العودة إلى الحكايات

حكاية

كنزي والبركة التي حملت السماء كلّها

كنزي والبركة التي حملت السماء كلّها
أمطرت السماء الليل كلّه. كان المطر يقرع السطح، وينقر على النوافذ، ويقرقر في المزراب خارج غرفة كنزي.

وفي الصباح، توقّف المطر. أزاحت كنزي الستارة، فبدا العالم مغسولًا وجديدًا. أوراق شجرة الليمون لامعة. وجدار الحديقة غامق ومبلول. وفي وسط الممرّ بركة ماء. بركة كبيرة مستديرة جميلة.

كان عمر كنزي خمس سنوات، وكانت تحبّ برك الماء أكثر من أيّ شيء تقريبًا.

ركضت إلى الباب بملابس النوم وصاحت: «ماما! هناك بركة! بركة عملاقة!»

ضحكت أمّها وقالت: «الفطور أوّلًا. ثمّ الجزمة. ثمّ البركة.»

أكلت كنزي خبزها بالعسل بأسرع ما تستطيع. ولبست جزمتها الحمراء ذات النقاط البيضاء الصغيرة، ومعطفها الأصفر. ولبس أخوها الصغير يامن، وعمره ثلاث سنوات، جزمته الخضراء. لكنّه لبسها بالمقلوب، فساعدته أمّه على تبديلها.

ثمّ خرجا.

كانت رائحة الهواء رائحة تراب مبلول وليمون. وما زالت قطرات الماء تسقط من الشجرة: بِلِب، بُلُب، بِلِب. والبركة في وسط الممرّ، مستديرة وساكنة.

ركضت كنزي نحوها مباشرة.

طرطشة!

طار الماء في رذاذ فضّيّ كبير. وقع على جزمتها، وعلى معطفها، وعلى الجدار، وبعضه وقع على يامن، فصرخ وضحك.

طرطشة! طرطشة! طرطشة!

قفزت كنزي وقفزت. وتموّجت البركة وارتطمت بحافّتي الممرّ. كان ذلك رائعًا.

بعد قليل، توقّفت كنزي لتلتقط أنفاسها. نظرت إلى الأسفل. كانت البركة بنّيّة موحلة متموّجة، وأمواج صغيرة تجري فوقها.

كان يامن جالسًا على طرفها ينظر في الماء. سأل: «أين هي؟»

قالت كنزي: «أين ماذا؟»

قال يامن: «السماء. قبل قليل كانت السماء في البركة. رأيتها من النافذة. والآن اختفت.»

عبست كنزي وقالت: «لا توجد سماء في البركة يا يامن! السماء هناك فوق.»

لكنّ يامن هزّ رأسه وقال: «كانت موجودة. ومعها عصفور.»

نظرت كنزي في البركة. لم ترَ إلّا ماءً بنّيًّا يهتزّ ويتمايل. قفزت فيه مرّة أخرى لتتأكّد. طرطشة! ولا سماء.

كانت جدّتهما، تيتا وفاء، جالسة في الشرفة ومعها كوب شاي. كانت تتفرّج عليهما وفي عينيها لمعة.

قالت: «يامن على حقّ. في تلك البركة سماء كاملة. لكنّ السماء خجولة. لا تظهر إلّا حين يكون الماء ساكنًا.»

نظرت كنزي إلى جدّتها، ثمّ إلى البركة. «وكم يحتاج الماء ليسكن؟»

ابتسمت تيتا وفاء وقالت: «آه، هذا هو الجزء الصعب. يجب أن تنتظري.»

لم تكن كنزي تحبّ الانتظار كثيرًا. الانتظار أبطأ شيء في الدنيا. لكنّها أرادت أن ترى السماء في البركة. فجلست القرفصاء بجانب يامن على الطرف.

همست: «يجب أن نبقى ساكنين جدًّا. ممنوع القفز.»

هزّ يامن رأسه بجدّيّة، ووضع يديه على ركبتيه.

وراقبا.

