حكاية
ناجي يستعير قفّازَي جدّه الكبيرين للحديقة
في صباح كلّ يوم جمعة، كان ناجي يذهب إلى بيت جدّه. وفي صباح كلّ يوم جمعة، كان جدّو سليم في الحديقة.
كانت حديقة جدّو أجمل مكان يعرفه ناجي. فيها شجرة تين أوراقها كبيرة مثل الأيدي، وصفّ من نباتات الطماطم مربوطة إلى عيدان، وحوض نعناع رائحته جميلة حين تلمسه، ومقعد خشبيّ مدهون بلون السماء. وفي آخرها كوخ صغير مليء بالأدوات وأُصص الزرع وأكياس البذور.
في هذه الجمعة، كان جدّو سليم راكعًا بجانب حوض طويل فارغ من التراب البنّيّ.
قال: «اليوم سنزرع الفاصولياء.»
صفّق ناجي وقال: «هل أستطيع أن أساعد؟»
قال جدّو: «طبعًا. كلّ حديقة تحتاج إلى مساعد.»
كان جدّو يلبس قفّازين سميكين بنّيّين للحديقة. كانا قديمين وناعمين وعليهما بعض الطين، وفي أحد الإبهامين رقعة خاطتها تيتا منذ زمن بعيد. وكان ناجي يتمنّى دائمًا أن يلبسهما.
قال: «جدّو، هل ألبس قفّازيك؟ عندها أصير مزارعًا حقيقيًّا مثلك.»
ابتسم جدّو ونزعهما وقال: «تفضّل.»
أدخل ناجي يديه في القفّازين.
كانا ضخمين جدًّا. لم تصل أصابعه إلّا إلى نصفهما. وتدلّت أصابع القفّازين الفارغة مثل أذني أرنب نعسان. وحين رفع يديه، كاد القفّازان ينزلقان عنهما.
حاول ناجي أن يمسك المجرفة الصغيرة. فانزلقت من الأصابع المتدلّية ووقعت على العشب: طَب.
حاول مرّة أخرى. طَب.
حاول أن يمسك حبّة فاصولياء، فلم يشعر بها أبدًا. كأنّه يحاول أن يلتقط فتاتة وهو يلبس وسادتين كبيرتين.
ارتجفت شفة ناجي وقال: «القفّازان كبيران عليّ. لا أستطيع أن أفعل شيئًا. أنا صغير جدًّا على أن أكون مزارعًا حقيقيًّا.»
وجلس على المقعد الأزرق ونظر إلى حذائه.
لم يقل جدّو سليم شيئًا في البداية. جلس على المقعد بجانب ناجي. وقفز شحرور على العشب يبحث عن الديدان في التراب الطريّ.
بعد قليل قال جدّو: «أتعرف؟ حين كنت صغيرًا، لبست قفّازي أبي أيضًا. وكانا أكبر من هذين. ولم أستطع أن أمسك شيئًا.»
رفع ناجي رأسه. «حقًّا؟»
قال جدّو: «حقًّا. لكنّ أبي علّمني شيئًا. الحديقة لا تحتاج إلى أيدٍ كبيرة. تحتاج إلى اليد المناسبة لكلّ عمل.»
نزع القفّازين الكبيرين عن يدي ناجي بلطف، ولبسهما من جديد، وحرّك أصابعه أمام أنف ناجي.
قال: «انظر إلى يديّ. إنّهما كبيرتان وقويّتان. تصلحان للحفر العميق ورفع الأصص الثقيلة. لكنّهما لا تتقنان الأعمال الصغيرة. والآن انظر إلى يديك.»
مدّ ناجي يديه. كانتا صغيرتين، أصابعهما قصيرة، وعلى إحدى المفاصل خدش صغير من الملعب.
قال جدّو: «يداك بالحجم المناسب تمامًا لأهمّ عمل على الإطلاق.»
سأل ناجي: «أيّ عمل؟»
أخرج جدّو من جيبه كيسًا ورقيًّا، وأماله، فتدحرجت في كفّه حفنة من حبّات الفاصولياء. كانت ملساء منقّطة، بنفسجيّة وكريميّة، مثل بيض صغير ملوّن.
قال جدّو: «الزراعة. كلّ حبّة يجب أن تدخل حفرتها الصغيرة، لا عميقة جدًّا ولا قريبة جدًّا، وعينها إلى الأسفل. أصابعي الكبيرة خرقاء، تُسقط الحبّات أو تدفعها بعيدًا. أمّا الأصابع الصغيرة، فتستطيع أن تكون لطيفة وحذرة جدًّا.»
نظر ناجي إلى الحبّات، ثمّ إلى يديه. وانتشرت على وجهه ابتسامة بطيئة.
فعملا معًا.
لبس جدّو القفّازين الكبيرين، وحفر بيديه القويّتين خطًّا طويلًا مستقيمًا في التراب، ونقل إبريق السقي الثقيل إلى مكانه. ثمّ صنع بعود حفرًا صغيرة على طول الخطّ: واحدة، اثنتين، ثلاثًا، أربعًا، في صفّ واحد.
