حكاية
الشيخ حكيم والجسور الثلاثة
في قريةٍ بين نهرين عاش شيخٌ اسمه حكيم. كانت لحيته بيضاء كالقطن، وعيناه طيّبتين لامعتين. لم يكن حكيمٌ غنيًّا ولا أميرًا، لكن أهل القرية جميعًا كانوا يأتونه إذا وقعوا في مشكلة، لأنه كان شديد الحكمة.
وفي صباحٍ من أيام الربيع، جاء إلى بابه ثلاثة إخوةٍ صغار يركضون، وهم: فادي، وسمير، والصغير كريم أصغرهم.
صاح فادي: «يا جدّي حكيم! لقد ذهب أبونا إلى المدينة التي على الضفّة الأخرى ليبيع تمره، وأمرنا أن نحمل إليه سلّة التين الكبيرة التي نسيها. لكن الجسر القديم جرفه فيضان الربيع!»
وقال سمير: «هناك الآن ثلاثة جسورٍ جديدة بناها أهل القرية في الأسبوع الماضي، لكننا لا نعرف أيّها أفضل.»
مسح حكيمٌ لحيته البيضاء وقال: «إذن لنمشِ معًا وننظر إليها.»
ومشوا على ضفّة النهر حتى بلغوا الجسر الأول. كان مصنوعًا من ألواحٍ جديدةٍ لامعة، مدهونًا بلونٍ أحمر زاهٍ، يبدو جميلًا جدًّا.
قال فادي في الحال: «هذا! إنه أجملها. لنعبر بسرعة!»
قال حكيمٌ بلطف: «مهلًا. الجسر لا يُصنَع ليُنظَر إليه، بل ليُمشى عليه. لننظر كيف بُني.»
وجثا على ركبتيه ونظر تحته، فإذا الألواح الحمراء مربوطةٌ بخيطٍ رفيع، والأعمدة تحتها قصيرة لا تبلغ قاع النهر. كان الجسر يبدو قويًّا فقط.
قال فادي: «آه»، واحمرّ وجهه كلون الدهان.
ومضوا إلى الجسر الثاني. كان طويلًا جدًّا، يسلك الطريق البطيء الملتفّ؛ يمرّ بمنعطف النهر، وبحقلٍ من الشعير، ثم فوق جزيرةٍ صغيرة.
تأفّف سمير وقال: «هذا سيأخذ الصباح كلّه. لنبحث عن شيءٍ أسرع.»
قال حكيم: «ربما. لكن لننظر أولًا.»
وجثا مرةً أخرى ونظر تحته، فإذا الأعمدة غليظةٌ عميقة، والحبال متينةٌ جديدة، وكل لوحٍ مثبّتٌ بالمسامير جيّدًا.
قال حكيم: «إنه طويل، لكنه آمن.»
ثم بلغوا الجسر الثالث. ولم يكن جسرًا في الحقيقة، بل جذع شجرةٍ واحدًا دفعه أحدهم فوق أضيق موضعٍ في النهر. كان قصيرًا جدًّا، يُعبَر في عشر خطوات.
قال سمير وقد وضع قدمه عليه: «هذا أسرعها! عشر خطواتٍ ونصل!»
قال حكيم مرةً أخرى: «مهلًا.»
توقّف سمير. فالتقط حكيمٌ حصاةً صغيرة ورماها برفقٍ على وسط الجذع، فتدحرج الجذع قليلًا إلى جهة، ثم إلى الجهة الأخرى. كان مبلولًا زلقًا بطحالب النهر.
قال حكيمٌ بصوتٍ هادئ: «وسلّة تينٍ ثقيلةٌ بين ذراعيك، أتحبّ أن تعبر جذعًا يتدحرج؟»
سحب سمير قدمه بسرعة وقال: «لا، لا أحبّ.»
ونظر الأولاد الثلاثة إلى الجسر الطويل البطيء. وتكلّم أخيرًا كريمٌ الصغير الذي لم يقل شيئًا طوال الصباح:
«يا جدّي حكيم، لماذا بنى الناس جسرًا جميلًا غير متين، وجسرًا قصيرًا غير آمن؟»
ابتسم حكيم وقال: «لأن بعض الناس يستعجلون إعجاب الآخرين، وبعضهم يستعجلون الوصول. أمّا الصابرون فيأخذون وقتهم ليبنوا ما يدوم.»
فعاد الأربعة ليأتوا بسلّة التين الكبيرة. كانت ثقيلةً جدًّا، فحملها فادي وسمير بينهما، وحمل كريمٌ الصغير جرّة الماء، ومشى حكيمٌ بعصاه.
عبروا الجسر الطويل، ومرّوا بمنعطف النهر، ومرّوا بحقل الشعير حيث لوّح لهم المزارعون، وعبروا فوق الجزيرة الصغيرة حيث كان البطّ نائمًا بين القصب. وتوقّف كريمٌ يتأمّل أسرةً من صغار البطّ تسبح خلف أمّها.
قال: «لو أخذنا الجذع لما رأيناها أبدًا.»
