العودة إلى الحكايات

حكاية

زيد وبئر القرية

زيد وبئر القرية
في أعالي التلال كانت قريةٌ اسمها «عين الورد». كانت فيها بيوتٌ بيضاء صغيرة، وأزقّةٌ ضيّقةٌ ملأى بالقطط، وحدائق ملأى بالورود. وفي وسط ساحة القرية تمامًا كانت بئرٌ حجريّةٌ عميقة.

كانت كل أسرةٍ في عين الورد تستقي من البئر. لكن كانت هناك مشكلة: لم يكن للبئر إلا دلوٌ واحد وحبلٌ طويلٌ واحد، وكانت الأسر كلها تريد الماء في الوقت نفسه كل صباح.

صاح الخبّاز: «أنا أولًا! أحتاج الماء لخبزي!»

وصاح الحدّاد: «لا، أنا أولًا! ناري حامية، وأحتاج أن أبرّد حديدي!»

وصاح راعي الماعز: «ماعزي عطشى!»

وصاح البستانيّ: «أزهاري تذبل!»

وكانوا كل صباحٍ يتدافعون ويتجاذبون ويتجادلون. وربما شدّوا الحبل بقوّةٍ حتى يصطدم الدلو بالحجارة فيعود نصف مائه إلى البئر. وربما لم يحصل أحدٌ على ماءٍ حتى الظهر. وكان أهل عين الورد يعودون كل صباحٍ إلى بيوتهم عابسين عطشى.

وكان في القرية صبيٌّ اسمه زيد، في التاسعة من عمره، صغير الحجم بالنسبة لسنّه، أجعد الشعر، كثير الفضول. كان زيدٌ يحبّ أن يجلس على سور الساحة ويتفرّج، وكلما تفرّج أكثر فكّر أكثر.

وفي صباحٍ، بعد جدالٍ شديد الصخب، ضرب شيخ القرية، وهو رجلٌ طويلٌ عجوزٌ اسمه الشيخ منصور، الأرضَ بعصاه.

وقال: «كفى! لا يمكن أن يستمرّ هذا. من وجد طريقةً نتقاسم بها البئر بالعدل، حتى يكون لكل أسرةٍ ماؤها قبل الفطور، كرّمناه في مهرجان الورد هذا الربيع.»

حكّ الكبار رؤوسهم. قال الخبّاز: «لنحفر بئرًا ثانية!» لكن الأرض كانت صخرًا صلبًا، والحفر يستغرق سنوات. وقال الحدّاد: «لنصنع دلوًا أكبر!» لكن الدلو الأكبر يكون أثقل من أن يُرفَع.

ولم يقل زيدٌ شيئًا. عاد إلى البيت وأخذ يفكّر ويفكّر.

وفي تلك الليلة لم يستطع النوم، فذهب إلى النافذة، فرأى أمّه في المطبخ تناول الصحون لأخته الكبرى، وأخته تناولها لأخيه الصغير، وأخوه يرصّها على الرفّ. واحد، اثنان، ثلاثة. صحنٌ بعد صحن، بسلاسةٍ وسرعة. لم يسقط شيء، ولم يتجادل أحد.

اتّسعت عينا زيد وهمس: «وجدتُها!»

وفي الصباح ذهب إلى الشيخ منصور وقال: «يا شيخ، أتأذن لي أن أجرّب فكرتي غدًا عند الفجر؟ أحتاج أن تحضر كل الأسر، وأن تحمل كل أسرةٍ جرّةً واحدة.»

رفع الشيخ حاجبه، لكنه هزّ رأسه موافقًا: «حسنًا يا زيد الصغير. لنرَ.»

وعند الفجر جاءت كل الأسر إلى الساحة، ومع كلٍّ منها جرّة. كانوا ناعسين متشكّكين؛ تثاءب الخبّاز، وتذمّر الحدّاد.

صعد زيدٌ على حافّة البئر ليراه الجميع، وقال:

«اليوم لن يشدّ أحدٌ الدلو وحده. قفوا من فضلكم في صفٍّ واحد، من البئر إلى آخر الزقاق، كأنكم عقدٌ طويل.»

نظر القرويّون بعضهم إلى بعض، لكنهم فعلوا ما طلب. فامتدّ الصفّ من البئر، مرورًا بالمخبز، ودكّان الحدّاد، حتى آخر حديقة وردٍ في أسفل الزقاق.

