العودة إلى الحكايات

حكاية

رانيا تتساءل: لماذا يلحق القمر بسيّارتنا؟

رانيا تتساءل: لماذا يلحق القمر بسيّارتنا؟
كان الوقت متأخّرًا في المساء، وكانت عائلة رانيا عائدة بالسيّارة من بيت خالتها في الريف.

كانت رانيا جالسة في كرسيّها في المقعد الخلفيّ، ملفوفة ببطّانيّتها المفضّلة، البنفسجيّة ذات النجوم البيضاء الصغيرة. وكان أخوها الرضيع كرم نائمًا بجانبها، وفمه مفتوح مثل دائرة صغيرة. وفي الأمام، كان أبوها يقود، وأمّها تدندن أغنية هادئة.

كان العالم خارج النافذة أزرق غامقًا. حقول وأشجار تنزلق بجانبهم. وبين حين وآخر، يمرّ بيت صغير نافذته صفراء، ثمّ يختفي.

ألصقت رانيا أنفها بالزجاج. وعندها رأته.

القمر.

كان كبيرًا ومستديرًا وأبيض، معلّقًا فوق التلال. وكان ساطعًا جدًّا حتّى صارت أطراف الغيوم تلمع بالفضّة.

راقبته رانيا. مرّت السيّارة بمزرعة، والقمر ما زال هناك. مرّت بصفّ من الأشجار العالية، فأطلّ القمر من بين الأغصان، ثمّ بقي هناك. ودارت السيّارة في منعطف طويل.

والقمر ما زال هناك، خارج نافذتها تمامًا.

قالت رانيا: «ماما، القمر يلحق بنا.»

التفتت أمّها وابتسمت. «حقًّا؟»

قالت رانيا: «نعم. كلّ شيء آخر يذهب. الأشجار تذهب. والبيوت تذهب. والأبقار تذهب. لكنّ القمر يبقى عند نافذتي. إنّه يلحق بسيّارتنا.»

سألها أبوها وهو ينظر إليها في المرآة الصغيرة: «ولماذا تظنّين أنّه يفعل ذلك؟»

فكّرت رانيا كثيرًا وقالت: «ربّما يريد أن يأتي معنا إلى البيت. ربّما يشعر بالوحدة هناك فوق.»

ضحك أبوها بهدوء وقال: «هذه فكرة جميلة. هل نكتشف ما الذي يحدث حقًّا؟»

سألت رانيا: «كيف؟»

قال أبوها: «لنقم بتجربة. انظري إلى تلك الشجرة أمامنا، التي عند البوّابة. راقبيها، وراقبي القمر أيضًا.»

راقبت رانيا. اقتربت الشجرة التي عند البوّابة أكثر فأكثر. وكبرت. ثمّ مرّت بسرعة بجانب نافذتها، واختفت خلفهم.

قالت: «الشجرة مرّت بسرعة.»

قال أبوها: «نعم. لأنّ الشجرة قريبة جدًّا منّا. والآن انظري إلى التلال البعيدة.»

نظرت رانيا إلى التلال الغامقة. كانت تتحرّك أيضًا، لكن ببطء شديد شديد. كانت تنزلق بهدوء حتّى كادت رانيا لا تلاحظ حركتها.

قالت: «التلال بطيئة.»

قال أبوها: «لأنّ التلال بعيدة. الأشياء القريبة منّا تبدو كأنّها تسرع. والأشياء البعيدة تبدو كأنّها تتحرّك ببطء. أمّا القمر...»

سألت رانيا: «أبعد من التلال؟»

قالت أمّها: «أبعد بكثير بكثير. بعيد جدًّا حتّى لو استطعت أن تقودي سيّارة إليه، لاحتجت إلى خمسة أشهر كاملة تقريبًا، ليلًا ونهارًا، من غير توقّف.»

اتّسعت عينا رانيا. «إلى هذا الحدّ؟»

قال أبوها: «إلى هذا الحدّ. القمر بعيد جدًّا، حتّى إنّنا حين نقود مسافة طويلة، لا يكاد يتحرّك أبدًا. فيبدو كأنّه يأتي معنا.»

نظرت رانيا إلى القمر من جديد. ما زال هناك، هادئًا ساطعًا، يطفو فوق الحقول.

