العودة إلى الحكايات

حكاية

ابنة النسّاجة والخيط الذهبي

ابنة النسّاجة والخيط الذهبي
في مدينةٍ مزدحمةٍ على شاطئ البحر، عاشت نسّاجةٌ اسمها أمّ رامي مع ابنتها ليلى. كان دكّانهما الصغير في زاوية السوق، ومن الصباح إلى المساء كنت تسمع «طَق طَق» نَوْلهما الخشبي.

كانت أمّ رامي تنسج أجمل السجّاد في المدينة، مليئًا بالأزهار والطيور والأغصان الملتفّة. أمّا ليلى فكانت في الثامنة، ما زالت تتعلّم، وعملها أن ترتّب الخيوط بحسب ألوانها وتلفّها بعنايةٍ على البكرات الخشبية.

وفي صباحٍ ما جاء رسولٌ من قصر الأمير وقال: «ستُزَفّ الأميرة نور، ابنة الأمير، في آخر الشهر. والأمير يريد أجمل سجّادةٍ في البلاد لقاعة العرس. ولكل نسّاجٍ في المدينة أن يحاول، وصاحب أجمل سجّادةٍ يفوز بكيسٍ من الفضّة ولقب نسّاج القصر.»

لمعت عينا أمّ رامي وقالت: «يا ليلى، هذه فرصتنا. سننسج أجمل سجّادةٍ نسجناها في حياتنا.»

وأعطى الرسول كل نسّاجٍ الهديّة نفسها من القصر: بكرةً صغيرةً من خيطٍ ذهبيٍّ حقيقي، وقال: «يجب أن يُنسَج هذا الذهب في السجّادة، فالأمير يريد أن يراه يلمع.»

عملت أمّ رامي وليلى بجدٍّ كبير؛ تستيقظان كل صباحٍ قبل الديك، وتعملان كل ليلةٍ على ضوء مصباح الزيت. وكبرت السجّادة صفًّا بعد صفّ: أزرق للبحر، وأخضر للنخيل، وأحمر للرمّان، وأبيض للحمام.

فلمّا قاربت أن تكتمل رفعت أمّ رامي البكرة الذهبية وقالت: «والآن الذهب. سننسجه شمسًا في وسط السجّادة تمامًا.»

لكنها حين نظرت إلى البكرة تجهّم وجهها؛ لم يبقَ من الخيط إلا قليل، أقلّ بكثيرٍ مما ظنّت، يكفي لنصف شمسٍ لا لشمسٍ كاملة.

وفي العصر ذهبت ليلى إلى السوق لتشتري الخبز، فمرّت في طريقها بدكّان نسّاجٍ آخر، شيخٍ عابسٍ اسمه أبو جابر. كان بابه مفتوحًا، وعلى أرضه بكرةٌ صغيرةٌ من الخيط الذهبي، قد تدحرجت من سلّةٍ واستقرّت منسيّةً في الغبار قرب الباب.

توقّفت ليلى. لم يكن أحدٌ ينظر، وكان أبو جابر نائمًا على كرسيّه يشخر بصوتٍ عالٍ، والبكرة تلمع في ضوء الشمس.

قالت ليلى في نفسها: «لو أخذتُها لصارت في سجّادتنا شمسٌ ذهبيةٌ كاملة، ولفُزنا، ولصارت أمّي نسّاجة القصر. وأبو جابر عابسٌ جدًّا، وقد لا ينتبه أصلًا.»

مدّت يدها، ولمست أصابعها البكرة، فإذا هي باردةٌ ناعمة.

ثم تذكّرت ليلى كلمةً كانت أمّها تردّدها وهما تنسجان: «كل خيطٍ في السجّادة يَظهر؛ فإن اعوجّ خيطٌ واحد عرفه النقش كلّه.»

فكّرت ليلى في ذلك. لو أخذت الخيط الذهبي لبقي في سجّادتهما إلى الأبد، وكلما نظرت إلى الشمس الذهبية تذكّرت أن نصفها ليس لهما. سيعرف النقش كلّه.

فالتقطت ليلى البكرة، لكنها لم تضعها في جيبها، بل دخلت الدكّان وهزّت كتف أبي جابر برفق.

وقالت: «يا عمّي أبا جابر، لقد سقط خيطك الذهبي على الأرض عند الباب، وقد يدوسه أحدٌ أو يأخذه.»

فتح الشيخ عينًا، ثم الأخرى، ونظر إلى البكرة في يدها، ونظر إلى وجه ليلى، وسكت طويلًا.

ثم قال أخيرًا: «أنتِ ابنة أمّ رامي. ألا تنسجان أنتما أيضًا سجّادةً للأمير؟»

«نعم يا عمّي.»