قال زيد: «والآن يشدّ أقوى رجلين الدلو معًا.» فتقدّم الحدّاد وراعي الماعز، وشدّا الحبل معًا، فصعد الدلو بسرعةٍ وسلاسة، ممتلئًا حتى حافّته، دون أن يصطدم بالحجارة.

قال زيد: «والآن صبّوه في الجرّة الأولى، ومرّروها على طول الصفّ إلى الأسرة التي في آخره.»

فانتقلت الجرّة الأولى من يدٍ إلى يد، على طول الزقاق، حتى البستانيّ في آخره. وفي الأثناء نزل الدلو من جديد، وصعد، فصُبّ في الجرّة الثانية، ومضت على طول الصفّ إلى الأسرة التالية.

شَلْب، ناوِل، ناوِل، ناوِل. شَلْب، ناوِل، ناوِل، ناوِل. كأنها موسيقى. وضحك الأطفال حين وصلتهم الجرار، ودندنت العجائز، وما لبث الخبّاز أن أخذ ينشد أنشودة عمل، فشاركه الجميع.

وقبل أن تعلو الشمس فوق التلّ كانت كل جرّةٍ في عين الورد ممتلئة. لم يتدافع أحد، ولم يتجادل أحد، ولم تُسكَب قطرةٌ واحدة.

وقف القرويّون في الساحة مدهوشين. وسأل الخبّاز: «كيف حدث هذا بهذه السرعة؟»

ابتسم زيدٌ في خجل وقال: «حين أمسك الجميع بالحبل معًا كنّا نشدّ بعضنا ضدّ بعض. أمّا حين شددنا معًا وناول بعضنا بعضًا، فقد ساعد بعضنا بعضًا.»

ضحك الشيخ منصور ضحكته المجلجلة وقال: «أصغر صبيٍّ في القرية علّمنا أكبر درس!»

ومنذ ذلك اليوم صار أهل عين الورد يستقون بالطريقة الجديدة كل صباح، بل جعلوها لعبةً صغيرة: كل يومٍ تقف أسرةٌ مختلفةٌ في آخر الصفّ، حتى يكون لكلٍّ دورٌ في أن يكون الأوّل ودورٌ في أن يكون الأخير.

وتغيّر شيءٌ آخر أيضًا. فلأنهم صاروا يقفون معًا كل صباح، أخذ الجيران يتحادثون. فعرف الخبّاز أن زوجة الحدّاد مريضة، فحمل إليها خبزًا دافئًا. وعرف البستانيّ أن أولاد راعي الماعز يحبّون الأزهار، فأهداهم الورود. وصارت القرية التي كانت عابسةً قريةَ أصدقاء.

ولمّا جاء الربيع كان مهرجان الورد أسعد ما كان قطّ. ووضع الشيخ منصور تاجًا من الورد الورديّ على رأس زيدٍ الأجعد. ووقفت القرية كلها في صفٍّ طويل، من البئر إلى أسفل الزقاق، يتناولون شيئًا جديدًا من يدٍ إلى يد: أطباق الكعك الحلو، تكفي الجميع.

العبرة: حين نعمل معًا لا ضدّ بعضنا، يصير العمل الصعب سهلًا، ويصير الجيران أصدقاء.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

قصة نبي الله نوح عليه السلام والسفينة
قصة نبي الله نوح عليه السلام والسفينة

منذ زمن بعيد، بعد آدم عليه السلام بسنوات كثيرة، بدأ الناس ينسون الله. صنعوا تماثيل من حجر وخشب، وسمّ...

الريح التي لعبت الغمّيضة
الريح التي لعبت الغمّيضة

كان يومًا خريفيًّا باردًا مشرقًا. وكانت أشجار الحديقة العامّة برتقالية وحمراء وذهبية. والأوراق المتس...

السُّلَحْفاةُ مورو تَنْتَظِرُ الزَّهْرَة
السُّلَحْفاةُ مورو تَنْتَظِرُ الزَّهْرَة

مورو سُلَحْفاةٌ خَضْراءُ صَغيرَة. في الصَّباحِ يَزْرَعُ مورو بِذْرَة. طَب، طَب، طَب. تَدْخُلُ البِذ...