سألت: «إذن هو لا يلحق بنا حقًّا؟»

قالت أمّها: «ليس حقًّا. لكن اسمعي الشيء الرائع. الآن، خالتك تنظر من نافذتها، وترى القمر أيضًا. وجدّتك في بيتها في المدينة، ترى القمر نفسه. وأطفال في كلّ العالم ينظرون إليه الليلة. ويبدو لكلّ واحد منهم أنّ القمر يلحق به.»

سكتت رانيا وقتًا طويلًا. كانت تفكّر.

ثمّ قالت ببطء: «إذن القمر لا يلحق بي وحدي. إنّه يؤنس الجميع.»

مدّت أمّها يدها إلى الخلف، وضغطت قدمها من فوق البطّانيّة وقالت: «هذا صحيح تمامًا.»

ابتسمت رانيا للقمر. صار يبدو أكثر لطفًا من قبل. وتخيّلت خالتها عند نافذتها، وجدّتها عند نافذتها، وبنتًا صغيرة في بلد آخر، كلّهم ينظرون إلى الوجه الأبيض المستدير نفسه.

قالت: «بابا، أريد أن أقوم بتجربة أخرى.»

سأل أبوها: «أيّ تجربة؟»

قالت رانيا: «حين نصل إلى البيت، أريد أن أنظر من نافذة غرفتي، لأرى إن كان القمر ما زال هناك.»

قال أبوها: «هذه تجربة جيّدة.»

وتابعت السيّارة طريقها المظلم. الأشجار تمرّ مسرعة، والتلال تنزلق ببطء، والقمر يطفو بجانبهم، فضّيًّا هادئًا، حتّى دخلوا المدينة، ومرّوا بالمحلّات المضيئة وأضواء الشوارع، ثمّ وصلوا إلى شارعهم.

وأخيرًا توقّفت السيّارة. حمل أبوها كرم النائم من كرسيّه. وفكّت أمّها حزام رانيا، وحملتها إلى الداخل وهي ما زالت ملفوفة ببطّانيّتها ذات النجوم.

كانت عينا رانيا ثقيلتين جدًّا الآن. ساعدتها أمّها على لبس ملابس النوم، وفرشت لها أسنانها، لأنّها كانت نعسانة جدًّا.

لكن قبل أن تدخل سريرها، مشت رانيا بهدوء إلى نافذتها وأزاحت الستارة.

وكان هناك. كبيرًا مستديرًا ساطعًا، يلمع فوق السطوح، وخزّانات الماء، وشجرة ليمون الجيران.

همست: «جاء معنا كلّ الطريق إلى البيت.»

قالت أمّها وهي تجلس على طرف السرير: «نعم. وسيبقى هناك الليل كلّه، يسهر على الجميع.»

دخلت رانيا تحت غطائها. وتركت أمّها الستارة مفتوحة قليلًا، فوقع شريط من ضوء القمر الفضّيّ على الأرض.

قالت رانيا: «تصبحين على خير يا ماما.»

قالت أمّها: «وأنتِ من أهله يا مستكشفتي الذكيّة.» وقبّلت جبينها.

نظرت رانيا إلى شريط ضوء القمر. وفكّرت في الأشجار التي تمرّ مسرعة، والتلال التي تتحرّك ببطء، والقمر البعيد جدًّا الذي يبدو كأنّه يأتي معنا. وفكّرت في كلّ الأطفال في كلّ مكان، ينظرون إلى القمر نفسه.

همست: «تصبح على خير يا قمر. تصبحون على خير يا كلّ الناس.»

ومع ضوء القمر نائمًا بهدوء على بطّانيّتها، غرقت رانيا في النوم.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

آيْلا وَالقِطَّةُ العَطْشى
آيْلا وَالقِطَّةُ العَطْشى

اليَوْمُ حارٌّ جِدًّا. الشَّمْسُ كَبيرَةٌ صَفْراء. تَمْشي آيْلا إلى البَيْتِ مَعَ جَدَّتِها. خُطْوَ...

عنبر، آخر ورقة على شجرة القيقب
عنبر، آخر ورقة على شجرة القيقب

فوق تلّة هادئة وقفت شجرة قيقب طويلة. وعلى أعلى غصن فيها عاشت ورقة اسمها عنبر. وُلدت عنبر في الربي...

فرح تحاول أن تصطاد الضباب في مرطبان
فرح تحاول أن تصطاد الضباب في مرطبان

حين استيقظت فرح في صباح من أيّام الخريف، كان شيء غريب قد حدث للعالم خارج نافذتها. الحديقة اختفت!...