حكاية
جُمانة والثقب الصغير في سور الحديقة
في آخر حديقة جُمانة، خلف شجرة الليمون، كان هناك سور حجريّ قديم. كان أطول من بابا. ينمو الطحلب الأخضر في شقوقه، وتطلّ أزهار ورديّة صغيرة من بين حجارته. وفي أسفله، على ارتفاع ركبتي جُمانة تمامًا، كان هناك ثقب.
كان ثقبًا صغيرًا مستديرًا، بحجم برتقالة تقريبًا. وكانت جُمانة تظنّه بابًا للحلزونات.
وعلى الجهة الأخرى من السور، كانت حديقة البيت المجاور. لم يسكنه أحد منذ وقت طويل. كانت نوافذه مظلمة، وعشبه طويلًا متشابكًا.
لكن في صباح يوم سبت، سمعت جُمانة شاحنة كبيرة تهدر في الشارع. وسمعت أصواتًا وخطوات، وصناديق تُوضع: بُم، بُم، بُم. وبعد الظهر، وهي تسقي نبتات النعناع، سمعت شيئًا آخر، على الجهة الأخرى من السور تمامًا.
كان صبيّ يغنّي. لم تفهم كلمة واحدة من أغنيته. كانت أغنية تقفز وتلمع.
جثت جُمانة ونظرت من الثقب.
رأت حذاءين رياضيّين أحمرين. ثمّ انحنى الحذاءان، وظهر وجه، ونظرت إليها عين زرقاء لامعة!
قالت جُمانة: «أوه!» ووقعت إلى الوراء على العشب.
ومن الجهة الأخرى جاء صوت متفاجئ: «أوه!» وسرعان ما صارا يضحكان معًا، كلّ واحد في جهة من السور.
قالت جُمانة في الثقب: «مرحبًا. اسمي جُمانة. ما اسمك؟»
ردّ الصبيّ بجملة طويلة سريعة، فيها أصوات لا تعرفها جُمانة. عبست، ثمّ جرّبت ببطء:
«جُ-ما-نة» قالت، وهي تربّت على صدرها.
سكت قليلًا. ثمّ ظهرت يد صغيرة عند الثقب، تربّت على صدر صغير لا تراه تمامًا. وقال الصوت: «لوكاس.»
قالت جُمانة: «لوكاس! مرحبًا يا لوكاس!»
قال لوكاس بحذر: «مَر-حَبًا، جُ-ما-نة.»
كانت هذه كلّ الكلمات التي يعرفانها. أرادت جُمانة أن تسأله أشياء كثيرة. من أين جاء؟ هل يحبّ الليمون؟ هل عنده قطّة؟ لكنّها لم تعرف كيف تقولها ليفهمها.
على العشاء، أخبرت عائلتها.
قالت: «سكن صبيّ في البيت المجاور. اسمه لوكاس. لكنّه يتكلّم لغة أخرى، ولا أستطيع أن أتحدّث معه.»
ناولتها ماما الخبز وقالت: «اللغة ليست كلمات فقط. حين كنتِ رضيعة، لم تكوني تعرفين كلمة واحدة. لكنّك كنتِ تخبريننا حين تجوعين، أو تفرحين، أو تنعسين.»
فكّرت جُمانة في ذلك طوال الليل.
في الصباح، أخذت ورقة وعلبة ألوانها. رسمت شجرة ليمون، وشمسًا صفراء، وبنتًا بضفيرتين تبتسم. ثمّ طوت الورقة صغيرة، ومشت إلى آخر الحديقة، ودفعتها من الثقب.
انتظرت. سمعت الورقة تخشخش، وسمعت صوتًا فرحًا: «آه!»
وبعد دقائق، رجعت ورقة مطويّة من الثقب.
فتحتها جُمانة. كان لوكاس قد رسم بيتًا عاليًا بسقف مدبّب، فوقه ثلج كثير. وبجانب البيت صبيّ بحذاء أحمر، وكلب كبير منفوش الفرو يُخرج لسانه.
صاحت جُمانة وهي تركض إلى الداخل: «عنده كلب! وكان يعيش في مكان فيه ثلج!»
ومنذ ذلك اليوم، صار الثقب في السور مكتب بريدهما.
كلّ صباح، تدفع جُمانة رسمة من الثقب. وكلّ مساء، ترجع رسمة. رسمت أخاها الرضيع يأكل الحساء. ورسم جدّته تحيك وشاحًا. رسمت جملًا، ورسم غزال الرنّة.
وتعلّما الكلمات بهذه الطريقة. رسم لوكاس تفّاحة، وكتب كلمته تحتها. وكتبت جُمانة كلمتها تحت كلمته. وتبادلا الورقة حتّى صار كلّ منهما يقول الكلمتين. تفّاحة. كلب. صديق.
وفي يوم، جاءت من الثقب رسمة جعلت جُمانة تتوقّف. رسم لوكاس نفسه وحيدًا، جالسًا على صندوق، وعلى خدّه دمعة زرقاء صغيرة. وحوله صناديق فارغة كثيرة. وفي الزاوية، رسم البيت الثلجيّ صغيرًا جدًّا وبعيدًا.
