرقوا الباب فتحته سلمى في الحال. لم تكن تعرف من هم؛ كل ما رأته مسافرون مبلَّلون يرتجفون من البرد.
قالت: «تفضّلوا، تفضّلوا. هناك مكانٌ قرب النار.»
دخل السلطان، وكان الماء يقطر من عباءته الفاخرة على الأرض الطينية. لم يكن في البيت إلا غرفةٌ واحدة، وبعض الوسائد، وقدرٌ من حساء العدس يغلي على مهل. وهزّ برق الكلب العجوز ذيله مرحّبًا.
صبّت سلمى الحساء في كل صحنٍ عندها، فلمّا نفدت الصحون صبّته في الأكواب، فلمّا نفدت الأكواب أعطت صحنها هي لأصغر الحرّاس، ولم تأكل شيئًا.
كان السلطان يراقبها صامتًا، ثم قال: «يا بنيّتي، لماذا تضعين مصباحًا في نافذتك كل ليلة؟ إن الزيت ليس رخيصًا على راعية.»
ابتسمت سلمى وقالت: «علّمتني جدّتي أن النور ليس لمن يشعله، بل لمن ضلّ الطريق. النور الكبير البعيد جميلٌ للنظر، لكن النور الصغير القريب يوصلك إلى بيتك.»
سكت السلطان طويلًا. تذكّر فوانيسه المئة وفانوسه الذهبي الكبير، وتذكّر أنه لم يشعلها إلا ليُعجَب الناس بقصره، ولم يفكّر يومًا في المسافرين على الطريق المظلم تحت التلّ.
وفي الصباح كانت العاصفة قد انقضت، وصارت السماء زرقاء صافية كأنها غُسلت. شكر السلطان سلمى وعاد إلى قصره فوق التلّ، ولوّحت له سلمى مودّعةً، ولم تكن تعلم بعدُ أنها أطعمت ملكًا.
وبعد ثلاثة أيام جاء رسولٌ إلى بابها وقال: «السلطان يدعوكِ إلى القصر.»
خافت سلمى، وقالت في نفسها: هل أخطأتُ في شيء؟ ثم نظّفت أحسن ثيابها، وأخذت برق معها، وصعدت التلّ.
وفي القاعة الكبرى كان السلطان ينتظر، وحوله وزراؤه، وقد بدت عليهم الدهشة، لأن السلطان لم يكن يلبس تاجه الذهبي، بل كان يحمل مصباحًا صغيرًا من الفخّار.
قال: «أتعرفينني يا سلمى؟»
دقّقت سلمى النظر، فاحمرّ خدّاها وقالت: «أنت المسافر الذي أكل من حساء العدس!»
ضحك السلطان وقال: «أنا هو. وقد علّمتِني شيئًا لم يعلّمني إيّاه وزرائي كلهم. لقد قرّرتُ أن أغيّر فوانيسي.»
ومنذ ذلك اليوم أمر السلطان بأن تُنزَل الفوانيس الملوّنة من نوافذ القصر، وأن تُحمَل إلى أسفل التلّ، فتُعلَّق على الطريق الحجري، فانوسٌ كل مئة خطوة، حتى لا يضلّ مسافرٌ بعد اليوم. وطلب من سلمى أن تدلّ العمّال على أخطر مواضع الطريق، لأنها كانت أعرف الناس به.
ونُقل الفانوس الذهبي الكبير أيضًا، فوُضع عند مفترق الطرق حيث تلتقي ثلاث دروب، وهو المكان الذي كان يضلّ فيه أكثر المسافرين.
قال أحد الوزراء: «ولكن يا مولاي، سيصير قصرك مظلمًا، ولن يرى الناس روعته.»
قال السلطان: «فليروا الطريق بدلًا منه. القصر الذي لا يضيء إلا لنفسه كمصباحٍ تحت إناء. خيرٌ لنا أن نضيء الطريق للآخرين.»
فأحبّ أهل المملكة سلطانهم حبًّا جديدًا؛ لا لأن قصره كان مضيئًا، بل لأن رحلاتهم صارت آمنة.
أمّا سلمى، فعادت إلى بيتها الحجري وخرافها الاثني عشر، وظلّت كل مساء تشعل مصباح جدّتها الفخّاري الصغير. لكنها صارت حين تنظر من نافذتها ترى خيطًا طويلًا لطيفًا من الأنوار يتلوّى صاعدًا على التلّ، كأنه نجومٌ نزلت لتمشي بجانب المسافرين.
فابتسمت، لأنها عرفت أن النور يكون أجمل ما يكون حين يساعد أحدًا على أن يجد طريقه إلى البيت.
العبرة: ليست العظمة الحقيقية في أن نلمع لأنفسنا، بل في أن نمنح النور والعون للآخرين.


