العودة إلى الحكايات

حكاية

زيبا مُهرة الحمار الوحشيّ التي تمنّت البُقع

زيبا مُهرة الحمار الوحشيّ التي تمنّت البُقع
في سهل واسع مليء بالعشب، سماؤه كبيرة وشمسه دافئة، كانت تعيش مُهرة صغيرة من الحمير الوحشيّة اسمها زيبا. كانت لها رجلان طويلتان، وعُرف قصير خشن واقف مثل الفرشاة، وفرو مخطّط بالأسود والأبيض من أنفها حتّى طرف ذيلها.

كانت زيبا تعيش مع أمّها في قطيع كبير من الحمير الوحشيّة. وفي كلّ يوم كانوا يمشون معًا في السهل، يأكلون العشب الأخضر الحلو، ويشربون من النهر. وفي الليل يقفون متقاربين تحت النجوم.

كانت زيبا مهرة سعيدة. لكن في صباح ما، عند بركة الماء، رأت شيئًا جعلها تقف وتحدّق.

كانت زرافة تشرب من الماء. لها رجلان طويلتان أنيقتان، ورقبة طويلة طويلة، وفروها مغطّى ببقع بنّيّة جميلة، مثل خريطة جزر صغيرة.

وبجانبها، كان فهد صغير يلعب على صخرة. فروه ذهبيّ، وفيه مئات البقع السوداء الصغيرة المستديرة.

نظرت زيبا إلى بقع الزرافة، ونظرت إلى نقاط الفهد. ثمّ نظرت إلى رجليها، بخطوطهما السوداء والبيضاء العاديّة.

تنهّدت وقالت: «الخطوط عاديّة جدًّا. ليتني كانت لي بقع.»

رفعت أمّها رأسها، وكانت تشرب قريبًا منها، وقالت: «بقع؟ لكنّ خطوطك جميلة يا زيبا.»

قالت زيبا: «كلّ من في القطيع له خطوط. البقع شيء مميّز.»

داعبتها أمّها بأنفها بلطف، لكنّ زيبا لم تشعر بتحسّن.

وبعد الظهر، خطرت لزيبا فكرة. عند طرف بركة الماء، كانت بقعة من الطين الغامق الكثيف. دخلتها زيبا وتمرّغت فيها. ثمّ وقفت ونفضت نفسها.

طَش، طَش، طَش! التصقت كتل طين كبيرة مستديرة بفروها، فوق خطوطها كلّها.

نظرت زيبا إلى صورتها في الماء. صارت لها بقع! بقع طين بنّيّة، على جنبيها ورجليها.

صاحت: «انظروا إليّ!» وركضت بفخر عائدة إلى القطيع.

نظرت إليها الحمير الوحشيّة بدهشة. ومال صديقها تانو برأسه، وهو حمار وحشيّ صغير في أذنه شقّ صغير، وقال: «زيبا؟ هل هذه أنتِ؟»

قالت زيبا بفخامة: «أنا زيبا المبقّعة.»

لكن مع مرور العصر، اشتدّت حرارة الشمس، وبدأ الطين يجفّ. صار قاسيًا ومثيرًا للحكّة ويتشقّق. وكلّما تحرّكت زيبا، تساقطت قطع صغيرة منه على العشب. ودخل بعضها في عينيها، فصارت ترمش وترمش.

ثمّ جاء الذباب. كان الذباب يحبّ بقع الطين. فطنّ حولها في سحابة، يحطّ على ظهرها ويدغدغ أذنيها. فحرّكت زيبا ذيلها وضربت الأرض بقدميها.

قالت: «اذهب بعيدًا! هيّا!»

ثمّ حدث شيء غريب. حين بدأ القطيع يسير نحو مرعى المساء، مشت الحمير الوحشيّة متقاربة كعادتها. وانسابت خطوطها معًا مثل تموّجات الماء.

لكنّ زيبا، ببقعها الطينيّة، لم تكن تناسب هذا الشكل. صارت تصطدم بالحمير التي بجانبها. وداس حمار صغير على حافرها من غير قصد. وقال لها آخر: «عفوًا، من أنتِ؟»

شعرت زيبا بغصّة في حلقها. فأسرعت إلى الأمام، ووجدت أمّها في مقدّمة القطيع.

