العودة إلى الحكايات

حكاية

ليث يصنع مُطعِمًا للطيور ويتعلّم أن ينتظر بهدوء

ليث يصنع مُطعِمًا للطيور ويتعلّم أن ينتظر بهدوء
كان عند ليث دفتر جديد. غلافه أخضر، وصفحاته بيضاء فارغة. وفي الصفحة الأولى كتب بأجمل خطّ عنده: كتاب طيوري.

المشكلة أنّه لم يكن فيه أيّ طائر بعد.

قال ليث لأخته الكبيرة رهف: «أريد أن أرسم كلّ طائر يأتي إلى حديقتنا. لكنّ الطيور لا تبقى وقتًا كافيًا. تطير فوق السور وتذهب بعيدًا.»

كانت رهف في الحادية عشرة. رفعت عينيها عن كتابها وقالت: «ربّما يجب أن تعطيها سببًا لتبقى.»

«أيّ سبب؟»

قالت رهف مبتسمة: «الفطور.»

بعد الظهر، صنع ليث ورهف مُطعِمًا للطيور. غسلا علبة عصير كرتونيّة فارغة، وتركاها تجفّ في الشمس. وساعدته رهف في قصّ نافذتين مربّعتين في جانبيها بمقصّ المطبخ. ودفع ليث ملعقة خشبيّة من أسفلها، لتقف عليها الطيور. ثمّ دهن العلبة كلّها بالأحمر اللامع، ورسم أزهارًا صفراء حول النافذتين.

قال بفخر: «تبدو مثل بيت صغير.»

ملآها بالبذور من الكيس الكبير في المخزن. فيها بذور عبّاد الشمس، والدُّخن، وبذور صغيرة مستديرة تخشخش مثل المطر. ثمّ ربط بابا خيطًا في أعلاها، وعلّق المُطعِم على غصن من شجرة الزيتون، أمام نافذة المطبخ تمامًا.

قالت رهف: «والآن، ننتظر.»

جلس ليث إلى طاولة المطبخ ومعه دفتره الأخضر وأقلامه. ونظر إلى المُطعِم الأحمر وهو يتأرجح في النسيم.

لم يأتِ أيّ طائر.

بعد دقيقة واحدة، ركض ليث إلى الخارج لينظر إلى المُطعِم من قريب. نقر عليه، فخشخشت البذور. ثمّ ركض إلى الداخل.

بعد دقيقتين، ركض إلى الخارج من جديد. ونادى: «تعالي يا عصافير! تعالي كلي! حان وقت الفطور!» ولوّح بذراعيه فوق رأسه.

لم يأتِ أيّ طائر.

بعد خمس دقائق، خرج وهزّ الغصن، لتنتبه الطيور إلى المُطعِم. فسقطت بعض البذور على العشب. ثمّ وجد غطاء قدر قديمًا وطرق عليه مثل الطبل: بَم، بَم، بَم. «الفطور!»

وكان عصفور دوريّ جالسًا على سور الحديقة، فزقزق زقزقة خائفة وطار بعيدًا.

رجع ليث إلى الداخل وكتفاه متدلّيتان. قال: «الطيور لا تحبّ مُطعِمي. صنعته جميلًا، ولا تريده.»

وضعت رهف كتابها وقالت: «تعال. أريد أن أريك شيئًا.»

قادته إلى النافذة الكبيرة في غرفة الجلوس، ذات الستارة البيضاء الطويلة. وسحبت الستارة حتّى كادت تُغلق، وبقيت فتحة ضيّقة فقط. ثمّ جلست على الأرض خلفها، وربّتت على الوسادة بجانبها.

همست: «اجلس. ولا تُصدر أيّ صوت.»

جلس ليث. ومن الفتحة، رأى شجرة الزيتون والمُطعِم الأحمر يتأرجح من غصنها.

همست رهف: «الطيور صغيرة. وكلّ شيء في الدنيا كبير جدًّا بالنسبة لها. حين نركض ونصرخ ونطرق، يكون الأمر كأنّ عملاقًا يدبّ حولها. فتخاف. لكن إذا بقينا ساكنين هادئين، تنسى أنّنا هنا.»

همس ليث: «وإلى متى نبقى هادئين؟»

قالت رهف: «إلى أن يحين الوقت.»