وركع ناجي بجانبه بيديه العاريتين. التقط حبّة فاصولياء بين إصبعه وإبهامه. ووجد عينها الصغيرة على جانبها، كما أراه جدّو. ووضعها في الحفرة الأولى، وعينها إلى الأسفل، ودفع التراب فوقها برفق بأطراف أصابعه، كأنّه يغطّيها لتنام.
قال جدّو: «ممتاز.»
ووضع ناجي الحبّة التالية، والتي بعدها. كان التراب باردًا ومتفتّتًا ورائحته مثل المطر. ومرّت دودة تتلوّى، فقال لها ناجي مرحبًا وتركها تذهب في طريقها.
وبعد قليل، كانت عشرون حبّة نائمة في الصفّ. صارت أصابع ناجي بنّيّة من التراب، وركبتاه بنّيّتين أيضًا. لم يشعر في حياته كلّها أنّه مفيد إلى هذا الحدّ.
ثمّ جاء وقت السقي. كان إبريق السقي ثقيلًا جدًّا على ناجي. فرفعه جدّو، وأمسك ناجي طرف البزبوز ووجّهه على طول الصفّ، فنالت كلّ حبّة رشّة لطيفة. ولمع الماء في شمس الصباح وصنع قوس قزح صغيرًا.
وحين انتهيا، جلسا معًا على المقعد الأزرق ونظرا إلى صفّهما.
سأل ناجي: «جدّو، متى تطلع الفاصولياء؟»
قال جدّو: «بعد أسبوع تقريبًا. أوّلًا تخرج من التراب عقدة خضراء صغيرة، مثل كوع صغير. ثمّ تنفتح ورقتان، مثل يدين تقولان مرحبًا.»
صار ناجي يتفقّد الصفّ كلّ جمعة. وفي الجمعة التالية مباشرة، رآها: عشرون عقدة خضراء صغيرة، واقفة في صفّ مرتّب في التراب البنّيّ.
صاح ناجي: «إنّها في المكان الذي وضعتها فيه تمامًا!»
قال جدّو مبتسمًا: «طبعًا. عندك اليدان المناسبتان تمامًا للزراعة.»
وحين جاء الصيف، تسلّقت الفاصولياء العيدان الطويلة، ونمت فيها قرون خضراء طويلة. قطفها ناجي وجدّو معًا، وحملا سلّة كاملة إلى المطبخ لتيتا.
وفي عيد ميلاد ناجي التالي، أهداه جدّو هديّة ملفوفة بورق بنّيّ. وفي داخلها قفّازان صغيران أخضران للحديقة، بالحجم المناسب تمامًا.
لكن حين يأتي وقت زرع البذور، كان ناجي يخلعهما دائمًا.
كانت حديقة جدّو أجمل مكان يعرفه ناجي. فيها شجرة تين أوراقها كبيرة مثل الأيدي، وصفّ من نباتات الطماطم مربوطة إلى عيدان، وحوض نعناع رائحته جميلة حين تلمسه، ومقعد خشبيّ مدهون بلون السماء. وفي آخرها كوخ صغير مليء بالأدوات وأُصص الزرع وأكياس البذور.
في هذه الجمعة، كان جدّو سليم راكعًا بجانب حوض طويل فارغ من التراب البنّيّ.
قال: «اليوم سنزرع الفاصولياء.»
صفّق ناجي وقال: «هل أستطيع أن أساعد؟»
قال جدّو: «طبعًا. كلّ حديقة تحتاج إلى مساعد.»
كان جدّو يلبس قفّازين سميكين بنّيّين للحديقة. كانا قديمين وناعمين وعليهما بعض الطين، وفي أحد الإبهامين رقعة خاطتها تيتا منذ زمن بعيد. وكان ناجي يتمنّى دائمًا أن يلبسهما.
قال: «جدّو، هل ألبس قفّازيك؟ عندها أصير مزارعًا حقيقيًّا مثلك.»
ابتسم جدّو ونزعهما وقال: «تفضّل.»
أدخل ناجي يديه في القفّازين.
كانا ضخمين جدًّا. لم تصل أصابعه إلّا إلى نصفهما. وتدلّت أصابع القفّازين الفارغة مثل أذني أرنب نعسان. وحين رفع يديه، كاد القفّازان ينزلقان عنهما.
حاول ناجي أن يمسك المجرفة الصغيرة. فانزلقت من الأصابع المتدلّية ووقعت على العشب: طَب.
حاول مرّة أخرى. طَب.
حاول أن يمسك حبّة فاصولياء، فلم يشعر بها أبدًا. كأنّه يحاول أن يلتقط فتاتة وهو يلبس وسادتين كبيرتين.
ارتجفت شفة ناجي وقال: «القفّازان كبيران عليّ. لا أستطيع أن أفعل شيئًا. أنا صغير جدًّا على أن أكون مزارعًا حقيقيًّا.»
وجلس على المقعد الأزرق ونظر إلى حذائه.
لم يقل جدّو سليم شيئًا في البداية. جلس على المقعد بجانب ناجي. وقفز شحرور على العشب يبحث عن الديدان في التراب الطريّ.
