العودة إلى الحكايات

حكاية

العنزة الصغيرة الشجاعة على الجبل الأخضر

العنزة الصغيرة الشجاعة على الجبل الأخضر
في أعلى جبلٍ أخضر، حيث العشب حلو والأزهار البرّية تنبت بكل الألوان، عاش قطيعٌ من الماعز يقوده تيسٌ كبيرٌ حكيمٌ اسمه الجدّ تيّاس، له قرونٌ طويلةٌ ملتفّة، ولحيةٌ تكاد تبلغ الأرض.

وكانت أصغر عنزةٍ في القطيع جَدْيةً بيضاء اسمها شمس، في حجم القطّة، لها نتوءان صغيران في موضع القرنين اللذين سينبتان يومًا. وكانت الماعز الكبيرة كثيرًا ما تسخر منها.

كانت تقول: «شمس أصغر من أن تتسلّق الصخور العالية.»

وتقول: «شمس أصغر من أن تجد أجود العشب.»

وتقول: «شمس أصغر من أن تنفع في شيء.»

فكانت شمس تتظاهر بأنها لا تبالي. لكنها في الليل، وهي متكوّرةٌ بجانب أمّها، كانت تتمنّى أحيانًا لو كانت كبيرةً قويّةً كالآخرين.

وفي صباحٍ ما صعد ضبابٌ كثيفٌ على الجبل، كثيفٌ حتى لا تكاد الماعز ترى أظلافها. فجمع الجدّ تيّاس القطيع.

وقال: «ابقوا قريبين. في ضبابٍ كهذا يسهل أن يضلّ المرء. سننتظر هنا عند الصخرة الكبيرة حتى ينقشع.»

لكن جديين صغيرين، ريّان وورد، ملّا الانتظار، فتهامسا: «نحن نعرف هذا الجبل. هيّا نبحث عن البرسيم الحلو عند الجدول.» وحين لم يكن أحدٌ ينظر تسلّلا في الضباب.

كان الأمر ممتعًا في البداية؛ ضحكا وقفزا. لكن الضباب ما لبث أن ازداد كثافة، فلم يعودا يريان الطريق. مشيا في اتجاه، ثم في آخر، ونادَيا فابتلع الضباب صوتيهما. وأخيرًا وجدا نفسيهما على حافّةٍ صخريّةٍ ضيّقة، فوقهما الصخور وتحتهما منحدرٌ شديد. لم يعرفا كيف وصلا، ولا كيف يرجعان.

همس ورد: «أنا خائف.»

قال ريّان: «وأنا كذلك.» فالتصقا معًا وأخذا يثغوان طالبين النجدة.

وعند الصخرة عدّ الجدّ تيّاس قطيعه وقال: «اثنان مفقودان! ريّان وورد!»

فاندفعت الماعز الكبيرة وقالت: «سنجدهما!» لكنها حين حاولت أن تسلك الممرّ الضيّق نحو الحافّة علقت قرونها العريضة بالصخور، وجعلت أجسامها الثقيلة الحجارة المفكّكة تنزلق. فقالت وهي تلهث: «الممرّ ضيّقٌ جدًّا. لا نستطيع المرور.»

هزّ الجدّ تيّاس لحيته الطويلة وقال: «الطريق إلى تلك الحافّة ضيّقٌ جدًّا، لا يمرّ فيه إلا جديٌ صغيرٌ خفيف القدمين.»

فالتفتت الماعز كلها، ببطء، تنظر إلى شمس.

أخذ قلب شمس يدقّ. فكّرت في المنحدر الشديد والضباب الكثيف، وفي كل مرّةٍ قال فيها الآخرون إنها أصغر من اللازم. وأراد جزءٌ منها أن يختبئ خلف أمّها.

لكنها سمعت، خافتًا جدًّا، ثغاء ورد من بعيد. ففكّرت: «إنهما خائفان، وأنا الوحيدة التي تستطيع الوصول إليهما.»

وقالت: «سأذهب.»

مسحت أمّها رأسها بأنفها وقالت: «انتبهي يا شمسي الصغيرة.»

وانحنى الجدّ تيّاس وقال بهدوء: «الشجاعة لا تعني ألّا تخافي يا شمس، بل أن تفكّري بعنايةٍ وأنتِ خائفة. اتبعي صوتيهما، واختبري كل صخرةٍ قبل أن تخطي عليها، وخذي هذا.» وسحب خيطًا طويلًا من الصوف الأحمر الزاهي من البطّانية القديمة التي تركها الراعي عند الصخرة. «اربطي طرفه هنا، واحملي الطرف الآخر في فمك، فتجدي طريق العودة دائمًا.»

