العودة إلى الحكايات

حكاية

إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل

إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل
في وسط البحيرة القريبة من كوخ الخال فيصل، كانت هناك جزيرة صغيرة. كانت مستديرة وخضراء، فيها ثلاث أشجار صنوبر طويلة، وشريط من الرمل الفاتح. وكان الخال فيصل يسمّيها جزيرة البطّ، لأنّ البطّ البرّيّ يبني أعشاشه هناك كلّ ربيع.

كلّ صيف، كان إياد ينظر إلى جزيرة البطّ من الرصيف الخشبيّ. وكلّ صيف، كان يسأل السؤال نفسه:

«هل نذهب إلى الجزيرة؟»

وكلّ صيف، كان الخال فيصل يجيب الجواب نفسه: «حين تكبر بما يكفي لتساعد في التجديف.»

هذا الصيف، صار إياد في السابعة. كبر كثيرًا حتّى لم يعد صندله القديم يناسبه. وفي أوّل صباح، ركض إلى الرصيف بسترة النجاة البرتقاليّة، مربوطة جيّدًا.

«خالي فيصل! لقد كبرت بما يكفي!»

نظر إليه الخال فيصل من فوق فنجان قهوته. ثمّ نظر إلى القارب الخشبيّ الصغير المربوط بالرصيف. كان أزرق اللون، فيه خطّ أبيض، واسمه «العصفور».

قال مبتسمًا: «أظنّ أنّك كبرت فعلًا.»

ملآ سلّة بشطائر الجبن، والخيار، وزجاجة ماء، وكيس من الشوفان للبطّ. صعد الخال فيصل إلى القارب أوّلًا وأمسكه ثابتًا. ثمّ صعد إياد بعده. تمايل القارب، فأمسك إياد بحافّته.

قال الخال: «اجلس في الوسط. وابقَ منخفضًا. هكذا. صار هادئًا الآن.»

فكّ الخال الحبل، ودفع الرصيف بمجداف واحد، فانساب «العصفور» على الماء.

كانت البحيرة ناعمة لامعة، مثل صحن أزرق كبير. والهواء تفوح منه رائحة أوراق الصنوبر والشمس. وأسماك فضّيّة صغيرة تهرب تحت القارب.

سأل إياد: «هل أجدّف الآن؟ وحدي؟»

أعطاه الخال المجدافين. كانا طويلين وثقيلين، ومقبضاهما الخشبيّان ناعمين من تجديف صيفيّات كثيرة.

أمسكهما إياد بقوّة. ودفعهما في الماء، وسحب بكلّ قوّته. طرطش! اهتزّ القارب. سحب من جديد. طرطش! طرطش! وتطاير الماء على قبّعة الخال فيصل.

لكنّ القارب لم يتّجه إلى الجزيرة. دار إلى اليسار. فسحب إياد أقوى بذراعه اليمنى، فدار القارب إلى اليمين. ثمّ دار إلى اليسار من جديد. وسرعان ما صار «العصفور» يدور ويدور في دائرة بطيئة، في وسط البحيرة تمامًا.

صاح إياد: «لا ينجح الأمر!» كانت ذراعاه مثل المعكرونة، وخدّاه ساخنين. «القارب لا يريد أن يذهب إلى الجزيرة!»

ضحك الخال فيصل ضحكة لطيفة وقال: «القارب يريد أن يذهب. لكنّ المجدافين يجب أن يعملا معًا، مثل قدمين تمشيان. إذا خطت قدم خطوة كبيرة والأخرى خطوة صغيرة، تدور في دائرة.»

انتقل وجلس بجانب إياد على المقعد تمامًا. أخذ مجدافًا، وأعطى إياد الآخر.

قال: «الآن سنجدّف معًا. وسنستعمل أغنية التجديف. مستعدّ؟ اغمس.»

غمسا المجدافين في الماء في اللحظة نفسها.

«اسحب.»

سحبا معًا إلى الخلف، فانزلق القارب إلى الأمام.

«ارفع.»

رفعا المجدافين من الماء، فتساقطت منهما قطرات مثل خرز لامع.

«اغمس. اسحب. ارفع. اغمس. اسحب. ارفع.»

قالها إياد أيضًا: «اغمس. اسحب. ارفع.» في البداية كان سريعًا جدًّا، ثمّ صار بطيئًا جدًّا. لكنّ الخال فيصل لم يستعجل أبدًا، ولم يغضب. ظلّ يقول الكلمات بصوته العميق الهادئ، حتّى صارت ذراعا إياد تتحرّكان مع ذراعيه.

