العودة إلى الحكايات

حكاية

سُهى تساعد السّاعاتيّ في البحث عن مفتاحه الذهبيّ الصغير

سُهى تساعد السّاعاتيّ في البحث عن مفتاحه الذهبيّ الصغير
في آخر شارع ضيّق في السوق القديم، كان هناك دكّان صغير له باب أخضر، ونافذة مليئة بالساعات. ساعات طويلة وساعات مستديرة، ساعات عليها أزهار مرسومة، وساعات على شكل بيوت صغيرة. وكانت كلّها تقول طوال النهار: تِك، تَك، تِك، تَك. وفي كلّ ساعة كانت ترنّ معًا: دينغ، دونغ، كوكو، بونغ!

كان الدكّان للعمّ أنور السّاعاتيّ. له شاربان أبيضان، ونظّارة مستديرة، وابتسامة طيّبة تتجعّد حولها عيناه. وكلّ يوم بعد المدرسة، كانت سُهى تمرّ بدكّانه في طريقها إلى البيت. كان عمرها سبع سنوات، وكانت تحبّ أن تتفرّج عليه وهو يعمل.

كان العمّ أنور يجلس إلى طاولة خشبيّة تحت مصباح ساطع. يستعمل مفكّات صغيرة جدًّا، وملاقط رفيعة مثل منقار العصفور. يفتح ظهور الساعات، ويصلح العجلات الصغيرة في داخلها، وهي تدور وتطقطق كأنّها ترقص رقصة سرّيّة.

كان يقول لسهى: «لكلّ ساعة قلب. ويجب أن نُصغي جيّدًا حتّى نسمعه.»

في أحد الأيّام، فتحت سهى الباب الأخضر، فوجدت الدكّان هادئًا على غير عادته. لم يكن العمّ أنور إلى طاولته. كان على يديه وركبتيه، ينظر تحت خزانة.

سألته سهى: «عمّي أنور! هل أنت بخير؟»

جلس ورفع نظّارته على أنفه وقال: «آه يا سهى. أضعت مفتاحي الذهبيّ الصغير.»

كانت سهى تعرف ذلك المفتاح. لم يكن أطول من إصبعها، وله مقبض صغير على شكل قلب. كان المفتاح الذي يملأ أقدم ساعة في الدكّان: ساعة خشبيّة طويلة، على وجهها قمر مرسوم. صنعها جدّ العمّ أنور منذ زمن بعيد.

قال العمّ أنور: «إذا لم أملأها اليوم، ستتوقّف الليلة. وهي لم تتوقّف منذ خمسين سنة.»

وضعت سهى حقيبتها المدرسيّة وقالت: «سأساعدك في البحث.»

بحثا أوّلًا على طاولة العمل. حرّكا المفكّات وعلب البراغي الصغيرة. ورفعا القماشة ونفضاها بلطف. وجدا نوابض وعجلات وزرًّا، لكن لا مفتاح ذهبيّ.

ثمّ بحثا على الأرض. زحفت سهى تحت الكراسي. وجدت قلمًا ومشبك ورق وحبّة نعناع ما زالت في غلافها. لكن لا مفتاح ذهبيّ.

جلست سهى على كعبيها. أرادت أن تركض في الدكّان وتفتح كلّ الأدراج معًا. لكنّها تذكّرت ما يقوله العمّ أنور دائمًا: يجب أن نُصغي جيّدًا.

قالت: «عمّي أنور، أين كنت آخر مرّة كان المفتاح معك؟»

فكّر لحظة وقال: «هذا الصباح، ملأت ساعة القمر. ثمّ وضعت المفتاح في جيب صدريّتي. ثمّ ذهبت إلى المخبز لأشتري الخبز.»

قالت سهى: «إذن ذهب المفتاح إلى المخبز. لنمشِ في الطريق نفسه الذي مشيت فيه.»

ابتسم العمّ أنور وقال: «فكرة ذكيّة جدًّا.»

علّقا لوحة صغيرة على الباب الأخضر، وخرجا إلى الشارع المزدحم.

كان السوق مليئًا بالأصوات والروائح. رجل يبيع البرتقال المكوّم مثل الهرم. وامرأة تصبّ الشاي من إبريق طويل لامع. والحمام يهدل على السطوح، ومذياع في مكان ما يغنّي أغنية مرحة.

مشت سهى ببطء، وهي تنظر إلى حجارة الشارع حجرًا حجرًا. ومشى العمّ أنور بجانبها ينظر هو أيضًا.

