حكاية
لغز الملكة والجرّة الفارغة
في مملكة «بُستان» حكمت ملكةٌ حكيمةٌ لطيفةٌ اسمها الملكة ياسمين. كانت قد تقدّمت في السنّ، ولم يكن لها أولاد. فأعلنت يومًا أنها ستختار مساعدًا صغيرًا يتعلّم منها، ويساعدها يومًا في حكم المملكة.
وقالت: «لا يهمّني أن يكون المساعد غنيًّا أو فقيرًا، ولا أن يكون صبيًّا أو بنتًا، ولا من أيّ قريةٍ جاء. لا يهمّني إلا أن يكون حكيمًا.»
فجاء الأطفال من كل ركنٍ في بُستان؛ أبناء تجّارٍ في ثياب الحرير، وأبناء فلّاحين بأقدامٍ مغبرّة، وأبناء جنودٍ بظهورٍ مستقيمة. واجتمعوا كلهم في فناء القصر تحت شجرة التين الكبيرة.
ووقفت الملكة أمامهم، وبجانبها طاولةٌ عليها عشرون جرّةً من الفخّار متشابهةً تمامًا؛ كل واحدةٍ مستديرةٌ بنّيةٌ بغطاءٍ خشبي.
قالت الملكة: «سيأخذ كلٌّ منكم جرّةً إلى بيته، وبعد شهرٍ يعيدها إليّ مملوءةً بأثمن شيءٍ يجده. ومن جاء بأثمن شيءٍ صار مساعدي.»
فرح الأطفال فرحًا شديدًا، وأخذ كلٌّ منهم جرّةً وأسرع إلى بيته.
وكان بينهم بنتٌ هادئةٌ اسمها هدى، تعيش مع جدّها في بيتٍ صغيرٍ على طرف المملكة، حيث تلتقي الحقول بالتلال. كانت أسرتها فقيرة، لا ذهب عندها ولا جواهر ولا حرير. فلمّا وصلت إلى البيت وضعت الجرّة الفارغة على الطاولة ونظرت إليها حزينة.
وقالت: «يا جدّي، سيملأ ابن التاجر جرّته ذهبًا، وستملأ ابنة الجوهريّ جرّتها لؤلؤًا. فماذا أضع أنا في جرّتي؟»
ابتسم جدّها وقال: «لم تقل الملكة: أغلى شيء، بل قالت: أثمن شيء. وليسا دائمًا شيئًا واحدًا.»
فكّرت هدى في ذلك أيّامًا كثيرة.
في البداية ذهبت إلى الحقل وملأت الجرّة بأجود القمح، وقالت في نفسها: «القمح ثمين؛ فبدونه لا خبز.» لكنها رأت جارًا فسد محصوله وأطفاله جياع، فأعطتهم القمح، فعادت جرّتها فارغة.
ثم ذهبت إلى النبع وملأت الجرّة ماءً باردًا نقيًّا، وقالت: «الماء ثمين؛ فبدونه لا يعيش شيء.» لكنها في طريق العودة لقيت راعيًا عجوزًا غنمه عطشى بعيدًا عن أيّ جدول، فصبّت الماء في حوضه، فعادت جرّتها فارغة.
ثم جمعت عسلًا حلوًا من خلايا جدّها، وقالت: «العسل ثمين.» لكن في ذلك اليوم نفسه مرض صبيٌّ صغيرٌ في القرية بالتهاب حلقه، وقال المداوي إن العسل يساعده، فحملت إليه هدى جرّة العسل، فعادت جرّتها فارغة.
وأخيرًا انقضى الشهر، ولم يبقَ عند هدى شيء، وكانت جرّتها فارغةً كيوم حملتها إلى البيت أوّل مرّة.
قالت وقد امتلأت عيناها بالدموع: «لا أستطيع أن أذهب إلى القصر بجرّةٍ فارغة. سيضحك منّي الجميع.»
قال جدّها بلطف: «اذهبي على كل حال، وقولي للملكة الحقيقة. فالحقيقة لا تكون فارغةً أبدًا.»
فمشت هدى إلى القصر تحمل جرّتها الفارغة.
وفي الفناء كان الأطفال الآخرون قد اصطفّوا، ففتحوا جرارهم واحدًا بعد واحد. ملأ ابن التاجر جرّته بالدنانير الذهبية، وملأت ابنة الجوهريّ جرّتها باللؤلؤ، وجاء صبيٌّ بتوابل نادرة، وجاءت بنتٌ بعطرٍ من بلادٍ بعيدة. فتلألأ الفناء وفاحت فيه الروائح الطيّبة.
