العودة إلى الحكايات

حكاية

مجد يقرأ لجدّته بصوت عالٍ في عصر ممطر

مجد يقرأ لجدّته بصوت عالٍ في عصر ممطر
كان المطر ينقر على نوافذ شقّة جدّته نوال. تَك، تَك، تَك. والسماء في الخارج رماديّة، والشارع تحت لامع مبلول، مليء بالمظلّات التي تتمايل.

كان عمر مجد ستّ سنوات. وكان سيبقى عند جدّته العصر كلّه، لأنّ أباه وأمّه في العمل. في العادة كانا يذهبان معًا إلى الحديقة، أو إلى الدكّان الصغير عند الزاوية ليشربا عصيرًا طازجًا. لكنّ المطر اليوم كان غزيرًا جدًّا.

سأل مجد وهو يُسند جبينه إلى الزجاج البارد: «ماذا سنفعل؟»

كانت تيتا نوال جالسة في كرسيّها الأخضر الكبير، وعلى ركبتيها بطّانيّة. وعلى الطاولة بجانبها كوب من شاي الميرميّة، وكومة رسائل جاءت مع البريد في الصباح.

قالت: «عندي مشكلة صغيرة، وربّما تستطيع أن تساعدني.»

التفت مجد. «أيّ مشكلة؟»

أمسكت تيتا رسالة ومدّت ذراعها بها بعيدًا، وضيّقت عينيها. ثمّ قرّبتها من أنفها. ثمّ أبعدتها من جديد.

قالت: «عيناي متعبتان يا حبيبي. ولا أجد نظّارة القراءة في أيّ مكان. وخطّ هذه الرسائل صغير جدًّا، ولا أستطيع أن أقرأ كلمة واحدة.»

نظر مجد إلى الرسالة. كان الخطّ صغيرًا ملتفًّا. وكان قد بدأ يتعلّم القراءة في المدرسة منذ وقت قصير. يعرف الحروف، ويقرأ كلمات قصيرة مثل قطّ وشمس وأحمر. لكنّ الكلمات الطويلة ما زالت تخيفه قليلًا، كأنّها سلّم عالٍ جدًّا.

قال بهدوء: «أنا لا أقرأ جيّدًا بعد.»

قالت تيتا: «لا بأس. نمشي على مهل. لا عجلة في يوم ممطر.»

صعد مجد على ذراع الكرسيّ الأخضر وأخذ الرسالة. كانت على ورق أزرق، وفيها رائحة أزهار خفيفة.

أخذ نفسًا عميقًا. ووضع إصبعه تحت الكلمة الأولى، كما علّمته معلّمته.

قرأ: «عـ... عزيزتي.»

قالت تيتا: «جيّد جدًّا.»

قرأ: «عزيزتي... نـ... نوا... نوال.» ورفع رأسه. «هذه أنتِ!»

ضحكت تيتا: «صحيح. تابع.»

عبس مجد أمام السطر التالي. كانت الكلمات طويلة. وشعر بخدّيه يسخنان. «أرجو... أن... تكوني...» وتوقّف. كانت الكلمة التالية طويلة جدًّا.

قالت تيتا بلطف: «قطّعها قليلًا قليلًا. مثل أكل الكعكة، لقمة بعد لقمة.»

نظر مجد إلى الكلمة الطويلة. غطّى معظمها بإبهامه وقرأ: «بـ...» ثمّ حرّك إبهامه قليلًا: «أفـ...» ثمّ حرّكه مرّة أخرى: «ضل.» وجمع القطع معًا: «بـ أفـ ضل. بأفضل! أرجو أن تكوني بأفضل حال!»

قالت تيتا: «وأنت أيضًا بأفضل حال!» وربّتت على ركبته.

كانت رسالة من صديقة تيتا القديمة، الخالة رباب، التي تعيش قرب البحر. قرأها مجد ببطء، كلمة بعد كلمة. بعض الكلمات عرفها فورًا، وبعضها قطّعه. ومرّة أو مرّتين أخطأ في كلمة، فقالت تيتا: «همم، جرّب هذه مرّة أخرى»، فنظر بعناية أكبر وقرأها صحيحة.

كتبت الخالة رباب أنّ حديقتها مليئة بالورود. وكتبت أنّ قطّتها ولدت خمس قطط صغيرة، ثلاثًا رماديّة واثنتين بيضاوين. وكتبت أنّها تشتاق إلى تيتا، وترجو أن تزورها في الربيع.

