العودة إلى الحكايات

حكاية

لُجين وصباح المنطاد

لُجين وصباح المنطاد
كان الظلام ما زال يملأ السماء حين أيقظت الأمّ لُجين. والنجوم تلمع خارج النافذة، والبيت بارد هادئ.

همست أمّها: «استيقظي يا عصفورتي النعسانة. اليوم يوم المنطاد.»

انفتحت عينا لجين فورًا. يوم المنطاد! في عيد ميلادها السابع، أهدى جدّها وجدّتها العائلة كلّها هديّة خاصّة: رحلة في منطاد هواء ساخن فوق الوادي. وكانت لجين تنتظرها منذ أسابيع.

لبست كنزتها الدافئة وبنطالها وحذاءها الرياضيّ. وأكلت لقيمات من الخبز والجبن في السيّارة. ثمّ ساروا في الظلام إلى حقل واسع مستوٍ عند طرف الوادي.

وحين وصلوا، كانت السماء تتحوّل إلى رماديّ فاتح، ثمّ إلى ورديّ. وفي وسط الحقل شيء ضخم ممدود: كومة كبيرة مسطّحة من القماش، فيها خطوط حمراء وبرتقاليّة وصفراء وزرقاء، مفروشة على العشب مثل قوس قزح عملاق نائم.

قال أبوها: «هذا منطادنا.»

وكان فريق من الناس بستراتهم الدافئة مشغولين حوله. وجاءت إحداهم لتسلّم عليهم، امرأة لها ضفيرة طويلة ووجه بشوش.

قالت: «صباح الخير! أنا الكابتن ريم، وسأقود المنطاد اليوم. هل تحبّين أن تتفرّجي على المنطاد وهو يستيقظ؟»

هزّت لجين رأسها بقوّة حتّى كادت قبّعتها تقع.

أوّلًا، نفخت مروحة كبيرة هواءً باردًا في المنطاد. فبدأ ينتفخ ويتمايل ويكبر، ويرتفع عن العشب في تلال ناعمة متموّجة. بل استطاعت لجين أن تمشي في داخله لحظة، ممسكة يد أبيها. كأنّها واقفة في خيمة ملوّنة عملاقة.

ثمّ أشعلت الكابتن ريم الشعلة. فوووش! ارتفعت شعلة برتقاليّة طويلة إلى داخل المنطاد بصوت مثل زفرة كبيرة. قفزت لجين وغطّت أذنيها.

ملأ الهواء الساخن المنطاد. وببطء، ببطء، رفع نفسه عن الأرض ووقف عاليًا، مستديرًا ساطعًا أمام السماء الورديّة. وتحته سلّة كبيرة من الخيزران، مثل سلّة نزهة صُنعت للعمالقة.

نادت الكابتن ريم: «إلى السلّة جميعًا!»

رفع الأب لجين إلى داخل السلّة. ثمّ صعدت أمّها، ثمّ جدّها وجدّتها، ثمّ أبوها. وطقطقت السلّة تحت أقدامهم. وأمسكت لجين حافّتها بقوّة.

وفجأة شعرت برفرفة في بطنها. نظرت إلى الأرض. ونظرت إلى المنطاد الكبير فوقها. وفكّرت كم سيرتفعون.

همست: «ماما، أظنّ أنّي خائفة قليلًا.»

ضمّتها أمّها بذراعها وقالت: «لا بأس. الأشياء الجديدة قد تخيفنا. أمسكي يدي، وسننظر معًا.»

سحبت الكابتن ريم مقبضًا. فوووش! وهدرت الشعلة من جديد.

وارتفعت السلّة عن الأرض.

لم تهتزّ ولم ترتطم. طفت فقط، بلطف، مثل فقاعة صابون تطير من عصا الفقاعات. وانزلق العشب تحتهم. ولوّح الناس في الحقل، وصاروا يصغرون ويصغرون.

أمسكت لجين يد أمّها بقوّة، وأغمضت عينيها لحظة. ثمّ سمعت جدّها يضحك بهدوء.

قال: «يا لجين، افتحي عينيك. لن تحبّي أن يفوتك هذا.»

فتحت عينًا. ثمّ الأخرى.

كانوا يطفون عاليًا فوق الوادي. وتحتهم الدنيا كلّها مفروشة مثل كتاب مصوّر. حقول خضراء في مربّعات مرتّبة، ونهر فضّيّ يتعرّج. وبساتين زيتون أشجارها صغيرة في صفوف، وقرية بيوتها بيضاء وسطوحها حمراء. وطريق تزحف عليه شاحنة زرقاء صغيرة مثل خنفساء.