قالت بصوت خافت: «ماما، الحمير الوحشيّة لا تعرفني ببقعي.»

نظرت إليها أمّها نظرة طويلة لطيفة وقالت: «تعالي معي.»

وقادت زيبا إلى النهر، حيث الماء صافٍ بارد. دخلت زيبا الماء وطرطشت. فغسل الماء البارد الطين الجافّ، طرطشة بعد طرطشة، حتّى عادت خطوطها السوداء والبيضاء تلمع في شمس المساء.

شعرت زيبا فورًا بتحسّن كبير. توقّفت الحكّة، وطار الذباب بعيدًا.

وقفت أمّها بجانبها في الماء الضحل وقالت وهي تشير برأسها إلى صورتيهما: «انظري.»

نظرت زيبا. وهناك، جنبًا إلى جنب في النهر، حماران وحشيّان، كبير وصغير، وكلاهما مغطّى بالخطوط.

قالت أمّها: «والآن انظري عن قرب.»

انحنت زيبا. فرأت شيئًا لم تلاحظه من قبل. كانت خطوط أمّها عريضة ملتفّة فوق كتفيها. أمّا خطوط زيبا فرفيعة متموّجة على ظهرها، وعلى جنبها الأيسر خطّ متعرّج صغير مضحك، وعلى أنفها خطّ يلتفّ إلى أعلى مثل ابتسامة.

قالت زيبا متعجّبة: «خطوطنا مختلفة!»

قالت أمّها: «خطوط كلّ حمار وحشيّ مختلفة. لا يوجد في الدنيا كلّها حماران وحشيّان لهما الشكل نفسه تمامًا. وهكذا أعرف دائمًا أيّ مهرة هي ابنتي، حتّى في قطيع كبير. أبحث عن الخطّ المتعرّج الصغير، وعن الخطّ الملتفّ على أنفك.»

حدّقت زيبا في الخطّ المتعرّج. ودارت لتراه من كلّ جهة. كان حقًّا خطًّا متعرّجًا صغيرًا مضحكًا وجميلًا. وكان لها هي.

همست: «إذن خطوطي مميّزة.»

قالت أمّها: «إنّها مثل اسمك، مكتوب على فروك.»

وحين عادتا إلى القطيع، جاء تانو يركض: «زيبا! رجعتِ! كنت أعرف أنّها أنتِ. لا أحد غيرك على أنفه خطّ ملتفّ.»

ضحكت زيبا وقالت: «ولا أحد غيرك في أذنه شقّ صغير، وعلى رجله خطّ يشبه البرق.» فقد لاحظت رجل تانو لأوّل مرّة.

نظر تانو إلى رجله، متفاجئًا ومسرورًا.

وفي ذلك المساء، رعى القطيع معًا في الضوء الذهبيّ. ومشت زيبا في الوسط، والخطوط عن يسارها وعن يمينها، تنساب معًا مثل الأمواج. لكنّها حين نظرت حولها الآن، لم ترَ قطيعًا من خطوط عاديّة.

رأت التفافات ومتعرّجات، خطوطًا عريضة وخطوطًا رفيعة، وخطوطًا متموّجة وأخرى مثل البرق. كلّ حمار وحشيّ مختلف. وكلّ واحد منهم مميّز.

وعند بركة الماء، كان الفهد الصغير يتفرّج عليهم من فوق صخرته.

قال: «ليتني كانت لي خطوط.»

وسمعته زيبا، فابتسمت ابتسامة صغيرة ولم تقل شيئًا. كانت تعرف أنّه سيكتشف يومًا، كما اكتشفت هي، أنّ نقاطه مناسبة له تمامًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ
مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ

وَجَدَ مَنْصورٌ في غُرْفَةِ جَدِّهِ عُلْبَةً خَشَبِيَّةً قَديمَةً، لَها غِطاءانِ: أَبْيَضُ وَأَسْوَد...

أوكي الأخطبوط الصغيرة تصير ورديّة كلّما خجلت
أوكي الأخطبوط الصغيرة تصير ورديّة كلّما خجلت

في أعماق البحر الأزرق اللامع، كانت هناك شعاب مرجانيّة مليئة بالألوان. فيها أسماك برتقاليّة، ومراوح ب...