العودة إلى الحكايات

حكاية

سيرين ويوم السبت الذي تبادل فيه الجميع أعمالهم

سيرين ويوم السبت الذي تبادل فيه الجميع أعمالهم
في بيت سيرين، كان لكلّ واحد عمل.

ماما تتسوّق وتغسل الملابس. وبابا يطبخ ويغسل الصحون. وأخوها الكبير تميم يُخرج القمامة ويسقي نباتات الشرفة. أمّا سيرين، وعمرها ستّ سنوات، فترتّب المائدة للعشاء، وتُطعم «فقّاعة»، السمكة الذهبيّة البرتقاليّة.

في مساء يوم جمعة، وضعت سيرين آخر شوكة بجانب آخر صحن، وتنهّدت تنهيدة طويلة جدًّا.

قالت: «عملي أملّ عمل في البيت كلّه.»

رفع بابا عينيه عن قدر الحساء الذي يحرّكه: «حقًّا؟»

قالت سيرين: «نعم. صحون، شوك، ملاعق، أكواب. صحون، شوك، ملاعق، أكواب. كلّ ليلة. وفقّاعة يأكل طعامه ويسبح فقط. ماما تذهب إلى السوق وتختار الأشياء. وبابا يطبخ ويتذوّق كلّ شيء. وتميم يستعمل إبريق السقي الكبير. الجميع عندهم عمل أحسن من عملي.»

نظرت ماما وبابا إلى بعضهما. ولمع شيء في عيني بابا.

قال ببطء: «ما رأيكم لو تبادلنا غدًا؟»

رمشت سيرين: «نتبادل؟»

قالت ماما: «نتبادل الأعمال. ليوم واحد فقط. كلّ واحد يقوم بعمل غيره. سيرين، أنتِ تقومين بعملي. وأنا أقوم بعمل بابا. وبابا يقوم بعمل تميم. وتميم يرتّب المائدة ويُطعم فقّاعة.»

قال تميم: «هيه!» ثمّ هزّ كتفيه: «حسنًا. هذا سهل.»

قفزت سيرين على أطراف أصابعها: «نعم! نعم، لنتبادل!»

صباح السبت، استيقظت سيرين باكرًا ولبست أجمل حذاء رياضيّ عندها. ستتسوّق وتغسل الملابس! لم تكد تستطيع الانتظار.

قالت ماما: «أوّلًا، نكتب قائمة.»

جلستا إلى طاولة المطبخ. فتحت ماما الثلّاجة والخزائن، وكتبت سيرين كلّ ما يحتاجونه. حليب. بيض. طماطم. أرزّ. خبز. تفّاح. صابون. عدس. وطالت القائمة وطالت، حتّى بدأت يد سيرين تؤلمها من الكتابة.

سألت: «كيف تتذكّرين كلّ شيء؟»

قالت ماما: «أنظر كلّ أسبوع. وأفكّر فيما يحبّه كلّ واحد منكم.»

ثمّ مشتا إلى السوق مع كيسين كبيرين من القماش. كان السوق مزدحمًا صاخبًا، تفوح منه رائحة الخبز الطازج والبرتقال. أمسكت سيرين القائمة وبحثت عن كلّ شيء فيها. كان عليها أن تختار طماطم حمراء لكن غير طريّة. وأن تجد نوع الأرزّ الصحيح. وأن تعدّ النقود عند بائع الخبز، فأخطأت مرّتين.

في طريق العودة، كان الكيسان ثقيلين. ضغطت المقابض على أصابع سيرين. وحين وصلتا إلى الباب، كانت ذراعاها متعبتين وخدّاها ورديّين.

قالت وهي ترتمي على الأريكة: «أوف! التسوّق صعب.»

قالت ماما مبتسمة: «والآن الغسيل.»

كان في السلّة جبل من الملابس. ساعدت سيرين في وضعها في الغسّالة. ثمّ ساعدت في نشر الملابس المبلّلة كلّها على الحبل في الشرفة، جوربًا جوربًا. كانت هناك جوارب كثيرة جدًّا، وبعضها ليس له زوج!

وفي هذه الأثناء، كان بابا يقوم بعمل تميم. حمل أكياس القمامة ونزل بها ثلاثة طوابق. ثمّ ملأ إبريق السقي الكبير مرّة بعد مرّة، لأنّ نباتات الشرفة كثيرة جدًّا، فاحتاج إلى ستّ رحلات. ورجع إلى الداخل وهو يمسح جبينه.

قال: «لم أكن أعرف أنّ عندنا كلّ هذه النباتات.»

