العودة إلى الحكايات

حكاية

ميساء تلحق بقبّعتها الصفراء في أشدّ الأيّام ريحًا

ميساء تلحق بقبّعتها الصفراء في أشدّ الأيّام ريحًا
كانت الريح تهبّ منذ الفطور. تهزّ مصاريع النوافذ. وتجعل الغسيل على الحبل يرفرف مثل الأعلام. وتحني أشجار النخيل في الشارع، فتبدو كأنّها تنحني لبعضها بأدب.

قالت أمّ ميساء وهي تنظر من النافذة: «اليوم يوم عاصف جدًّا. البسي قبّعتك، وإلّا بردت أذناك.»

كانت قبّعة ميساء أحبّ شيء إليها. كانت صفراء زاهية، من الصوف الناعم المحبوك، وفي أعلاها كرة صوف صفراء منفوشة. صنعتها لها جدّتها. لبستها ميساء، وربطت لها أمّها وشاحها، وخرجتا معًا إلى الحديقة العامّة.

وفي الخارج، كانت الريح أقوى. تدفع ظهر ميساء مثل يد كبيرة لطيفة. وتنفخ معطفها. وتجعل الأوراق وقطع الورق ترقص على الرصيف.

صاحت ميساء: «ويييي!» وفتحت ذراعيها. فدفعتها الريح بسرعة حتّى شعرت تقريبًا أنّها تطير.

وعند بوّابة الحديقة، جاءت أقوى هبّة على الإطلاق.

ووووووش!

دارت حول ميساء، وشدّت وشاحها. وقبل أن تمسكها، رفعت القبّعة الصفراء عن رأسها.

صاحت ميساء: «قبّعتي!»

طارت القبّعة الصفراء في الهواء، ودارت وانقلبت، وكرتها الصوفيّة تتأرجح. ثمّ نزلت على الممرّ وبدأت تتدحرج، مثل كرة صفراء صغيرة.

فركضت ميساء خلفها.

تدحرجت القبّعة بجانب الأراجيح، فركضت ميساء بجانب الأراجيح. وتدحرجت بجانب الزحليقة الكبيرة، فركضت ميساء بجانب الزحليقة الكبيرة. وفي كلّ مرّة تقترب وتنحني لتمسكها، تهبّ الريح من جديد، فتبتعد القبّعة.

نادت: «ارجعي يا قبّعة!»

تدحرجت القبّعة نحو بركة البطّ. فبطبطت عائلة من البطّ البنّيّ متفاجئة حين قفزت القبّعة بجانبها. وقفز قلب ميساء. إذا وقعت القبّعة في الماء، فستتبلّل كلّها!

لكن قبل حافّة البركة بقليل، اصطدمت القبّعة بمقعد وتوقّفت.

ركضت ميساء أسرع. كادت تصل. ومدّت يدها.

ثمّ امتدّت يد أخرى أيضًا.

كان ولد جالسًا على المقعد. شعره أسود مجعّد، ومعطفه أزرق، وقد أمسك القبّعة في اللحظة المناسبة. ورفعها.

سأل: «هل هذه لكِ؟»

كانت ميساء تلهث، فلم تستطع إلّا أن تهزّ رأسها. خدّاها ورديّان، وشعرها منفوش في كلّ اتّجاه.

مدّ الولد القبّعة وقال: «كادت تذهب لتسبح.» وابتسم ابتسامة خجولة.

قالت ميساء وهي تلهث: «شكرًا. شكرًا جزيلًا. جدّتي صنعتها لي.»

ولبست القبّعة من جديد، بإحكام هذه المرّة، فوق أذنيها.

ثمّ لاحظت أنّ الولد جالس وحده. وبجانبه على المقعد قارب شراعيّ خشبيّ صغير. له شراع أبيض من القماش، وجسم أزرق، وخيط طويل مربوط في مقدّمته ليُسحب به إلى الشاطئ. لكنّ الخيط كان متشابكًا في عقدة كبيرة فوضويّة.

سألت ميساء: «هل هذا قاربك؟»

هزّ الولد رأسه وقال: «اسمي فارس. انتقلنا إلى هنا الأسبوع الماضي. أردت أن أُبحر بقاربي لأنّ الريح قويّة. لكنّ الخيط تعقّد كلّه، ولا أستطيع أن أفكّه وحدي.»

