حكاية
الأمير الذي أراد أن يُشكَر
كان في قديم الزمان أميرٌ شابٌّ اسمه زيد، يعيش في قصرٍ أبيض بجانب بحيرةٍ زرقاء. كان زيدٌ كريمًا يحبّ أن يقدّم الهدايا، لكن كانت عنده مشكلةٌ صغيرة: كلما أعطى شيئًا انتظر، وانتظر، وانتظر أن يسمع: «شكرًا يا أمير زيد! أنت أكرم أميرٍ في الدنيا!»
فإن لم يسمع هذه الكلمات ظلّ غاضبًا عابسًا بقيّة يومه.
وفي صباحٍ ما خرج زيدٌ من القصر على حصانه ومعه كيسٌ من البرتقال الحلو. فأعطى برتقالةً لفلّاحٍ في الحقل، فانحنى الفلّاح وقال: «شكرًا يا سموّ الأمير!» فابتسم زيد.
وأعطى برتقالةً لغسّالةٍ عند البحيرة، فقالت: «ما ألطفك يا أمير زيد!» فاتّسعت ابتسامته أكثر.
ثم أعطى برتقالةً لصيّادٍ عجوزٍ يرتق شبكته، فهزّ الصيّاد رأسه، ووضع البرتقالة في سلّته، وعاد إلى عمله دون أن ينطق بكلمة.
اختفت ابتسامة زيد وقال: «ألم تسمعني؟ لقد أعطيتك برتقالة، برتقالة أمير!»
رفع الصيّاد رأسه وقال بهدوء: «سمعتك أيها الأمير الشابّ، وأنا ممتنّ. لكن قل لي: هل أعطيتني البرتقالة لآكلها، أم لأمدحك؟»
فتح زيدٌ فمه ثم أغلقه، ولم يعرف بماذا يجيب. فأدار حصانه وعاد إلى القصر عابسًا طوال الطريق.
وفي تلك الليلة لم يستطع زيدٌ أن ينام؛ ظلّ سؤال الصيّاد يطنّ في رأسه كذبابة. وأخيرًا ذهب إلى معلّمته، سيّدةٍ عجوزٍ اسمها السِّتّ هدى، علّمت ثلاثة ملوكٍ قبله وتعرف أشياء كثيرة.
قال: «يا سِتّ هدى، هل من الخطأ أن أريد أن يشكرني الناس؟»
وضعت السِّتّ هدى كتابها وقالت: «قول الشكر حسن، وسماعه لطيف. لكن العطاء الذي ينتظر المدح كطائرٍ رُبط في رجله خيط؛ لا يستطيع أن يطير بعيدًا.»
قال زيد: «لا أفهم.»
قالت: «إذن سأعطيك مهمّة. سبعة أيام، تفعل في كل يومٍ عملًا طيّبًا واحدًا، بشرط ألّا يعرف أحدٌ أنه أنت؛ لا أحد أبدًا. فإن عرف أحدٌ بدأتَ من جديد.»
ظنّ زيدٌ أن الأمر سهل، ولم يكن كذلك.
في اليوم الأول رأى أن عربة البستانيّ ذات العجلة الواحدة مكسورة العجلة، فتسلّل قبل طلوع الشمس وأصلحها بيديه. استغرق ذلك وقتًا طويلًا، وكُدِم إبهامه. فلمّا وجدها البستانيّ تلفّت حوله وحكّ رأسه وقال: «من فعل هذا؟» وكان زيدٌ مختبئًا خلف شجيرة ورد، وكان صعبًا جدًّا جدًّا ألّا يقفز ويصيح: «أنا!»
لكنه بقي صامتًا. وحدث شيءٌ عجيب: وهو يرى البستانيّ يصفّر فرحًا وهو يدفع عربته، أحسّ زيدٌ بدفءٍ في صدره، أدفأ من كل شكرٍ سمعه في حياته.
وفي اليوم الثاني ترك سلّة خبزٍ على عتبة أسرةٍ فقيرة. وفي اليوم الثالث كنس درجات مدرسة القرية قبل وصول الأطفال. وفي اليوم الرابع رتق سرًّا الشراع الممزّق لقارب الصيّاد العجوز؛ جذّف إليه عند الفجر، وفرغ من عمله وهو مبتلٌّ جدًّا ويرتجف من البرد.
وفي اليوم الخامس أمطرت السماء، ولم يخطر له ما يفعله. ثم لاحظ أن قطّة القصر حُبست خارجًا في العاصفة، ففتح الباب الجانبي، وحملها إلى الداخل، وجفّفها بوشاحه، ووضعها قرب نار المطبخ. لم يره أحد. وخرخرت القطّة، وكان ذلك يكفي.