وكانت ماما في المطبخ تقوم بعمل بابا. قطّعت البصل حتّى دمعت عيناها. وحرّكت الأرزّ حتّى لا يلتصق. وتذوّقت الصلصة وأضافت الملح، ثمّ تذوّقتها من جديد. ثمّ جاءت الصحون. مغسلة كاملة مليئة بالقدور والمقالي والأوعية، كلّها تحتاج إلى فرك.

قالت ماما وهي تفرك ظهرها: «أظنّ أنّ بابا يتعب كثيرًا في هذا المطبخ.»

ثمّ جاء المساء. صار الأرزّ جاهزًا، وفاحت في البيت رائحة رائعة. وجاء الجميع إلى المائدة.

لكنّ المائدة كانت فارغة!

لا صحون. لا شوك. لا ملاعق. لا أكواب.

قالت ماما: «تميم! نسيت أن ترتّب المائدة!»

جاء تميم راكضًا من غرفته: «يا إلهي! نسيت! كنت أكتب واجباتي، ولم أفكّر فيها أبدًا.»

أمسك الصحون ووضعها مائلة. ونسي الملاعق. ووضع كوب بابا المفضّل أمام سيرين. ثمّ جاء من غرفة الجلوس صوت صغير: بلوب. بلوب.

التفت الجميع. كان فقّاعة يسبح في دوائر عند سطح الماء، يفتح فمه ويغلقه.

صاح تميم: «فقّاعة! نسيت أن أطعم فقّاعة أيضًا!»

ورشّ قليلًا من طعام السمك في الحوض. فالتهمه فقّاعة وهو يهزّ ذيله البرتقاليّ فرحًا.

جلس تميم إلى المائدة المائلة وضحك: «سيرين، عملك ليس مملًّا أبدًا. إنّه العمل الذي تتذكّرينه كلّ يوم. وإذا نسيتِه، لا يستطيع أحد أن يأكل، وتجوع السمكة.»

نظرت سيرين حول المائدة. كانت ماما متعبة من الطبخ. وكتفا بابا متألّمتين من حمل الماء. وتميم خجلان. وأصابع سيرين نفسها ما تزال عليها علامات حمراء من أكياس التسوّق الثقيلة.

قالت سيرين ببطء: «أظنّ أنّ كلّ الأعمال صعبة. حتّى التي تبدو سهلة.»

قال بابا: «وأنا أظنّ ذلك أيضًا.»

وقالت ماما: «وأنا أظنّ أنّ عائلتنا مثل لعبة التركيب. كلّ قطعة مهمّة. وإذا غابت قطعة واحدة، لا تكتمل الصورة.»

في تلك الليلة، قبل العشاء، قامت سيرين. أخذت الصحون المائلة وعدّلتها. ووضعت شوكة على يسار كلّ صحن، وملعقة على يمينه. وأعادت لبابا كوبه المفضّل. ثمّ فعلت شيئًا جديدًا.

ذهبت إلى الدرج وأخرجت رزمة من المناديل الورقيّة. ورسمت على كلّ واحد صورة صغيرة بألوانها. كيس تسوّق لماما. وقدر حساء لبابا. وإبريق سقي لتميم. وسمكة ذهبيّة لها هي.

ثمّ كتبت تحت كلّ صورة: شكرًا.

حين جلس الجميع ورأوا مناديلهم، سكتت المائدة لحظة. ثمّ ضمّتها ماما. وقبّل بابا رأسها. ومدّ تميم يده وبعثر شعرها.

سأل بابا: «الأعمال نفسها غدًا؟»

وقال الجميع معًا: «الأعمال نفسها غدًا.»

ومنذ ذلك اليوم، صارت سيرين كلّ مساء ترتّب المائدة بعناية، وتطعم فقّاعة وهي تبتسم. لأنّها عرفت الآن أنّ عملها، مثل عمل كلّ واحد، يمسك العائلة كلّها معًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي
بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي

هذه قصة عن فتى اسمه بنيامين. لم يكن بنيامين نبيًّا، بل كان الأخ الأصغر لنبي الله يوسف عليه السلام، و...

قصة نبي الله إدريس عليه السلام الصدّيق الصابر
قصة نبي الله إدريس عليه السلام الصدّيق الصابر

في مساء هادئ جلس الجدّ سليم على سطح البيت مع حفيدته مريم. كان الهواء لطيفًا، والسماء تتحول إلى زرقة...

قصة نبي الله نوح عليه السلام والسفينة
قصة نبي الله نوح عليه السلام والسفينة

منذ زمن بعيد، بعد آدم عليه السلام بسنوات كثيرة، بدأ الناس ينسون الله. صنعوا تماثيل من حجر وخشب، وسمّ...