هزّت شمس رأسها، وأخذت الصوف الأحمر بأسنانها، ودخلت الضباب.

كان الممرّ ضيّقًا كما قال الجدّ تيّاس؛ الصخور ترتفع في جهة، وفي الجهة الأخرى لا شيء إلا الضباب الأبيض. فمشت شمس على مهل. وقبل كل خطوةٍ كانت تنقر الصخرة بظلفها الصغير؛ فإن اهتزّت بحثت عن غيرها، وإن ثبتت خطت عليها. نقرة، خطوة. نقرة، خطوة.

ونادت: «ريّان! ورد! استمرّا في الثغاء حتى أجدكما!»

فجاء صوتاهما أعلى قليلًا: «هنا! نحن هنا!»

نقرة، خطوة. نقرة، خطوة. والصوف الأحمر يتمدّد خلفها كالشريط.

وأخيرًا رأت شبحين في الضباب: ريّان وورد ملتصقين على الحافّة يرتجفان.

صاحا: «شمس! لقد جئتِ!»

قالت شمس: «طبعًا جئت. والآن اتبعاني، ولا تخطوا إلا حيث أخطو، وأمسكا بالصوف إن شعرتما بعدم الثقة.»

وببطءٍ وعناية مشى الجِداء الثلاثة عائدين على الممرّ الضيّق؛ شمس في المقدّمة تنقر كل صخرة، وريّان وورد يتبعان آثار أظلافها تمامًا، والصوف الأحمر يرشدهم عبر الضباب خطوةً بعد خطوة، حتى الصخرة الكبيرة.

فلمّا ظهروا من بين الضباب هتف القطيع كلّه، وأسرعت أمّ ريّان وأمّ ورد تحتضنانهما. ثم التفت الجميع إلى شمس.

وقال أحد الماعز الكبيرة الذي كان أكثرهم سخريةً منها: «كنّا مخطئين. لستِ أصغر من اللازم، بل كنتِ في الحجم المناسب تمامًا.»

ضحك الجدّ تيّاس ضحكته العميقة وقال: «على هذا الجبل لكل عنزةٍ ما تعطيه. الماعز الكبيرة تدفع الصخور، والصغيرة تمشي في الممرّات الضيّقة. والقطيع قويٌّ لأن فيه هذه وتلك.»

وعند الظهر انقشع الضباب، وأشرقت الشمس على الجبل الأخضر. فنزلت الماعز معًا إلى الجدول وأكلت البرسيم الحلو، وحرص ريّان وورد على أن تنال شمس أجود بقعةٍ منه.

ومنذ ذلك اليوم لم يسخر أحدٌ من شمس لصغر حجمها. ولمّا نبت قرناها الصغيران أخيرًا كانا قصيرين مرتّبين، مناسبين تمامًا للمرور في الأماكن الضيّقة. ففخرت بهما شمس، وفخرت بنفسها، لأنها تعلّمت أنك لا تحتاج أن تكون كبيرًا لتكون شجاعًا.

العبرة: لكلٍّ منّا قوّته الخاصّة، والشجاعة الحقيقية أن نساعد الآخرين حتى ونحن خائفون.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

أبو القاسم والخفّ الذي كان يعود دائمًا (من ألف ليلة وليلة)
أبو القاسم والخفّ الذي كان يعود دائمًا (من ألف ليلة وليلة)

في مدينة بغداد القديمة، عاش تاجر اسمه أبو القاسم. لم يكن رجلًا سيئًا، لكنه كان أشدّ الناس حرصًا على...

مانغو الببغاء الذي يقلّد كلّ صوت
مانغو الببغاء الذي يقلّد كلّ صوت

في غابة مطيرة دافئة خضراء، أشجارها طويلة جدًّا حتى تبدو كأنّها تدغدغ الغيوم، عاش ببغاء صغير اسمه مان...

ليث يصنع مُطعِمًا للطيور ويتعلّم أن ينتظر بهدوء
ليث يصنع مُطعِمًا للطيور ويتعلّم أن ينتظر بهدوء

كان عند ليث دفتر جديد. غلافه أخضر، وصفحاته بيضاء فارغة. وفي الصفحة الأولى كتب بأجمل خطّ عنده: كتاب ط...