وارتفعت الشمس، فأحسّ الأولاد بالحرّ وشيءٍ من التعب، وعاد سمير يتذمّر: «ما أبطأنا!»
قال حكيم: «البطء غير التأخّر. البطيء الواثق يصل، والسريع المتهوّر يقع.»
وأخيرًا، عند الظهر، بلغوا المدينة على الضفّة الأخرى. كان أبوهم واقفًا في السوق تحت مظلّةٍ مخطّطة، يبدو عليه القلق.
صاح: «يا أبنائي! خشيتُ أن تجرّبوا جسر الجذع! لقد سقط رجلٌ منه في النهر هذا الصباح بكل برتقاله، وما زال البرتقال يطفو نحو البحر!»
نظر الأولاد بعضهم إلى بعض، ثم إلى حكيم.
سأل فادي: «والجسر الأحمر؟»
قال أبوهم: «آه، سقط نصفه قبل ساعة حين مرّت عليه عنزة.»
فضحك الجميع، حتى فادي، وإن احمرّ خدّاه من جديد.
باع الأب التين بثمنٍ جيّد، واشترى لهم جميعًا كعك السمسم الحلو، فجلسوا في الظلّ يأكلونه على مهل، وفُتاته على ذقونهم.
وفي طريق العودة مشى سمير بجانب حكيم وقال: «يا جدّي، في المرّة القادمة التي أريد فيها أن أفعل شيئًا بسرعة، سأتذكّر الجذع الذي يتدحرج.»
وقال فادي: «وفي المرّة القادمة التي أريد فيها شيئًا لأنه جميلٌ فقط، سأنظر تحته أولًا.»
وقال كريمٌ الصغير: «وأنا سأتذكّر صغار البطّ.»
ضحك حكيمٌ ضحكته العميقة الدافئة وقال: «إذن عبرتم اليوم يا أبنائي ثلاثة جسور، وتعلّمتم ثلاثة دروس. إنه يومٌ طيّبٌ حقًّا.»
ولمّا عادوا إلى القرية حكى الأولاد للناس ما رأوه. وفي الأسبوع التالي تعاون أهل القرية ليجعلوا الجسر الطويل أقصر قليلًا، فبنوا ممرًّا جديدًا مستقيمًا عبر الجزيرة، متينًا صبورًا صادقًا. أخذوا وقتهم، وفحصوا كل حبلٍ وكل لوح.
فلمّا اكتمل طلبوا من حكيمٍ أن يكون أوّل من يعبره. فمشى على مهل، وعصاه تطرق الألواح، ومشى خلفه أطفال القرية جميعًا يضحكون وينشدون.
العبرة: الصبر والتأنّي يوصلاننا بأمانٍ إلى ما نريد، أمّا العجلة والتباهي فقد يوقعاننا.
وفي صباحٍ من أيام الربيع، جاء إلى بابه ثلاثة إخوةٍ صغار يركضون، وهم: فادي، وسمير، والصغير كريم أصغرهم.
صاح فادي: «يا جدّي حكيم! لقد ذهب أبونا إلى المدينة التي على الضفّة الأخرى ليبيع تمره، وأمرنا أن نحمل إليه سلّة التين الكبيرة التي نسيها. لكن الجسر القديم جرفه فيضان الربيع!»
وقال سمير: «هناك الآن ثلاثة جسورٍ جديدة بناها أهل القرية في الأسبوع الماضي، لكننا لا نعرف أيّها أفضل.»
مسح حكيمٌ لحيته البيضاء وقال: «إذن لنمشِ معًا وننظر إليها.»
ومشوا على ضفّة النهر حتى بلغوا الجسر الأول. كان مصنوعًا من ألواحٍ جديدةٍ لامعة، مدهونًا بلونٍ أحمر زاهٍ، يبدو جميلًا جدًّا.
قال فادي في الحال: «هذا! إنه أجملها. لنعبر بسرعة!»
قال حكيمٌ بلطف: «مهلًا. الجسر لا يُصنَع ليُنظَر إليه، بل ليُمشى عليه. لننظر كيف بُني.»
وجثا على ركبتيه ونظر تحته، فإذا الألواح الحمراء مربوطةٌ بخيطٍ رفيع، والأعمدة تحتها قصيرة لا تبلغ قاع النهر. كان الجسر يبدو قويًّا فقط.
قال فادي: «آه»، واحمرّ وجهه كلون الدهان.
ومضوا إلى الجسر الثاني. كان طويلًا جدًّا، يسلك الطريق البطيء الملتفّ؛ يمرّ بمنعطف النهر، وبحقلٍ من الشعير، ثم فوق جزيرةٍ صغيرة.
تأفّف سمير وقال: «هذا سيأخذ الصباح كلّه. لنبحث عن شيءٍ أسرع.»
قال حكيم: «ربما. لكن لننظر أولًا.»
وجثا مرةً أخرى ونظر تحته، فإذا الأعمدة غليظةٌ عميقة، والحبال متينةٌ جديدة، وكل لوحٍ مثبّتٌ بالمسامير جيّدًا.