فجلسا. حاول ليث كثيرًا أن يبقى ساكنًا. حكّه أنفه، ففركه ببطء. ونامت قدمه، فحرّك أصابعه داخل الجورب. وكانت ساعة المطبخ تدقّ. وحرّك النسيم أوراق الزيتون، فرقصت بقع الشمس على العشب.

وبدأ ليث يلاحظ أشياء لم يلاحظها من قبل. صفّ من النمل الصغير يمشي على سور الحديقة. وفراشة بيضاء ترتاح على الياسمين.

ثمّ، بهدوء شديد، سُمعت رفرفة.

حطّ عصفور دوريّ بنّيّ صغير على سور الحديقة. قفز مرّة. وأمال رأسه ونظر إلى المُطعِم الأحمر. وقفز مرّة أخرى.

حبس ليث أنفاسه.

طار العصفور إلى شجرة الزيتون، وحطّ على الغصن فوق المُطعِم تمامًا. ثمّ رفرف ونزل على الملعقة الخشبيّة، وأدخل رأسه من النافذة المربّعة الصغيرة، وخرج وفي منقاره بذرة!

ضغط ليث يد رهف بقوّة حتّى صاحت صيحة صغيرة هادئة جدًّا.

أكل العصفور بذرة، ثمّ أخرى، ثمّ أخرى. ثمّ جاء عصفور ثانٍ، ثمّ ثالث. وزقزقت لبعضها بأصوات صغيرة: زيك، زيك، زيك. وتعلّق أحدها مقلوبًا تحت العلبة، يرفرف بجناحيه ليحفظ توازنه.

ببطء شديد، فتح ليث دفتره الأخضر. وببطء شديد، أمسك قلمه البنّيّ. وبينما العصافير تأكل، رسمها. رسم رؤوسها المستديرة، ومناقيرها القصيرة، والبقعة السوداء الصغيرة على حلق أحدها.

ثمّ جاء طائر مختلف. كان أكبر من العصافير، رأسه أسود، وعليه عُرف مدبّب، وتحت ذيله بقعة صفراء لامعة.

همست رهف بصوت لا يكاد يُسمع: «بُلبُل.»

جلس البلبل على غصن الزيتون وغنّى. كانت أغنية فرحة تبقبق، مثل ماء يُصبّ من إبريق. ورسمه ليث وعُرفه مرفوع بفخر، ولوّن البقعة الصفراء بأزهى قلم عنده.

بقيا خلف الستارة طوال المساء. وحين صارت الشمس ذهبيّة، كان ليث قد رسم ثلاثة عصافير، وبلبلًا واحدًا، وزوجًا من اليمام الرماديّ الناعم، يمشيان على العشب تحت المُطعِم، يلتقطان البذور الساقطة ويهدلان لبعضهما.

حين نادتهما ماما للعشاء، مشى ليث مبتعدًا عن النافذة على أطراف أصابعه. لم يركض، ولم يصرخ. بل ضمّ دفتره إلى صدره وابتسم.

على مائدة العشاء، فتحه وأرى الجميع.

قال: «هذه العصافير. هذا يتعلّق مقلوبًا. وهذا البلبل، هو الذي يغنّي في الصباح. وهاتان اليمامتان. أظنّهما متزوّجتين، لأنّهما تبقيان معًا دائمًا.»

ضحك بابا: «رسومات رائعة يا ليث. كيف جعلت الطيور تبقى كلّ هذا الوقت؟»

نظر ليث إلى رهف، فغمزته رهف.

قال ليث: «أعطيتها الفطور. ثمّ أعطيتها الهدوء.»

ومنذ ذلك اليوم، صار ليث كلّ مساء بعد المدرسة يجلس خلف الستارة البيضاء الطويلة، ودفتره الأخضر على ركبتيه. وصار يملأ المُطعِم كلّ يوم سبت. وصفحة بعد صفحة، بهدوء شديد، بدأ «كتاب طيوري» يمتلئ بالطيور.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

أوكي الأخطبوط الصغيرة تصير ورديّة كلّما خجلت
أوكي الأخطبوط الصغيرة تصير ورديّة كلّما خجلت

في أعماق البحر الأزرق اللامع، كانت هناك شعاب مرجانيّة مليئة بالألوان. فيها أسماك برتقاليّة، ومراوح ب...

صفحة تلوين: سَنَد الحُوار الصغير عند الواحة
صفحة تلوين: سَنَد الحُوار الصغير عند الواحة

صفحة تلوين من حكاية سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة. اطبع الصفحة ولوّن سَنَد وأمه وال...