وفي اليوم السادس نسخ حكايةً بأجمل خطّه، وتركها على مكتب بنتٍ صغيرةٍ في القرية تحبّ القراءة وليس عندها كتب.
وفي اليوم السابع استيقظ زيدٌ فأدرك أنه لم يعد ينتظر شيئًا؛ لم يعد يتساءل من انتبه، بل صار يفكّر فقط: «ماذا أستطيع أن أفعل اليوم؟»
ونزل إلى البحيرة، فإذا الصيّاد العجوز جالسٌ في قاربه ينظر إلى شراعه المرتوق بابتسامةٍ حائرة.
قال زيد: «صباح الخير.»
قال الصيّاد: «صباح الخير أيها الأمير الشابّ. لقد حدث شيءٌ عجيب؛ رتق أحدهم شراعي في الليل ولم يترك اسمه. أودّ أن أشكره، لكنني لا أعرف من أشكر.»
خفق قلب زيدٍ بسرعة. ها هي فرصته! يستطيع أن يقول: «أنا!» فيسمع الشكر الذي طالما أراده.
لكنه ابتسم فقط وقال: «لعلّه لم يكن يحتاج إلى الشكر. لعلّه سعد فقط برؤية قاربك يُبحر.»
نظر الصيّاد إلى زيدٍ طويلًا؛ نظر إلى إبهامه المكدوم، وإلى بقايا خيوط الشراع العالقة بكُمّه. ثم لمعت عيناه.
وقال بهدوء: «لعلّه كذلك. لعلّ هذا أجمل أنواع العطاء.»
وعاد زيدٌ إلى السِّتّ هدى وقال: «أتممتُ الأيام السبعة. وأظنّني فهمتُ الآن: حين كنتُ أعطي لأُشكَر، كنتُ في الحقيقة أعطي نفسي. أمّا حين لم يعرف أحد، فقد طار العطاء حرًّا.»
فابتسمت السِّتّ هدى أوسع ابتسامةٍ رآها زيدٌ على وجهها المجعّد، وقالت: «الآن صرتَ مستعدًّا لأن تكون ملكًا.»
وبعد سنواتٍ كثيرة صار زيدٌ ملكًا حقًّا. فبنى المدارس والآبار والجسور، وكثيرًا ما لم يكتب اسمه عليها. فإذا سأله الناس عن السبب، حكى لهم عن البرتقال، والصيّاد، والأيام السبعة السرّية.
فأحبّه أهل المملكة حبًّا عظيمًا؛ لا لأنه طلب شكرهم، بل لأنه لم يكن يحتاج إليه قطّ.
العبرة: أجمل العطاء ما نقدّمه دون أن ننتظر المدح.
فإن لم يسمع هذه الكلمات ظلّ غاضبًا عابسًا بقيّة يومه.
وفي صباحٍ ما خرج زيدٌ من القصر على حصانه ومعه كيسٌ من البرتقال الحلو. فأعطى برتقالةً لفلّاحٍ في الحقل، فانحنى الفلّاح وقال: «شكرًا يا سموّ الأمير!» فابتسم زيد.
وأعطى برتقالةً لغسّالةٍ عند البحيرة، فقالت: «ما ألطفك يا أمير زيد!» فاتّسعت ابتسامته أكثر.
ثم أعطى برتقالةً لصيّادٍ عجوزٍ يرتق شبكته، فهزّ الصيّاد رأسه، ووضع البرتقالة في سلّته، وعاد إلى عمله دون أن ينطق بكلمة.
اختفت ابتسامة زيد وقال: «ألم تسمعني؟ لقد أعطيتك برتقالة، برتقالة أمير!»
رفع الصيّاد رأسه وقال بهدوء: «سمعتك أيها الأمير الشابّ، وأنا ممتنّ. لكن قل لي: هل أعطيتني البرتقالة لآكلها، أم لأمدحك؟»
فتح زيدٌ فمه ثم أغلقه، ولم يعرف بماذا يجيب. فأدار حصانه وعاد إلى القصر عابسًا طوال الطريق.
وفي تلك الليلة لم يستطع زيدٌ أن ينام؛ ظلّ سؤال الصيّاد يطنّ في رأسه كذبابة. وأخيرًا ذهب إلى معلّمته، سيّدةٍ عجوزٍ اسمها السِّتّ هدى، علّمت ثلاثة ملوكٍ قبله وتعرف أشياء كثيرة.
قال: «يا سِتّ هدى، هل من الخطأ أن أريد أن يشكرني الناس؟»
وضعت السِّتّ هدى كتابها وقالت: «قول الشكر حسن، وسماعه لطيف. لكن العطاء الذي ينتظر المدح كطائرٍ رُبط في رجله خيط؛ لا يستطيع أن يطير بعيدًا.»
