العودة إلى الحكايات

حكاية

ندى تملأ مرطبانًا زجاجيًّا بأسعد ذكريات جدّتها

ندى تملأ مرطبانًا زجاجيًّا بأسعد ذكريات جدّتها
بعد أسبوع واحد، ستبلغ الجدّة زهرة سبعين عامًا.

كان كلّ من في العائلة يستعدّ. الخالة سهام تخطّط لغداء كبير فيه ورق عنب محشيّ وأرزّ بالمكسّرات. والخال خالد سيُحضر عوده القديم ويعزف الأغاني التي تحبّها الجدّة. وماما تخبز كعكة من ثلاث طبقات بكريمة ماء الزهر.

أمّا ندى، وعمرها ستّ سنوات وثلاثة أرباع، فأرادت أن تعطي جدّتها أجمل هديّة على الإطلاق.

المشكلة أنّها لم تعرف ماذا تكون.

يوم الأحد، حاولت أن تحيك لجدّتها وشاحًا، كما علّمتها الجدّة مرّة. لكنّ الصوف تشابك في عقدة كبيرة، وخرج الوشاح بطول إصبعها فقط.

يوم الإثنين، حاولت أن تصنع لها قلادة من المعكرونة الجافّة. لكنّ الخيط كان قصيرًا، والمعكرونة تنزلق منه، وأكل أخوها الصغير قطعتين.

يوم الثلاثاء، جلست على أرض المطبخ وذقنها بين يديها.

تنهّدت: «جدّتي عندها كلّ شيء. عندها أوشحة وقلائد وأزهار وفناجين. ماذا أعطيها ممّا ليس عندها؟»

كانت ماما تغسل قدرًا كبيرًا. فكّرت لحظة وقالت: «حين تزورنا جدّتك، ما أكثر شيء تحبّ أن تفعله؟»

لم تحتج ندى إلى التفكير: «تحبّ أن تحكي القصص. عن أيّام كنتِ صغيرة. وعن أيّام كانت هي صغيرة. وعن البيت القديم وشجرة الياسمين.»

قالت ماما: «صحيح. جدّتك تحبّ ذكرياتها. إنّها مثل كنوز عندها.»

جلست ندى مستقيمة. كانت فكرة تتفتّح في رأسها.

قالت: «ماما، هل تعطينني مرطبانًا فارغًا؟»

وجدت ماما مرطبانًا زجاجيًّا كبيرًا كان مليئًا بالزيتون. غسلتاه بالماء الساخن والصابون حتّى لمع. وربطت ندى شريطًا أحمر حول عنقه. ثمّ قصّت أوراقًا كثيرة إلى شرائط طويلة رفيعة، بعضها أصفر، وبعضها ورديّ، وبعضها أزرق.

سألت ماما: «لماذا هذه؟»

قالت ندى: «للذكريات. سأجمع ذكريات سعيدة عن جدّتي من كلّ العائلة. وأضعها كلّها في المرطبان.»

ابتسمت ماما ابتسامة واسعة حتّى تجعّدت عيناها، وقالت: «سأساعدك في كتابتها.»

جاءت أوّل ذكرى من ماما نفسها. جلست إلى الطاولة مع كوب شاي بالنعناع، وأغمضت عينيها.

قالت: «حين كنت في عمرك، كنت أخاف من الظلام. وكلّ ليلة، كانت جدّتك تجلس بجانب سريري وتغنّي أغنية القمر حتّى أنام. ولم تتعب من غنائها مرّة واحدة.»

كتبتها ندى على شريط أصفر، ببطء وعناية، وساعدتها ماما في الكلمات الطويلة. ثمّ لفّت ندى الشريط مثل لفافة صغيرة، وأسقطته في المرطبان.

يوم الأربعاء، اتّصلت ندى بالخال خالد.

ضحك الخال خالد ضحكته الكبيرة: «ذكرى سعيدة عن جدّتك؟ حين كنت في العاشرة، وقعت عن درّاجتي وتمزّق بنطالي. خفت أن تغضب. لكنّها جلست على الرصيف بجانبي وقالت: هيّا نصلحكما معًا. ولصقت ضمادة على ركبتي، وخاطت على بنطالي رقعة على شكل نجمة.»

كتبتها ندى على شريط ورديّ.

يوم الخميس، جاءت الخالة سهام. وحكت عن يوم علّمتها الجدّة صنع الخبز، فاستعملتا طحينًا كثيرًا حتّى صار المطبخ كلّه أبيض، حتّى القطّة! وضحكت ندى وهي تكتب حتّى خرجت حروفها متمايلة.