نظرت جُمانة إلى الرسمة طويلًا. تذكّرت شعورها في أوّل يوم في المدرسة، حين كان كلّ شيء جديدًا ولا تعرف أحدًا. كان بطنها مشدودًا مثل عقدة.
لم تكن عندها رسمة لهذا. فركضت إلى المطبخ.
قالت: «ماما، هل نخبز شيئًا؟»
في ذلك المساء، صنعت جُمانة وماما كعكات صغيرة مستديرة محشوّة بالتمر. فاح المطبخ برائحة حلوة دافئة. ونقشت جُمانة كلّ كعكة بالشوكة. وحين بردت، لفّت ستّ كعكات في منديل.
لكنّ المنديل كان أكبر من الثقب. حاولت وحاولت، فلم يدخل.
وقفت تحمل الكعكات. ثمّ أخذت نفسًا عميقًا، وخرجت من البوّابة الأماميّة، ومشت إلى البيت المجاور، وطرقت الباب: طق، طق، طق.
انفتح الباب. وقفت امرأة طويلة بعينين لطيفتين، ومن خلف ساقيها أطلّ صبيّ بحذاء أحمر وشعر أشقر جدًّا. ودسّ كلب أبيض منفوش أنفه بينهما وهو يهزّ ذيله.
قالت جُمانة: «لوكاس»، ومدّت له المنديل.
حدّق لوكاس فيها. ثمّ أشرق وجهه كلّه بابتسامة. كانت أوّل مرّة ترى وجهه كاملًا، لا عينًا زرقاء واحدة من ثقب.
قال: «جُ-ما-نة!»
أخذ كعكة وقضم منها. اتّسعت عيناه وقال: «مممم!» ثمّ قال كلمة طويلة فرحة لم تعرفها، لكنّها فهمتها تمامًا.
ابتسمت أمّه وقالت شيئًا بهدوء، ثمّ فتحت الباب واسعًا.
في ذلك المساء، لعبت جُمانة ولوكاس في حديقته، والكلب المنفوش يركض حولهما في دوائر. وجدا حلزونًا على السور وراقباه وهو يتسلّق. وحين تعبا، جلسا جنبًا إلى جنب على العشب، وظهراهما إلى السور الحجريّ القديم.
أشارت جُمانة إلى الثقب الصغير وقالت: «مكتب بريد.»
جرّب لوكاس الكلمة: «مك-تب... بَريد.» ثمّ ابتسم، وأخرج قلم تلوين من جيبه، ورسم بابًا صغيرًا حول الثقب، على الحجر نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، بقي الثقب في السور مكتب بريدهما السرّيّ. لكنّهما في أكثر الأيّام لم يعودا يحتاجان إليه. صارا يمشيان من البوّابة الأماميّة.
كان ثقبًا صغيرًا مستديرًا، بحجم برتقالة تقريبًا. وكانت جُمانة تظنّه بابًا للحلزونات.
وعلى الجهة الأخرى من السور، كانت حديقة البيت المجاور. لم يسكنه أحد منذ وقت طويل. كانت نوافذه مظلمة، وعشبه طويلًا متشابكًا.
لكن في صباح يوم سبت، سمعت جُمانة شاحنة كبيرة تهدر في الشارع. وسمعت أصواتًا وخطوات، وصناديق تُوضع: بُم، بُم، بُم. وبعد الظهر، وهي تسقي نبتات النعناع، سمعت شيئًا آخر، على الجهة الأخرى من السور تمامًا.
كان صبيّ يغنّي. لم تفهم كلمة واحدة من أغنيته. كانت أغنية تقفز وتلمع.
جثت جُمانة ونظرت من الثقب.
رأت حذاءين رياضيّين أحمرين. ثمّ انحنى الحذاءان، وظهر وجه، ونظرت إليها عين زرقاء لامعة!
قالت جُمانة: «أوه!» ووقعت إلى الوراء على العشب.
ومن الجهة الأخرى جاء صوت متفاجئ: «أوه!» وسرعان ما صارا يضحكان معًا، كلّ واحد في جهة من السور.
قالت جُمانة في الثقب: «مرحبًا. اسمي جُمانة. ما اسمك؟»
ردّ الصبيّ بجملة طويلة سريعة، فيها أصوات لا تعرفها جُمانة. عبست، ثمّ جرّبت ببطء:
«جُ-ما-نة» قالت، وهي تربّت على صدرها.
سكت قليلًا. ثمّ ظهرت يد صغيرة عند الثقب، تربّت على صدر صغير لا تراه تمامًا. وقال الصوت: «لوكاس.»
قالت جُمانة: «لوكاس! مرحبًا يا لوكاس!»
قال لوكاس بحذر: «مَر-حَبًا، جُ-ما-نة.»
كانت هذه كلّ الكلمات التي يعرفانها. أرادت جُمانة أن تسأله أشياء كثيرة. من أين جاء؟ هل يحبّ الليمون؟ هل عنده قطّة؟ لكنّها لم تعرف كيف تقولها ليفهمها.
على العشاء، أخبرت عائلتها.