قال مجد فرحًا: «خمس قطط صغيرة! هل نذهب لنراها؟»

قالت تيتا مبتسمة: «ربّما. تابع القراءة.»

وفي آخر الرسالة سطر أخير. قرأه مجد بعناية شديدة: «سلّمي لي على... مجد... الصغير.»

حدّق في الورقة وقال: «كتبت اسمي!»

قالت تيتا: «طبعًا. إنّها تعرفك منذ كنت رضيعًا.»

شعر مجد بالدفء يملؤه، كأنّه شرب كوبًا من الحليب الساخن.

سأل: «هل هناك رسالة أخرى؟»

كانت هناك رسالة قصيرة من الرجل الذي يصلح سخّان الماء، يقول فيها إنّه سيأتي يوم الثلاثاء. قرأها مجد كلّها وحده من غير أن يتوقّف ولا مرّة. ثمّ بطاقة بريديّة من ابنة خاله جنى، عليها صورة جبل. وعلى ظهرها كتبت بحروف كبيرة مستديرة: رأيت الثلج! كان باردًا ومنفوشًا!

فقرأها مجد بصوت بارد منفوش، فضحكت تيتا حتّى مسحت دموعها.

وحين انتهت الرسائل كلّها، كان المطر ما زال يهطل. مدّت تيتا يدها تحت بطّانيّتها وأخرجت كتابًا. كتابًا قديمًا غلافه أحمر باهت.

قالت: «كان هذا كتابي المفضّل حين كنت صغيرة. لكنّ عينيّ متعبتان اليوم. هل تقرأ لي صفحة واحدة فقط؟»

فتح مجد الكتاب. كان في الصفحة الأولى صورة قارب بشراع أبيض على بحر أزرق. وتحتها خمسة أسطر قصيرة.

قرأها ببطء، وإصبعه تحت كلّ كلمة: «أبحر القارب الصغير إلى البحر. كانت الريح لطيفة. وكانت الشمس عالية. وسبحت الأسماك بجانبه. وكان القارب سعيدًا.»

تنهّدت تيتا وأغمضت عينيها: «آه. هكذا أتذكّرها تمامًا.»

فقرأ مجد صفحة أخرى، وأخرى. وظلّ المطر ينقر، لكنّهما لم يعودا ينتبهان إليه. كانت الشقّة دافئة، والمصباح يصنع دائرة ذهبيّة حول الكرسيّ الأخضر.

وبعد الصفحة السادسة، تحرّكت تيتا تحت بطّانيّتها، فسقط شيء على الأرض بقرقعة صغيرة.

نظر مجد إلى الأرض وصاح: «تيتا! إنّها نظّارتك!»

نظرت تيتا أيضًا وقالت: «انظر إلى هذا! كانت تحت بطّانيّتي طوال الوقت.»

التقطتها ووضعتها على أنفها. ثمّ نظرت إلى مجد من فوقها، وعيناها تلمعان.

قالت: «والآن صارت نظّارتي معي. هل أقرأ أنا الباقي؟»

فكّر مجد قليلًا. ونظر إلى الكتاب الأحمر الباهت بين يديه.

قال: «لا. أريد أن أقرأه لكِ أنا. في كلّ يوم ممطر.»

وهكذا فعل. وحين جاء الربيع، وركبا الحافلة إلى البحر لزيارة الخالة رباب والقطط الخمس الصغيرة، كان مجد قد قرأ الكتاب كلّه لتيتا نوال، من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)
السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)

بعد رحلته الأولى، بقي السندباد في بيته في بغداد سنة كاملة. كان يحكي الحكايات، ويأكل التمر الحلو، ويس...

قصة نبي الله إسحاق عليه السلام والبشرى عند الخيمة
قصة نبي الله إسحاق عليه السلام والبشرى عند الخيمة

عُرف نبي الله إبراهيم عليه السلام بخصال طيبة كثيرة؛ كان يعبد الله وحده، وكان صبورًا حكيمًا، واشتهر ب...

البَطَّةُ الصَّغيرَةُ دودو تَجِدُ صَديقًا
البَطَّةُ الصَّغيرَةُ دودو تَجِدُ صَديقًا

دودو بَطَّةٌ صَفْراءُ صَغيرَة. تَعيشُ قُرْبَ بِرْكَةٍ زَرْقاءَ كَبيرَة. كُلَّ يَوْمٍ تَسْبَحُ دودو...