في البداية كان الماء موحلًا يتأرجح. ثمّ صغرت الأمواج الصغيرة. وانزلقت الدوائر إلى الأطراف واختفت. وبدأ الطين ينزل ببطء إلى القاع، مثل رمل يستقرّ في مرطبان.

بدأت رجلا كنزي تنمّلان. أرادت أن تقف. أرادت أن تطرطش. لكنّها بقيت ساكنة.

سقطت قطرة من شجرة الليمون. بِلِب. فانتشرت دائرة على الماء واختفت.

ثمّ، ببطء، ببطء، ظهر شيء.

رأت كنزي أوّلًا طرف غيمة بيضاء. ثمّ قطعة من الأزرق الساطع. ثمّ أوراق شجرة الليمون الخضراء، مقلوبة، والليمون الأصفر معلّق فيها مثل مصابيح صغيرة. ثمّ أعلى جدار الحديقة.

همس يامن: «انظري!»

صارت البركة نافذة. وفيها سماء كاملة، زرقاء وعميقة، والغيوم المنفوشة تسبح فيها بهدوء. بدت حقيقيّة جدًّا حتّى شعرت كنزي أنّها قد تقع فيها.

ثمّ طار عصفور بنّيّ صغير عبر السماء التي في البركة. رفعت كنزي رأسها، فإذا هو هناك، العصفور الحقيقيّ، يطير فوق الجدار الحقيقيّ.

قال يامن: «هذا هو العصفور! قلت لك!»

قالت كنزي: «نعم قلت. كنت على حقّ.»

اقتربت أكثر. صارت ترى وجهها الآن، بقبّعتها الصفراء وخدّيها الورديّين، يبتسم لها من بين الغيوم. واقترب يامن أيضًا، فظهر وجهه بجانب وجهها، وأنفه يكاد يلمس الماء.

همس يامن: «نحن في السماء!» فضحكا بهدوء شديد، كي لا يهتزّ الماء.

بقيا هناك وقتًا طويلًا، يتفرّجان على الغيوم تسبح في البركة. غيمة تشبه أرنبًا. وغيمة تشبه إبريق شاي. وغيمة تشبه قطّة تيتا وفاء وهي نائمة ملتفّة.

وأخيرًا نادت أمّهما من الباب: «من يريد حليبًا دافئًا؟»

وقفت كنزي بحذر شديد، كي لا تصنع أيّ موجة. وأمسكت يد يامن.

قالت وهما يصعدان درجات الشرفة: «تيتا، سماء البركة كانت أجمل من الطرطشة!»

ضحكت تيتا وفاء، وضمّتهما في حضن دافئ مبلول قليلًا، وقالت: «الطرطشة جميلة أيضًا. لكنّ بعض أجمل الأشياء لا تظهر لنا إلّا حين نصبر.»

وفي العصر، طلعت الشمس وجفّفت الممرّ. وفي المساء، لم يبقَ من البركة إلّا بقعة غامقة على الحجارة.

لكنّ كنزي لم تحزن. كانت تعرف أنّ المطر سيأتي يومًا من جديد. وفي المرّة القادمة، قبل أن تقفز، ستنتظر حتّى تخرج السماء وتقول لها: مرحبًا.

ثمّ ستطرطش. قليلًا فقط.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

العنزة الصغيرة الشجاعة على الجبل الأخضر
العنزة الصغيرة الشجاعة على الجبل الأخضر

في أعلى جبلٍ أخضر، حيث العشب حلو والأزهار البرّية تنبت بكل الألوان، عاش قطيعٌ من الماعز يقوده تيسٌ ك...

ناجي يستعير قفّازَي جدّه الكبيرين للحديقة
ناجي يستعير قفّازَي جدّه الكبيرين للحديقة

في صباح كلّ يوم جمعة، كان ناجي يذهب إلى بيت جدّه. وفي صباح كلّ يوم جمعة، كان جدّو سليم في الحديقة....

مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ
مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ

وَجَدَ مَنْصورٌ في غُرْفَةِ جَدِّهِ عُلْبَةً خَشَبِيَّةً قَديمَةً، لَها غِطاءانِ: أَبْيَضُ وَأَسْوَد...