ثم جاء دور هدى. كانت يداها ترتجفان. رفعت الغطاء، فإذا الجرّة فارغة.
ضحك بعض الأطفال ضحكًا خافتًا، وتهامس آخرون. لكن الملكة ياسمين رفعت يدها، فسكت الفناء.
وقالت بلطف: «أخبريني يا بنيّتي، لماذا جرّتكِ فارغة؟»
فحكت لها هدى كل شيء: عن القمح الذي أعطته للأسرة الجائعة، وعن الماء الذي صبّته للغنم العطشى، وعن العسل الذي حملته للصبيّ المريض.
وقالت: «حاولتُ أن أملأها بأشياء ثمينة يا مولاتي، لكن في كل مرّةٍ كان هناك من يحتاج إليها أكثر منّي.»
سكتت الملكة طويلًا، ثم نزلت الدرجات، وجثت أمام هدى، وأخذت الجرّة الفارغة بين يديها.
والتفتت إلى الأطفال الآخرين وقالت: «يا أطفال، انظروا إلى هذه الجرّة. إنها فارغة. لكن أتعرفون ماذا حملت؟ حملت خبزًا لأطفالٍ جياع، وماءً لحيواناتٍ عطشى، ودواءً لصديقٍ مريض. حملت الرحمة ثلاث مرّات. والرحمة لا تبقى في جرّة، بل تخرج إلى الدنيا.»
ورفعت الجرّة عاليًا وقالت: «الذهب يُعَدّ، واللؤلؤ يضيع. أمّا القلب الذي يعطي ما عنده لمن يحتاج إليه فهو أثمن شيءٍ في أيّ مملكة.»
ثم التفتت إلى هدى وابتسمت: «أتكونين مساعدتي يا هدى؟»
لم تستطع هدى أن تتكلّم، بل هزّت رأسها ودموع الفرح على خدّيها.
ومنذ ذلك اليوم عاشت هدى في القصر تتعلّم، وكانت تزور جدّها كل أسبوع. ولمّا كبرت صارت أوثق مستشاري الملكة. وفي قاعة العرش، على رفٍّ خاصٍّ يراه الجميع، كانت جرّةٌ بسيطةٌ بنّيةٌ من الفخّار بغطاءٍ خشبي.
كانت دائمًا فارغة، وكانت دائمًا أثمن شيءٍ في القاعة.
العبرة: أثمن ما نستطيع أن نعطيه هو الرحمة بمن يحتاج إليها.
وقالت: «لا يهمّني أن يكون المساعد غنيًّا أو فقيرًا، ولا أن يكون صبيًّا أو بنتًا، ولا من أيّ قريةٍ جاء. لا يهمّني إلا أن يكون حكيمًا.»
فجاء الأطفال من كل ركنٍ في بُستان؛ أبناء تجّارٍ في ثياب الحرير، وأبناء فلّاحين بأقدامٍ مغبرّة، وأبناء جنودٍ بظهورٍ مستقيمة. واجتمعوا كلهم في فناء القصر تحت شجرة التين الكبيرة.
ووقفت الملكة أمامهم، وبجانبها طاولةٌ عليها عشرون جرّةً من الفخّار متشابهةً تمامًا؛ كل واحدةٍ مستديرةٌ بنّيةٌ بغطاءٍ خشبي.
قالت الملكة: «سيأخذ كلٌّ منكم جرّةً إلى بيته، وبعد شهرٍ يعيدها إليّ مملوءةً بأثمن شيءٍ يجده. ومن جاء بأثمن شيءٍ صار مساعدي.»
فرح الأطفال فرحًا شديدًا، وأخذ كلٌّ منهم جرّةً وأسرع إلى بيته.
وكان بينهم بنتٌ هادئةٌ اسمها هدى، تعيش مع جدّها في بيتٍ صغيرٍ على طرف المملكة، حيث تلتقي الحقول بالتلال. كانت أسرتها فقيرة، لا ذهب عندها ولا جواهر ولا حرير. فلمّا وصلت إلى البيت وضعت الجرّة الفارغة على الطاولة ونظرت إليها حزينة.
وقالت: «يا جدّي، سيملأ ابن التاجر جرّته ذهبًا، وستملأ ابنة الجوهريّ جرّتها لؤلؤًا. فماذا أضع أنا في جرّتي؟»
ابتسم جدّها وقال: «لم تقل الملكة: أغلى شيء، بل قالت: أثمن شيء. وليسا دائمًا شيئًا واحدًا.»
فكّرت هدى في ذلك أيّامًا كثيرة.