قالت: «سكن صبيّ في البيت المجاور. اسمه لوكاس. لكنّه يتكلّم لغة أخرى، ولا أستطيع أن أتحدّث معه.»
ناولتها ماما الخبز وقالت: «اللغة ليست كلمات فقط. حين كنتِ رضيعة، لم تكوني تعرفين كلمة واحدة. لكنّك كنتِ تخبريننا حين تجوعين، أو تفرحين، أو تنعسين.»
فكّرت جُمانة في ذلك طوال الليل.
في الصباح، أخذت ورقة وعلبة ألوانها. رسمت شجرة ليمون، وشمسًا صفراء، وبنتًا بضفيرتين تبتسم. ثمّ طوت الورقة صغيرة، ومشت إلى آخر الحديقة، ودفعتها من الثقب.
انتظرت. سمعت الورقة تخشخش، وسمعت صوتًا فرحًا: «آه!»
وبعد دقائق، رجعت ورقة مطويّة من الثقب.
فتحتها جُمانة. كان لوكاس قد رسم بيتًا عاليًا بسقف مدبّب، فوقه ثلج كثير. وبجانب البيت صبيّ بحذاء أحمر، وكلب كبير منفوش الفرو يُخرج لسانه.
صاحت جُمانة وهي تركض إلى الداخل: «عنده كلب! وكان يعيش في مكان فيه ثلج!»
ومنذ ذلك اليوم، صار الثقب في السور مكتب بريدهما.
كلّ صباح، تدفع جُمانة رسمة من الثقب. وكلّ مساء، ترجع رسمة. رسمت أخاها الرضيع يأكل الحساء. ورسم جدّته تحيك وشاحًا. رسمت جملًا، ورسم غزال الرنّة.
وتعلّما الكلمات بهذه الطريقة. رسم لوكاس تفّاحة، وكتب كلمته تحتها. وكتبت جُمانة كلمتها تحت كلمته. وتبادلا الورقة حتّى صار كلّ منهما يقول الكلمتين. تفّاحة. كلب. صديق.
وفي يوم، جاءت من الثقب رسمة جعلت جُمانة تتوقّف. رسم لوكاس نفسه وحيدًا، جالسًا على صندوق، وعلى خدّه دمعة زرقاء صغيرة. وحوله صناديق فارغة كثيرة. وفي الزاوية، رسم البيت الثلجيّ صغيرًا جدًّا وبعيدًا.
نظرت جُمانة إلى الرسمة طويلًا. تذكّرت شعورها في أوّل يوم في المدرسة، حين كان كلّ شيء جديدًا ولا تعرف أحدًا. كان بطنها مشدودًا مثل عقدة.
لم تكن عندها رسمة لهذا. فركضت إلى المطبخ.
قالت: «ماما، هل نخبز شيئًا؟»
في ذلك المساء، صنعت جُمانة وماما كعكات صغيرة مستديرة محشوّة بالتمر. فاح المطبخ برائحة حلوة دافئة. ونقشت جُمانة كلّ كعكة بالشوكة. وحين بردت، لفّت ستّ كعكات في منديل.
لكنّ المنديل كان أكبر من الثقب. حاولت وحاولت، فلم يدخل.
وقفت تحمل الكعكات. ثمّ أخذت نفسًا عميقًا، وخرجت من البوّابة الأماميّة، ومشت إلى البيت المجاور، وطرقت الباب: طق، طق، طق.
انفتح الباب. وقفت امرأة طويلة بعينين لطيفتين، ومن خلف ساقيها أطلّ صبيّ بحذاء أحمر وشعر أشقر جدًّا. ودسّ كلب أبيض منفوش أنفه بينهما وهو يهزّ ذيله.
قالت جُمانة: «لوكاس»، ومدّت له المنديل.
حدّق لوكاس فيها. ثمّ أشرق وجهه كلّه بابتسامة. كانت أوّل مرّة ترى وجهه كاملًا، لا عينًا زرقاء واحدة من ثقب.
قال: «جُ-ما-نة!»
أخذ كعكة وقضم منها. اتّسعت عيناه وقال: «مممم!» ثمّ قال كلمة طويلة فرحة لم تعرفها، لكنّها فهمتها تمامًا.
ابتسمت أمّه وقالت شيئًا بهدوء، ثمّ فتحت الباب واسعًا.
في ذلك المساء، لعبت جُمانة ولوكاس في حديقته، والكلب المنفوش يركض حولهما في دوائر. وجدا حلزونًا على السور وراقباه وهو يتسلّق. وحين تعبا، جلسا جنبًا إلى جنب على العشب، وظهراهما إلى السور الحجريّ القديم.
أشارت جُمانة إلى الثقب الصغير وقالت: «مكتب بريد.»
جرّب لوكاس الكلمة: «مك-تب... بَريد.» ثمّ ابتسم، وأخرج قلم تلوين من جيبه، ورسم بابًا صغيرًا حول الثقب، على الحجر نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، بقي الثقب في السور مكتب بريدهما السرّيّ. لكنّهما في أكثر الأيّام لم يعودا يحتاجان إليه. صارا يمشيان من البوّابة الأماميّة.