وتذكّر الجدّ فؤاد يوم التقى بالجدّة، في دكّان صغير في السوق، وهي تشتري تفّاحًا أحمر. قال بهدوء: «أعطتني أكثر تفّاحة لمعانًا. وأعطيتها قلبي.»

حتّى أخو ندى الصغير أراد أن يساعد. لم يكن يتكلّم كثيرًا بعد، لكنّه رسم دائرة كبيرة فيها نقطتان وابتسامة.

شرحت ندى: «هذه جدّتي.» ولفّتها ووضعتها في المرطبان أيضًا.

ويوم الجمعة، كان المرطبان قد امتلأ تقريبًا. فيه ذكريات من أبناء العمّ والجيران والأصدقاء القدامى. وفيه ذكرى من الخبّاز عند الزاوية، قال إنّ الجدّة تسأل دائمًا عن أولاده.

ثمّ كتبت ندى شريطًا أخيرًا، وحدها تمامًا. وأغلقت المرطبان، وربطت الشريط الأحمر عقدة كبيرة، وخبّأته تحت سريرها.

يوم السبت، امتلأ البيت بالناس والموسيقى ورائحة الطعام الطيّب. عزف الخال خالد على العود. وجلست الجدّة زهرة في الكرسيّ الكبير بفستانها البنفسجيّ الفاتح، تبتسم للجميع.

بعد الكعكة، جاء وقت الهدايا. فتحت الجدّة شالًا ناعمًا، وعلبة شوكولاتة، وأصيصًا فيه أزهار بيضاء.

ثمّ جاء دور ندى. كانت يداها ترتجفان وهي تحمل المرطبان عبر الغرفة.

قالت: «عيد ميلاد سعيد يا جدّتي. هذا مرطبان ذكريات. ذكرياتك أنتِ، من كلّ الذين يحبّونك.»

رفعت الجدّة زهرة المرطبان إلى الضوء. فلمعت كلّ اللفائف الصغيرة صفراء وورديّة وزرقاء. فتحت الغطاء، وأخرجت أوّل لفافة، وفتحتها وقرأتها.

كانت ذكرى أغنية القمر. لمعت عينا الجدّة. ونظرت إلى ماما في الجهة الأخرى من الغرفة، فابتسمت لها ماما.

قرأت الجدّة واحدة أخرى، وأخرى. ضحكت بصوت عالٍ من قصّة الطحين. وضمّت ذكرى رقعة النجمة إلى قلبها. وحين قرأت ذكرى التفّاحة من الجدّ فؤاد، مدّت يدها وأمسكت يده، ولم يقل أحد شيئًا لحظة.

ثمّ وجدت الشريط الأخير. كان بخطّ ندى المتمايل. وقرأته بصوت عالٍ ليسمعه الجميع:

«أسعد ذكرياتي هي كلّ مرّة تحضنينني وتقولين: أنتِ شمسي.»

هدأت الغرفة تمامًا. وضعت الجدّة زهرة المرطبان بلطف، وفتحت ذراعيها. فصعدت ندى إلى حضنها.

همست الجدّة في شعرها: «أنتِ شمسي. أتعرفين؟ عشت سبعين عامًا، وهذه أجمل هديّة أُعطيتها في حياتي.»

سألت ندى: «أجمل من الوشاح؟»

ضحكت الجدّة: «أجمل بكثير.»

في تلك الليلة، أخذت الجدّة المرطبان إلى بيتها، ووضعته على الرفّ بجانب سريرها. وأحيانًا، في الأمسيات الهادئة، كانت تُخرج ذكرى وتقرؤها من جديد. ثمّ تأخذ شريطًا جديدًا من الورق، وتكتب عليه ذكرى جديدة، حتّى لا يتوقّف المرطبان عن الامتلاء.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)
الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في أرض أشجار الزيتون والتلال الذهبية، عاش سرب من الحمام. كان الحمام رماديًّا ناعم...

الحمامة والثعلب ومالك الحزين (من كليلة ودمنة)
الحمامة والثعلب ومالك الحزين (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، قرب نهر عريض بطيء، نمت نخلة عالية. كان جذعها خشنًا بنّيًّا. وفي أعلاها تمامًا، تن...

صفحة تلوين: تامبل البطريق يسبح تحت البحر
صفحة تلوين: تامبل البطريق يسبح تحت البحر

صفحة تلوين من قصّة تامبل البطريق الصغير يطير تحت البحر. اطبع الصفحة ولوّن تامبل وهو ينطلق في الماء م...