والشمس تطلع من خلف الجبال البعيدة، كبيرة ذهبيّة، تصبغ كلّ شيء بضوء دافئ.

تنهّدت لجين: «آه!»

كان المكان هناك هادئًا جدًّا. بين هدير الشعلة وهديرها، لا صوت أبدًا. لا سيّارات، ولا أصوات، ولا ريح. كانوا يتحرّكون مع الريح، فبدا كلّ شيء ساكنًا تمامًا.

أرخت لجين يد أمّها قليلًا، ونظرت من فوق حافّة السلّة.

رأت مزارعًا في حقل يلوّح لهم بقبّعته، فلوّحت له بيديها الاثنتين. ورأت سربًا من الطيور البيضاء يطير تحتهم. تحتهم! لم ترَ الطيور من فوق من قبل.

صاحت لجين لجدّتها: «انظري يا تيتا! كلب يركض وراء ظلّنا!»

وكان ظلّ المنطاد المستدير ينزلق فوق حقل، وكلب بنّيّ صغير يركض خلفه وينبح فرحًا.

فضحك الجميع.

تركت الكابتن ريم لجين تساعدها في سحب مقبض الشعلة. فوووش! هذه المرّة لم تغطِّ لجين أذنيها. ابتسمت والهواء الدافئ يندفع فوق رأسها، والمنطاد يرتفع قليلًا.

قالت الكابتن ريم: «أنتِ قائدة منطاد بالفطرة!»

طفوا ساعة كاملة فوق الوادي. مرّوا فوق النهر، والماء يلمع. ومرّوا فوق تلّة مغطّاة بالأزهار الصفراء. ومرّوا فوق مدرسة، فتخيّلت لجين الأطفال الذين سيصلون إليها بعد قليل، ولا يعرفون أنّ منطادًا طار فوق ملعبهم عند الشروق.

وأخيرًا، تركت الكابتن ريم الهواء يبرد، فنزل المنطاد شيئًا فشيئًا نحو مرج واسع. لمست السلّة العشب بخبطة ناعمة، ثمّ خبطة أخرى، ثمّ توقّفت.

ركض الفريق ليساعد. ونزلت لجين على العشب المبلول بالندى. كانت رجلاها تشعران بشيء غريب، كأنّهما ما زالتا تظنّان أنّهما تطيران.

جثا جدّها بجانبها وقال: «إذن، هل خفتِ؟»

فكّرت لجين وقالت: «في البداية. كان بطني يرفرف. لكنّي أمسكت يد ماما وفتحت عينيّ. وعندها رأيت الدنيا كلّها.»

ابتسم جدّها وقال: «هكذا هي أشياء جديدة كثيرة. الجزء المخيف قصير، والجزء الرائع طويل.»

وفي تلك الليلة، رسمت لجين صورة المنطاد. رسمت الخطوط الحمراء والبرتقاليّة والصفراء والزرقاء. ورسمت السلّة وفيها ستّة أشخاص صغار يلوّحون. ورسمت النهر والقرية والكلب البنّيّ الصغير يركض خلف الظلّ.

وفوق كلّ ذلك، رسمت شمسًا ذهبيّة كبيرة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

مِيا وَراشِدٌ وَزَعْتَرُ يَعُدّونَ الجِمالَ إِلى عَشَرَةٍ
مِيا وَراشِدٌ وَزَعْتَرُ يَعُدّونَ الجِمالَ إِلى عَشَرَةٍ

جَلَسَتْ مِيا وَراشِدٌ عَلى سِياجِ المَزْرَعَةِ. قالَ أَبو راشِدٍ: «عُدّا الجِمالَ، عِنْدَنا عَشَرَة...

صفحة تلوين: نزهة السندباد على الحوت المبتسم
صفحة تلوين: نزهة السندباد على الحوت المبتسم

صفحة تلوين من حكاية السندباد والجزيرة التي كانت حوتاً. اطبع الصفحة ولوّن السندباد وسلّة الطعام والحو...

حَمَدٌ وَحَمْدَةُ وَنُقْطَةُ في مَسْرَحِ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ
حَمَدٌ وَحَمْدَةُ وَنُقْطَةُ في مَسْرَحِ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ

حَمَدٌ وَحَمْدَةُ تَوْأَمانِ يُحِبّانِ المَسْرَحَ. في يَوْمِ الخَميسِ قالَتِ المُعَلِّمَةُ: «سَنَصْن...