قال حكيم: «إنه طويل، لكنه آمن.»
ثم بلغوا الجسر الثالث. ولم يكن جسرًا في الحقيقة، بل جذع شجرةٍ واحدًا دفعه أحدهم فوق أضيق موضعٍ في النهر. كان قصيرًا جدًّا، يُعبَر في عشر خطوات.
قال سمير وقد وضع قدمه عليه: «هذا أسرعها! عشر خطواتٍ ونصل!»
قال حكيم مرةً أخرى: «مهلًا.»
توقّف سمير. فالتقط حكيمٌ حصاةً صغيرة ورماها برفقٍ على وسط الجذع، فتدحرج الجذع قليلًا إلى جهة، ثم إلى الجهة الأخرى. كان مبلولًا زلقًا بطحالب النهر.
قال حكيمٌ بصوتٍ هادئ: «وسلّة تينٍ ثقيلةٌ بين ذراعيك، أتحبّ أن تعبر جذعًا يتدحرج؟»
سحب سمير قدمه بسرعة وقال: «لا، لا أحبّ.»
ونظر الأولاد الثلاثة إلى الجسر الطويل البطيء. وتكلّم أخيرًا كريمٌ الصغير الذي لم يقل شيئًا طوال الصباح:
«يا جدّي حكيم، لماذا بنى الناس جسرًا جميلًا غير متين، وجسرًا قصيرًا غير آمن؟»
ابتسم حكيم وقال: «لأن بعض الناس يستعجلون إعجاب الآخرين، وبعضهم يستعجلون الوصول. أمّا الصابرون فيأخذون وقتهم ليبنوا ما يدوم.»
فعاد الأربعة ليأتوا بسلّة التين الكبيرة. كانت ثقيلةً جدًّا، فحملها فادي وسمير بينهما، وحمل كريمٌ الصغير جرّة الماء، ومشى حكيمٌ بعصاه.
عبروا الجسر الطويل، ومرّوا بمنعطف النهر، ومرّوا بحقل الشعير حيث لوّح لهم المزارعون، وعبروا فوق الجزيرة الصغيرة حيث كان البطّ نائمًا بين القصب. وتوقّف كريمٌ يتأمّل أسرةً من صغار البطّ تسبح خلف أمّها.
قال: «لو أخذنا الجذع لما رأيناها أبدًا.»
وارتفعت الشمس، فأحسّ الأولاد بالحرّ وشيءٍ من التعب، وعاد سمير يتذمّر: «ما أبطأنا!»
قال حكيم: «البطء غير التأخّر. البطيء الواثق يصل، والسريع المتهوّر يقع.»
وأخيرًا، عند الظهر، بلغوا المدينة على الضفّة الأخرى. كان أبوهم واقفًا في السوق تحت مظلّةٍ مخطّطة، يبدو عليه القلق.
صاح: «يا أبنائي! خشيتُ أن تجرّبوا جسر الجذع! لقد سقط رجلٌ منه في النهر هذا الصباح بكل برتقاله، وما زال البرتقال يطفو نحو البحر!»
نظر الأولاد بعضهم إلى بعض، ثم إلى حكيم.
سأل فادي: «والجسر الأحمر؟»
قال أبوهم: «آه، سقط نصفه قبل ساعة حين مرّت عليه عنزة.»
فضحك الجميع، حتى فادي، وإن احمرّ خدّاه من جديد.
باع الأب التين بثمنٍ جيّد، واشترى لهم جميعًا كعك السمسم الحلو، فجلسوا في الظلّ يأكلونه على مهل، وفُتاته على ذقونهم.
وفي طريق العودة مشى سمير بجانب حكيم وقال: «يا جدّي، في المرّة القادمة التي أريد فيها أن أفعل شيئًا بسرعة، سأتذكّر الجذع الذي يتدحرج.»
وقال فادي: «وفي المرّة القادمة التي أريد فيها شيئًا لأنه جميلٌ فقط، سأنظر تحته أولًا.»
وقال كريمٌ الصغير: «وأنا سأتذكّر صغار البطّ.»
ضحك حكيمٌ ضحكته العميقة الدافئة وقال: «إذن عبرتم اليوم يا أبنائي ثلاثة جسور، وتعلّمتم ثلاثة دروس. إنه يومٌ طيّبٌ حقًّا.»
ولمّا عادوا إلى القرية حكى الأولاد للناس ما رأوه. وفي الأسبوع التالي تعاون أهل القرية ليجعلوا الجسر الطويل أقصر قليلًا، فبنوا ممرًّا جديدًا مستقيمًا عبر الجزيرة، متينًا صبورًا صادقًا. أخذوا وقتهم، وفحصوا كل حبلٍ وكل لوح.
فلمّا اكتمل طلبوا من حكيمٍ أن يكون أوّل من يعبره. فمشى على مهل، وعصاه تطرق الألواح، ومشى خلفه أطفال القرية جميعًا يضحكون وينشدون.
العبرة: الصبر والتأنّي يوصلاننا بأمانٍ إلى ما نريد، أمّا العجلة والتباهي فقد يوقعاننا.


