العودة إلى الحكايات

حكاية

ابن الصيّاد والسمكة الفضّية

ابن الصيّاد والسمكة الفضّية
على ساحلٍ صخريٍّ بحرُه بلون الفيروز، عاش صيّادٌ فقيرٌ اسمه أبو سالم مع ابنه سالم. كان لهما قاربٌ خشبيٌّ صغيرٌ بشراعٍ أزرق مرقّع، وكانا كل صباحٍ يجذّفان إلى البحر ليصطادا سمكًا يبيعانه في السوق.

كان سالمٌ في الثامنة، مرحًا خدومًا، يحبّ البحر. لكن الشباك كانت في بعض الأيام تصعد شبه فارغة، فيبدو القلق على أبي سالم، ولا يكون العشاء إلا خبزًا وزيتونًا.

وفي صباحٍ كان سالمٌ يصطاد وحده من فوق الصخور بخيطٍ صغير، وأبوه يرتق الشباك. وفجأةً شُدّ الخيط شدّةً قويّة، فشدّ سالمٌ وشدّ، فخرجت من الماء سمكةٌ لم يرَ مثلها قطّ.

كانت فضّية، لكن ليست كالفضّة المعتادة؛ كانت تلمع كضوء القمر على الماء، وزعانفها رقيقةٌ كالحرير، وعيناها حكيمتان لطيفتان.

قالت السمكة بصوتٍ كجرسٍ صغير: «أرجوك، أرجوك أطلقني. أنا أصغر أسماك الأعماق الفضّية. أمّي تنتظرني، وإن لم أعد قبل الغروب حزنت حزنًا شديدًا.»

دُهش سالمٌ حتى كاد يُفلت الخيط. سمكةٌ تتكلّم! وفكّر في الثمن الذي تُباع به سمكةٌ كهذه في السوق؛ ربما يكفي لشراء شراعٍ جديد، وربما يكفي للحمٍ على العشاء شهرًا كاملًا.

لكن السمكة نظرت إليه بعينيها اللطيفتين، ففكّر سالمٌ في أمّها المنتظرة.

وقال: «سأطلقك. لكن أبي وأنا فقيران. أتستطيعين أن تساعدينا؟»

قالت السمكة: «لا أستطيع أن أعطيك ذهبًا. لكن إن أطلقتني فإنّي أعدك أن أسوق السمك إلى شباك أبيك غدًا وكل صباحٍ بعده، فلا تعودان بشباكٍ فارغةٍ أبدًا. ولكن عليك أن تعدني أنت أيضًا.»

سأل سالم: «بماذا؟»

«ألّا تأخذ إلا ما تحتاج إليه، لا أكثر أبدًا. يجب أن يبقى البحر ممتلئًا للجميع. فإن أخذتَ أكثر من حاجتك انقطعت مساعدتي.»

قال سالم: «أعدك.» ونزع الصنّارة برفقٍ من السمكة الفضّية وتركها تنزلق إلى الموج، فلمعت مرّةً كنجمٍ هاوٍ، ثم اختفت.

وفي الصباح التالي جذّف سالمٌ وأبوه كعادتهما، فلمّا رفعا الشباك وجداها ثقيلةً بالسمك؛ لا كثيرًا جدًّا، بل ما يكفي تمامًا: ما يكفي للبيع، وما يكفي للأكل، وقليلٌ يزيد فيهديانه إلى جارتهما، أرملةٍ لها ثلاثة أطفالٍ صغار.

لم يصدّق أبو سالم. وتكرّر ذلك في اليوم التالي، والذي بعده، والذي بعده. فحكى سالمٌ لأبيه عن السمكة الفضّية والوعد، فأصغى أبوه بانتباه وقال: «الوعد للبحر وعدٌ يجب أن يُحفَظ.»

وتحسّنت حياتهما؛ اشترى أبو سالم شراعًا جديدًا، ولبس سالمٌ نعلين جديدين. وكانا كل مساءٍ يقاسمان الأرملة وأطفالها ما زاد من السمك.

لكن الصيّادين الآخرين في السوق لاحظوا ذلك. فجاء أحدهم، رجلٌ ضخمٌ صاخبٌ اسمه أبو غانم، إلى قارب أبي سالم.

وسأله بحدّة: «كيف تصطاد كل هذا السمك كل يوم؟»

فحدّثه أبو سالم، وكان رجلًا صادقًا، عن السمكة الفضّية. فلمع الطمع في عيني أبي غانم.