بعد قليل قال جدّو: «أتعرف؟ حين كنت صغيرًا، لبست قفّازي أبي أيضًا. وكانا أكبر من هذين. ولم أستطع أن أمسك شيئًا.»
رفع ناجي رأسه. «حقًّا؟»
قال جدّو: «حقًّا. لكنّ أبي علّمني شيئًا. الحديقة لا تحتاج إلى أيدٍ كبيرة. تحتاج إلى اليد المناسبة لكلّ عمل.»
نزع القفّازين الكبيرين عن يدي ناجي بلطف، ولبسهما من جديد، وحرّك أصابعه أمام أنف ناجي.
قال: «انظر إلى يديّ. إنّهما كبيرتان وقويّتان. تصلحان للحفر العميق ورفع الأصص الثقيلة. لكنّهما لا تتقنان الأعمال الصغيرة. والآن انظر إلى يديك.»
مدّ ناجي يديه. كانتا صغيرتين، أصابعهما قصيرة، وعلى إحدى المفاصل خدش صغير من الملعب.
قال جدّو: «يداك بالحجم المناسب تمامًا لأهمّ عمل على الإطلاق.»
سأل ناجي: «أيّ عمل؟»
أخرج جدّو من جيبه كيسًا ورقيًّا، وأماله، فتدحرجت في كفّه حفنة من حبّات الفاصولياء. كانت ملساء منقّطة، بنفسجيّة وكريميّة، مثل بيض صغير ملوّن.
قال جدّو: «الزراعة. كلّ حبّة يجب أن تدخل حفرتها الصغيرة، لا عميقة جدًّا ولا قريبة جدًّا، وعينها إلى الأسفل. أصابعي الكبيرة خرقاء، تُسقط الحبّات أو تدفعها بعيدًا. أمّا الأصابع الصغيرة، فتستطيع أن تكون لطيفة وحذرة جدًّا.»
نظر ناجي إلى الحبّات، ثمّ إلى يديه. وانتشرت على وجهه ابتسامة بطيئة.
فعملا معًا.
لبس جدّو القفّازين الكبيرين، وحفر بيديه القويّتين خطًّا طويلًا مستقيمًا في التراب، ونقل إبريق السقي الثقيل إلى مكانه. ثمّ صنع بعود حفرًا صغيرة على طول الخطّ: واحدة، اثنتين، ثلاثًا، أربعًا، في صفّ واحد.
وركع ناجي بجانبه بيديه العاريتين. التقط حبّة فاصولياء بين إصبعه وإبهامه. ووجد عينها الصغيرة على جانبها، كما أراه جدّو. ووضعها في الحفرة الأولى، وعينها إلى الأسفل، ودفع التراب فوقها برفق بأطراف أصابعه، كأنّه يغطّيها لتنام.
قال جدّو: «ممتاز.»
ووضع ناجي الحبّة التالية، والتي بعدها. كان التراب باردًا ومتفتّتًا ورائحته مثل المطر. ومرّت دودة تتلوّى، فقال لها ناجي مرحبًا وتركها تذهب في طريقها.
وبعد قليل، كانت عشرون حبّة نائمة في الصفّ. صارت أصابع ناجي بنّيّة من التراب، وركبتاه بنّيّتين أيضًا. لم يشعر في حياته كلّها أنّه مفيد إلى هذا الحدّ.
ثمّ جاء وقت السقي. كان إبريق السقي ثقيلًا جدًّا على ناجي. فرفعه جدّو، وأمسك ناجي طرف البزبوز ووجّهه على طول الصفّ، فنالت كلّ حبّة رشّة لطيفة. ولمع الماء في شمس الصباح وصنع قوس قزح صغيرًا.
وحين انتهيا، جلسا معًا على المقعد الأزرق ونظرا إلى صفّهما.
سأل ناجي: «جدّو، متى تطلع الفاصولياء؟»
قال جدّو: «بعد أسبوع تقريبًا. أوّلًا تخرج من التراب عقدة خضراء صغيرة، مثل كوع صغير. ثمّ تنفتح ورقتان، مثل يدين تقولان مرحبًا.»
صار ناجي يتفقّد الصفّ كلّ جمعة. وفي الجمعة التالية مباشرة، رآها: عشرون عقدة خضراء صغيرة، واقفة في صفّ مرتّب في التراب البنّيّ.
صاح ناجي: «إنّها في المكان الذي وضعتها فيه تمامًا!»
قال جدّو مبتسمًا: «طبعًا. عندك اليدان المناسبتان تمامًا للزراعة.»
وحين جاء الصيف، تسلّقت الفاصولياء العيدان الطويلة، ونمت فيها قرون خضراء طويلة. قطفها ناجي وجدّو معًا، وحملا سلّة كاملة إلى المطبخ لتيتا.
وفي عيد ميلاد ناجي التالي، أهداه جدّو هديّة ملفوفة بورق بنّيّ. وفي داخلها قفّازان صغيران أخضران للحديقة، بالحجم المناسب تمامًا.
لكن حين يأتي وقت زرع البذور، كان ناجي يخلعهما دائمًا.