قال زيد: «لا أفهم.»
قالت: «إذن سأعطيك مهمّة. سبعة أيام، تفعل في كل يومٍ عملًا طيّبًا واحدًا، بشرط ألّا يعرف أحدٌ أنه أنت؛ لا أحد أبدًا. فإن عرف أحدٌ بدأتَ من جديد.»
ظنّ زيدٌ أن الأمر سهل، ولم يكن كذلك.
في اليوم الأول رأى أن عربة البستانيّ ذات العجلة الواحدة مكسورة العجلة، فتسلّل قبل طلوع الشمس وأصلحها بيديه. استغرق ذلك وقتًا طويلًا، وكُدِم إبهامه. فلمّا وجدها البستانيّ تلفّت حوله وحكّ رأسه وقال: «من فعل هذا؟» وكان زيدٌ مختبئًا خلف شجيرة ورد، وكان صعبًا جدًّا جدًّا ألّا يقفز ويصيح: «أنا!»
لكنه بقي صامتًا. وحدث شيءٌ عجيب: وهو يرى البستانيّ يصفّر فرحًا وهو يدفع عربته، أحسّ زيدٌ بدفءٍ في صدره، أدفأ من كل شكرٍ سمعه في حياته.
وفي اليوم الثاني ترك سلّة خبزٍ على عتبة أسرةٍ فقيرة. وفي اليوم الثالث كنس درجات مدرسة القرية قبل وصول الأطفال. وفي اليوم الرابع رتق سرًّا الشراع الممزّق لقارب الصيّاد العجوز؛ جذّف إليه عند الفجر، وفرغ من عمله وهو مبتلٌّ جدًّا ويرتجف من البرد.
وفي اليوم الخامس أمطرت السماء، ولم يخطر له ما يفعله. ثم لاحظ أن قطّة القصر حُبست خارجًا في العاصفة، ففتح الباب الجانبي، وحملها إلى الداخل، وجفّفها بوشاحه، ووضعها قرب نار المطبخ. لم يره أحد. وخرخرت القطّة، وكان ذلك يكفي.
وفي اليوم السادس نسخ حكايةً بأجمل خطّه، وتركها على مكتب بنتٍ صغيرةٍ في القرية تحبّ القراءة وليس عندها كتب.
وفي اليوم السابع استيقظ زيدٌ فأدرك أنه لم يعد ينتظر شيئًا؛ لم يعد يتساءل من انتبه، بل صار يفكّر فقط: «ماذا أستطيع أن أفعل اليوم؟»
ونزل إلى البحيرة، فإذا الصيّاد العجوز جالسٌ في قاربه ينظر إلى شراعه المرتوق بابتسامةٍ حائرة.
قال زيد: «صباح الخير.»
قال الصيّاد: «صباح الخير أيها الأمير الشابّ. لقد حدث شيءٌ عجيب؛ رتق أحدهم شراعي في الليل ولم يترك اسمه. أودّ أن أشكره، لكنني لا أعرف من أشكر.»
خفق قلب زيدٍ بسرعة. ها هي فرصته! يستطيع أن يقول: «أنا!» فيسمع الشكر الذي طالما أراده.
لكنه ابتسم فقط وقال: «لعلّه لم يكن يحتاج إلى الشكر. لعلّه سعد فقط برؤية قاربك يُبحر.»
نظر الصيّاد إلى زيدٍ طويلًا؛ نظر إلى إبهامه المكدوم، وإلى بقايا خيوط الشراع العالقة بكُمّه. ثم لمعت عيناه.
وقال بهدوء: «لعلّه كذلك. لعلّ هذا أجمل أنواع العطاء.»
وعاد زيدٌ إلى السِّتّ هدى وقال: «أتممتُ الأيام السبعة. وأظنّني فهمتُ الآن: حين كنتُ أعطي لأُشكَر، كنتُ في الحقيقة أعطي نفسي. أمّا حين لم يعرف أحد، فقد طار العطاء حرًّا.»
فابتسمت السِّتّ هدى أوسع ابتسامةٍ رآها زيدٌ على وجهها المجعّد، وقالت: «الآن صرتَ مستعدًّا لأن تكون ملكًا.»
وبعد سنواتٍ كثيرة صار زيدٌ ملكًا حقًّا. فبنى المدارس والآبار والجسور، وكثيرًا ما لم يكتب اسمه عليها. فإذا سأله الناس عن السبب، حكى لهم عن البرتقال، والصيّاد، والأيام السبعة السرّية.
فأحبّه أهل المملكة حبًّا عظيمًا؛ لا لأنه طلب شكرهم، بل لأنه لم يكن يحتاج إليه قطّ.
العبرة: أجمل العطاء ما نقدّمه دون أن ننتظر المدح.