عند بسطة البرتقال، لوّح البائع وقال: «مساء الخير يا عمّ أنور! هل وقع منك شيء هذا الصباح؟ لقد انحنيت هنا لتربط حذاءك.»

بحثا حول صناديق البرتقال. وجدا قشر برتقال وورقة شجر، لكن لا مفتاح.

وعند الزاوية، كانت نافورة بلاط أزرق ومقعد حجريّ صغير. قال العمّ أنور: «جلست هنا لأرتاح.» نظرت سهى تحت المقعد وحول حافّة النافورة. كان الماء يلمع ويتناثر. لكن لا مفتاح.

شعرت سهى ببعض القلق. ربّما ضاع المفتاح إلى الأبد. ثمّ أخذت نفسًا عميقًا وقالت: «ما زال هناك المخبز.»

كانت رائحة المخبز رائحة خبز دافئ وسمسم. وكانت الأرغفة المستديرة تلمع ذهبيّة على الرفوف في ضوء الفرن. ضحكت الخبّازة حين رأتهما، وهي امرأة طويلة على خدّيها طحين.

قالت: «عمّ أنور! كنت أتمنّى أن تعود. ابني الصغير وجد شيئًا على الأرض هذا الصباح، في المكان الذي وقفت فيه تمامًا. وهو يلعب به طوال اليوم. يقول إنّه مفتاح صندوق كنز.»

ومن خلف الطاولة خرج ولد صغير على أنفه طحين. وفي يده شيء صغير ذهبيّ، له مقبض على شكل قلب.

صاحت سهى: «المفتاح الذهبيّ!»

أمسك الولد المفتاح بقوّة. نظر إلى العمّ أنور، ثمّ نظر إلى الأرض، وسأل بصوت خافت: «هل هو لك؟»

قال العمّ أنور بلطف: «نعم. إنّه يملأ ساعة قديمة جدًّا، على وجهها قمر مرسوم. هل تحبّ أن تأتي وتراها؟»

أشرق وجه الولد. نظر إلى أمّه، فهزّت رأسها موافقة. ثمّ وضع المفتاح بعناية في يد العمّ أنور.

فمشوا جميعًا في السوق عائدين: العمّ أنور، وسهى، وابن الخبّازة، والخبّازة أيضًا، تحمل رغيفًا دافئًا ملفوفًا بالورق هديّة.

في الدكّان، كانت ساعة القمر واقفة طويلة صابرة. فتح العمّ أنور بابها الزجاجيّ الصغير، وترك ابن الخبّازة يضع المفتاح في الثقب، وساعدته سهى على إدارته. تِك، تِك، تِك.

أصدرت الساعة صوتًا فرحًا، وبدا قمرها المرسوم يلمع أكثر. تِك، تَك، تِك، تَك.

ثمّ رنّت كلّ الساعات في الدكّان معًا. كانت الساعة الخامسة. دينغ، دونغ، كوكو، بونغ!

ضحك ابن الخبّازة وصفّق بيديه، وضحكت سهى أيضًا.

خلع العمّ أنور نظّارته ومسحها بكمّه وقال: «شكرًا يا سهى. حين قلقت، أردت أن أبحث في كلّ مكان مرّة واحدة. وأنت ساعدتني أن أتمهّل وأتبع خطواتي.»

وفي ذلك المساء، مشت سهى إلى البيت وفي يدها قطعة من الخبز الدافئ. وخلفها، في الدكّان الصغير ذي الباب الأخضر، ظلّت ساعة القمر القديمة تدقّ، ثابتة وآمنة، كما فعلت منذ خمسين سنة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

لِيو وَزَعْتَرُ في مَزْرَعَةِ الجَدِّ سَعيدٍ الصّاخِبَةِ
لِيو وَزَعْتَرُ في مَزْرَعَةِ الجَدِّ سَعيدٍ الصّاخِبَةِ

ذَهَبَ لِيو مَعَ صَديقِهِ حَمْدانَ إِلى مَزْرَعَةِ الجَدِّ سَعيدٍ. رَفْرَفْ! حَطَّ زَعْتَرُ عَلى كَت...

مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ
مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ

وَجَدَ مَنْصورٌ في غُرْفَةِ جَدِّهِ عُلْبَةً خَشَبِيَّةً قَديمَةً، لَها غِطاءانِ: أَبْيَضُ وَأَسْوَد...

هبة والصديقة الجديدة التي تتكلّم بيديها
هبة والصديقة الجديدة التي تتكلّم بيديها

في أوّل صباح بارد من الفصل الدراسيّ، جاءت بنت جديدة إلى صفّ هبة. كان شعرها قصيرًا مجعّدًا، وفيه م...