«وهل عندكما ما يكفي من الذهب؟»

نظرت ليلى إلى نعليها وقالت: «لا يا عمّي، لا يكفي إلا لنصف شمس.»

أخذ أبو جابر البكرة وقلّبها بين أصابعه الخشنة، ثم فعل شيئًا لم يره أحدٌ في السوق يفعله من قبل: ابتسم.

ولم يقل إلا: «عودي غدًا.»

وفي الصباح التالي عادت ليلى إلى دكّان أبي جابر، وجاءت أمّها معها وقد ملأها الفضول. كان أبو جابر ينتظر عند نَوْله، وعليه سجّادةٌ بديعةٌ مليئةٌ بالنجوم والأقمار.

قال: «لقد كبرتُ، وتعبت عيناي، وأبطأت يداي، ولن أُتمّ هذه السجّادة قبل العرس. لكنني لا أريد أن يضيع ذهبي.» ومدّ البكرة إلى أمّ رامي وقال: «البنت التي تردّ ما ليس لها، أهلُها أهلٌ للثقة. خذيه، وأكملي شمسك.»

دُهشت أمّ رامي حتى عجزت عن الكلام، ثم خطرت لها فكرة.

فقالت: «يا أبا جابر، نجومك أجمل ما رأيتُ في حياتي. شمسي في وسط سجّادتي، لكن السماء حولها فارغة. أتأتي فتنسج نجومك في سمائنا؟ فتكون سجّادة نسّاجَين لا نسّاجٍ واحد.»

رمش الشيخ بعينيه؛ فلم يطلب منه أحدٌ أن يعمل معه منذ سنواتٍ طويلة. وقال بهدوء: «يسعدني ذلك.»

فعمل الثلاثة معًا؛ نسجت أمّ رامي الشمس الذهبية، ونسج أبو جابر حولها نجومًا فضّية، ورتّبت ليلى الخيوط، ولفّت البكرات، وجاءت للجميع بشاي النعناع. وأخذ الشيخ العابس يحكي الحكايات وهو يعمل، فامتلأ الدكّان الصغير بالضحك.

وفي آخر الشهر حُمِلت السجاجيد كلها إلى القصر. ومشى الأمير على مهلٍ أمام كل واحدةٍ منها. كان بعضها أكبر، وبعضها فيه ذهبٌ أكثر. لكنه حين بلغ السجّادة ذات الشمس الذهبية والنجوم الفضّية توقّف.

وقال: «هذه فيها شيءٌ مختلف. من صنعها؟»

فتقدّمت أمّ رامي ومعها أبو جابر، ووقفت ليلى بينهما. وحكت أمّ رامي الحكاية كلّها: البكرة في الغبار، والنسّاج النائم، والبنت التي ردّتها.

سكت الأمير لحظة، ثم التفت إلى ابنته وقال: «يا نور، السجّادة ليست إلا خيوطًا، لكن هذه نُسِجت بالأمانة والصداقة. أريدها في قاعة عرسك لتذكري دائمًا أن البيت السعيد يُبنى بالطريقة نفسها.»

وسُمّي كلٌّ من أمّ رامي وأبي جابر نسّاجًا للقصر، واقتسما كيس الفضّة. ومنذ ذلك اليوم صار يُسمَع في زاوية السوق «طَق طَق» نَوْلين، جنبًا إلى جنب.

أمّا ليلى فأرسلت إليها الأميرة هديّة: بكرةً صغيرةً من الخيط الذهبي، لها وحدها. فاحتفظت بها ليلى زمنًا طويلًا. ولمّا كبرت وصارت نسّاجةً هي أيضًا، صارت تنسج خيطًا ذهبيًّا واحدًا في كل سجّادةٍ تصنعها، ليذكّرها بأن الأيدي الأمينة تصنع أجمل النقوش.

العبرة: الأمانة أغلى من الذهب، وقد تجعل من الغرباء أصدقاء.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

جود تَقولُ الحَقيقَة
جود تَقولُ الحَقيقَة

تَخْبِزُ ماما كَعْكًا. كَعْكٌ مُدَوَّرٌ دافِئٌ ذَهَبِيّ. «هذا لِما بَعْدَ العَشاء،» تَقولُ ماما. تَ...

ابن الصيّاد والسمكة الفضّية
ابن الصيّاد والسمكة الفضّية

على ساحلٍ صخريٍّ بحرُه بلون الفيروز، عاش صيّادٌ فقيرٌ اسمه أبو سالم مع ابنه سالم. كان لهما قاربٌ خشب...

غادة تجد ريش الصقيع على نافذة المطبخ
غادة تجد ريش الصقيع على نافذة المطبخ

في أبرد صباح من الشتاء، استيقظت غادة قبل الجميع. كان البيت ساكنًا جدًّا. وكان أخوها الصغير باسل ن...