اغمس. اسحب. ارفع. اغمس. اسحب. ارفع.

توقّف «العصفور» عن الدوران. وصار ينساب مستقيمًا عبر البحيرة، ناعمًا مثل بجعة. نظر إياد خلف كتفه. كانت أشجار الصنوبر الثلاث تكبر.

صاح: «نحن ننجح!»

قال الخال فيصل: «نحن ننجح.»

وبصوت خشخشة ناعمة، انزلقت مقدّمة القارب على شاطئ جزيرة البطّ الرمليّ. قفز الخال في الماء الضحل وسحب القارب. ونزل إياد بعده. كان الرمل دافئًا تحت قدميه.

لقد وصلا!

كانت جزيرة البطّ أجمل من قريب. فيها حجارة بيضاء ملساء، وأكواز صنوبر بحجم يد إياد، وأزهار بنفسجيّة في العشب. وهناك، قرب الماء، كانت بطّة أمّ بريش بنّيّ منقّط، وخلفها في صفّ متمايل ستّ بطّات صغيرة صفراء منفوشة.

همس الخال: «شششش. اجلس ساكنًا جدًّا.»

جلسا على جذع شجرة. حبس إياد أنفاسه. نظرت إليهما البطّة الأمّ بعين لامعة، ثمّ بطبطت بهدوء وتابعت مشيها، وتبعتها الصغار: صوصو، صوصو، صوصو، إلى الماء.

لكنّ آخر بطّة كانت أصغر من الباقيات. حين وصلت إلى حافّة البحيرة، توقّفت. كان الماء يتحرّك بأمواج صغيرة، ولم تُرِد أن تنزل. وظلّت تصوصو وتصوصو.

استدارت البطّة الأمّ، وسبحت عائدة إلى الحافّة. لم تدفع الصغيرة، ولم تبطبط بصوت عالٍ. بل انتظرت هادئة صبورة، وأصدرت صوتًا ناعمًا صغيرًا: باك. باك. باك.

خطت البطّة الصغيرة خطوة، ثمّ أخرى. ثمّ بصوت «بلوب» صغير، صارت تطفو! جدّفت بقدميها البرتقاليّتين الصغيرتين، وسرعان ما صارت تسبح بجانب أمّها.

أخرج إياد نفسه وهمس: «لقد انتظرتها. مثلما انتظرتني أنت.»

ابتسم الخال فيصل ووضع ذراعه حول كتفي إياد.

أكلا شطائر الجبن على الجذع، والشمس تدفئ ظهريهما. ونثرا الشوفان على الرمل، فعادت عائلة البطّ لتلتقطه. وجمع إياد ثلاثة حجارة بيضاء وكوز صنوبر كبيرًا ليأخذها إلى البيت.

حين بدأت الشمس تنزل، حان وقت العودة. صعد إياد إلى «العصفور» وجلس في وسط المقعد.

سأل: «هل أجرّب من جديد؟ مع أغنية التجديف؟»

قال الخال فيصل: «طبعًا.»

جدّفا معًا، جنبًا إلى جنب. اغمس. اسحب. ارفع. اغمس. اسحب. ارفع. وانساب القارب على الماء الذهبيّ نحو الكوخ، حيث كانت الخالة نسرين تلوّح من الرصيف.

وخلفهما، على جزيرة البطّ، كانت ستّ بطّات صغيرة مدسوسة تحت جناحي أمّها.

ولم تعد ذراعا إياد مثل المعكرونة أبدًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

السمكات الثلاث في بركة الزنبق (من كليلة ودمنة)
السمكات الثلاث في بركة الزنبق (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في وادٍ أخضر هادئ، كانت هناك بركة صغيرة. كان ماؤها صافيًا باردًا. تطفو فوقه أزهار...

علاء الدين والمصباح العجيب (من ألف ليلة وليلة)
علاء الدين والمصباح العجيب (من ألف ليلة وليلة)

في قديم الزمان، في مدينة مزدحمة مليئة بالأسواق والموسيقى، عاش صبي اسمه علاء الدين. كان يعيش مع أمه ف...

يقطينة الزغبة الصغيرة لا تجد سريرًا دافئًا
يقطينة الزغبة الصغيرة لا تجد سريرًا دافئًا

في أعماق السياج، في أسفل مرج هادئ، كانت تعيش زغبة صغيرة اسمها يقطينة. كانت مستديرة، لونها برتقاليّ ذ...