كانت أمّ ميساء قد لحقت بها، ووقفت قريبًا تتفرّج وتبتسم.

جلست ميساء على المقعد بجانب فارس وقالت: «دعني أساعدك. جدّتي تحبك الصوف. وهي تقول إنّ سرّ العقدة هو اللطف. إذا شددت بقوّة، صارت أسوأ.»

فاشتغلا على العقدة معًا. أمسك فارس طرفًا. ووجدت ميساء حلقة رخوة، وسحبتها من خلال العقدة بحذر. ثمّ حلقة أخرى. ثمّ أخرى. والريح تهبّ حولهما، والبطّ يجدّف في البركة، وببطء، ببطء، انفكّت العقدة.

صاح فارس: «نجحنا!»

ركضا إلى الحافّة الحجريّة الصغيرة للبركة. ووضع فارس القارب على الماء بلطف، وأمسكت ميساء طرف الخيط.

نادى فارس: «مستعدّة؟»

نادت ميساء: «مستعدّة!»

ترك فارس القارب. فملأت الريح الشراع الأبيض بصوت ناعم، وانطلق القارب الصغير عبر البركة، يقفز فوق التموّجات. وابتعد البطّ عن طريقه وهو يبطبط، كأنّه يهتف.

صاحت ميساء: «إنّه يُبحر!»

تناوبا على إمساك الخيط. وحين وصل القارب إلى وسط البركة، سحباه إليهما، يدًا بعد يد، ثمّ أطلقاه من جديد. وأحيانًا كانت هبّة ريح تُميله على جنبه، فيشهقان معًا، لكنّه في كلّ مرّة كان يعود ويقف. وأحيانًا تهدأ الريح، فيبقى القارب ساكنًا على الماء، كأنّه يأخذ استراحة صغيرة.

جاءت أمّ ميساء لهما بكيس من الكستناء المشويّة الدافئة من العربة عند البوّابة. فجلسا على العشب يأكلان، وينفخان على أصابعهما، ويتفرّجان على القارب يتأرجح فوق التموّجات.

وفي تلك اللحظة، هبّت الريح هبّة كبيرة أخرى. فأمسكت ميساء قبّعتها بيد، وخيط القارب باليد الأخرى، وأمسك فارس ذراعها. وثبت الثلاثة معًا: ميساء، وفارس، والقارب الصغير.

قال فارس ضاحكًا: «هذه الريح شقيّة جدًّا اليوم!»

قالت ميساء: «نعم. لكن لو لم تطيّر قبّعتي، لما تعرّفت إليك أبدًا.»

فكّر فارس في ذلك. ثمّ ابتسم وقال: «إذن، شكرًا أيّتها الريح!»

وحين حان وقت العودة، لفّ فارس خيط القارب بعناية كي لا يتعقّد من جديد. وجاء أبوه ليأخذه، وتحدّثت أمّ ميساء معه قليلًا. فعرفوا أنّ عائلة فارس تسكن على بعد شارعين فقط.

سأل فارس: «هل نُبحر بالقارب مرّة أخرى في اليوم العاصف القادم؟»

قالت ميساء: «نعم! وسألبس قبّعتي. لكنّي هذه المرّة سأربطها جيّدًا.»

وفي تلك الليلة، كانت الريح ما زالت تصفر حول البيت. استلقت ميساء في سريرها تسمعها. ولم تعد تزعجها أبدًا. بل تمنّت أن تهبّ من جديد قريبًا جدًّا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

صفحة تلوين: نزهة السندباد على الحوت المبتسم
صفحة تلوين: نزهة السندباد على الحوت المبتسم

صفحة تلوين من حكاية السندباد والجزيرة التي كانت حوتاً. اطبع الصفحة ولوّن السندباد وسلّة الطعام والحو...

بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي
بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي

هذه قصة عن فتى اسمه بنيامين. لم يكن بنيامين نبيًّا، بل كان الأخ الأصغر لنبي الله يوسف عليه السلام، و...

الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)
الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، على سفح تلّ مشمس مغطّى بالأزهار البرّية، عاش غراب. كان للغراب ريش أسود لامع يبرق...