في البداية ذهبت إلى الحقل وملأت الجرّة بأجود القمح، وقالت في نفسها: «القمح ثمين؛ فبدونه لا خبز.» لكنها رأت جارًا فسد محصوله وأطفاله جياع، فأعطتهم القمح، فعادت جرّتها فارغة.
ثم ذهبت إلى النبع وملأت الجرّة ماءً باردًا نقيًّا، وقالت: «الماء ثمين؛ فبدونه لا يعيش شيء.» لكنها في طريق العودة لقيت راعيًا عجوزًا غنمه عطشى بعيدًا عن أيّ جدول، فصبّت الماء في حوضه، فعادت جرّتها فارغة.
ثم جمعت عسلًا حلوًا من خلايا جدّها، وقالت: «العسل ثمين.» لكن في ذلك اليوم نفسه مرض صبيٌّ صغيرٌ في القرية بالتهاب حلقه، وقال المداوي إن العسل يساعده، فحملت إليه هدى جرّة العسل، فعادت جرّتها فارغة.
وأخيرًا انقضى الشهر، ولم يبقَ عند هدى شيء، وكانت جرّتها فارغةً كيوم حملتها إلى البيت أوّل مرّة.
قالت وقد امتلأت عيناها بالدموع: «لا أستطيع أن أذهب إلى القصر بجرّةٍ فارغة. سيضحك منّي الجميع.»
قال جدّها بلطف: «اذهبي على كل حال، وقولي للملكة الحقيقة. فالحقيقة لا تكون فارغةً أبدًا.»
فمشت هدى إلى القصر تحمل جرّتها الفارغة.
وفي الفناء كان الأطفال الآخرون قد اصطفّوا، ففتحوا جرارهم واحدًا بعد واحد. ملأ ابن التاجر جرّته بالدنانير الذهبية، وملأت ابنة الجوهريّ جرّتها باللؤلؤ، وجاء صبيٌّ بتوابل نادرة، وجاءت بنتٌ بعطرٍ من بلادٍ بعيدة. فتلألأ الفناء وفاحت فيه الروائح الطيّبة.
ثم جاء دور هدى. كانت يداها ترتجفان. رفعت الغطاء، فإذا الجرّة فارغة.
ضحك بعض الأطفال ضحكًا خافتًا، وتهامس آخرون. لكن الملكة ياسمين رفعت يدها، فسكت الفناء.
وقالت بلطف: «أخبريني يا بنيّتي، لماذا جرّتكِ فارغة؟»
فحكت لها هدى كل شيء: عن القمح الذي أعطته للأسرة الجائعة، وعن الماء الذي صبّته للغنم العطشى، وعن العسل الذي حملته للصبيّ المريض.
وقالت: «حاولتُ أن أملأها بأشياء ثمينة يا مولاتي، لكن في كل مرّةٍ كان هناك من يحتاج إليها أكثر منّي.»
سكتت الملكة طويلًا، ثم نزلت الدرجات، وجثت أمام هدى، وأخذت الجرّة الفارغة بين يديها.
والتفتت إلى الأطفال الآخرين وقالت: «يا أطفال، انظروا إلى هذه الجرّة. إنها فارغة. لكن أتعرفون ماذا حملت؟ حملت خبزًا لأطفالٍ جياع، وماءً لحيواناتٍ عطشى، ودواءً لصديقٍ مريض. حملت الرحمة ثلاث مرّات. والرحمة لا تبقى في جرّة، بل تخرج إلى الدنيا.»
ورفعت الجرّة عاليًا وقالت: «الذهب يُعَدّ، واللؤلؤ يضيع. أمّا القلب الذي يعطي ما عنده لمن يحتاج إليه فهو أثمن شيءٍ في أيّ مملكة.»
ثم التفتت إلى هدى وابتسمت: «أتكونين مساعدتي يا هدى؟»
لم تستطع هدى أن تتكلّم، بل هزّت رأسها ودموع الفرح على خدّيها.
ومنذ ذلك اليوم عاشت هدى في القصر تتعلّم، وكانت تزور جدّها كل أسبوع. ولمّا كبرت صارت أوثق مستشاري الملكة. وفي قاعة العرش، على رفٍّ خاصٍّ يراه الجميع، كانت جرّةٌ بسيطةٌ بنّيةٌ من الفخّار بغطاءٍ خشبي.
كانت دائمًا فارغة، وكانت دائمًا أثمن شيءٍ في القاعة.
العبرة: أثمن ما نستطيع أن نعطيه هو الرحمة بمن يحتاج إليها.