وقال: «إذن أنت أحمق! ما دامت السمكة تملأ شبكتك فلماذا لا تستعمل شبكةً أكبر؟ استعمل عشر شباك! تصير أغنى صيّادٍ على الساحل!»

وفي تلك الليلة بقي أبو سالم مستيقظًا يفكّر في البيت الأكبر الذي يستطيع شراءه، والثياب الفاخرة. وفي الصباح قال لسالم: «ربما نأخذ اليوم شيئًا قليلًا زائدًا فقط، شبكةً واحدةً أخرى. ما الضرر في ذلك؟»

نظر سالمٌ إلى أبيه وقلبه يخفق بسرعة. كان يحبّ أباه كثيرًا، ولا يريد أن يجادله. لكنه تذكّر عيني السمكة اللطيفتين، وتذكّر وعده.

فقال بشجاعة: «يا أبي، لقد أعطيتُ كلمتي. قالت السمكة: لا تأخذ إلا ما تحتاج إليه. فإن نقضنا وعدنا لم ننقضه مع السمكة وحدها، بل مع أنفسنا.»

سكت أبو سالم طويلًا، ثم وضع يده الكبيرة الخشنة على رأس ابنه وقال: «صدقتَ يا بنيّ. الرجل ذو الشبكة الملأى والوعد المنقوض أفقر من الرجل ذي الشبكة الفارغة والقلب الصادق. لن نأخذ إلا ما نحتاج إليه.»

وكذلك فعلا.

أمّا أبو غانم فلم يسمع النصيحة. خرج بعشر شباكٍ ضخمة، وجرّها في الماء اليوم كلّه، يغرف كل سمكةٍ يجدها، كبيرةً وصغيرة. وفي المساء امتلأت شباكه حتى كاد قاربه يغرق، فمضى إلى السوق يضحك طوال الطريق.

وفي اليوم التالي خرج مرّةً أخرى، لكن شباكه صعدت هذه المرّة شبه فارغة. وفي الذي بعده صعدت فارغةً تمامًا. لقد أفزع السمك، وأخذ حتى الصغار التي كان ينبغي أن تكبر، فصارت المياه قرب ناحيته من الساحل هادئةً خاوية.

وفي الأثناء ظلّت شباك أبي سالم تصعد بما يكفي، صباحًا بعد صباح.

وأخيرًا جاءهما أبو غانم خجلانَ جائعًا وقال: «لقد طمعتُ، والآن ليس عندي شيء.»

نظر سالمٌ إلى أبيه، فهزّ أبوه رأسه. فأعطيا أبا غانم شيئًا من سمكهما، وأخبره سالمٌ بما قالته السمكة الفضّية: «يجب أن يبقى البحر ممتلئًا للجميع.»

فأصغى أبو غانم هذه المرّة، وطوى شباكه العشر الكبيرة، وصار يصطاد بشبكةٍ صغيرةٍ واحدة. وشيئًا فشيئًا عاد السمك إلى مياهه هو أيضًا.

وبعد سنين، لمّا كبر سالم، صار صيّادًا له قاربه الخاصّ، وعلّم أولاده القاعدة نفسها: لا تأخذ إلا ما تحتاج إليه. وأحيانًا، في الأمسيات الهادئة حين يكتمل القمر، كان يرى لمعةً فضّيةً تحت الموج، كأنها نجمٌ يُلقي التحيّة، فيلوّح بيده ويقول: «لقد حفظتُ وعدي.»

العبرة: احفظ وعدك، ولا تأخذ إلا ما تحتاج إليه، ليكفي الخيرُ الجميع.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

فين وَسُلْطانُ وَزَعْتَرُ في أَوَّلِ يَوْمٍ في المَدْرَسَةِ
فين وَسُلْطانُ وَزَعْتَرُ في أَوَّلِ يَوْمٍ في المَدْرَسَةِ

كانَ اليَوْمَ أَوَّلَ يَوْمٍ لِفين في مَدْرَسَتِهِ الجَديدَةِ في أَبوظَبي، وَكانَ بَطْنُهُ يُرَفْرِف...

قصة نبي الله آدم عليه السلام والجنة الجميلة
قصة نبي الله آدم عليه السلام والجنة الجميلة

منذ زمن بعيد جدًّا، قبل أن يعيش أيّ إنسان على الأرض، أراد الله أن يخلق خلقًا جديدًا. كان الله قد خلق...

السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)
السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)

بعد رحلته الأولى، بقي السندباد في بيته في بغداد سنة كاملة. كان يحكي الحكايات، ويأكل التمر الحلو، ويس...