العودة إلى الحكايات

حكاية

قصة نبي الله إدريس عليه السلام الصدّيق الصابر

قصة نبي الله إدريس عليه السلام الصدّيق الصابر
في مساء هادئ جلس الجدّ سليم على سطح البيت مع حفيدته مريم. كان الهواء لطيفًا، والسماء تتحول إلى زرقة عميقة، والنجوم الأولى تظهر واحدة بعد واحدة.

كانت مريم تمسك قلمًا ودفترًا صغيرًا، وتحاول أن تكتب اسمها، لكن الحروف كانت تخرج معوجّة.

تنهدت وقالت: «سأتوقف، الكتابة صعبة جدًّا».

ابتسم الجد وقال: «هل أحكي لك عن نبيّ كان صبورًا جدًّا، ويُذكر بعلمه؟ اسمه إدريس عليه السلام».

وضعت مريم قلمها وقالت: «نعم، أرجوك!»

فبدأ الجد يحكي، وهذه هي القصة التي حكاها.

منذ زمن بعيد، بعد زمن آدم عليه السلام، عاش رجل اسمه إدريس. عاش بعد آدم بأجيال كثيرة، وقبل نوح عليه السلام بزمن طويل.

اختار الله إدريس نبيًّا. والقرآن يخبرنا عنه بالقليل، لكنه قليل جميل. يقول الله تعالى إن إدريس كان صدّيقًا نبيًّا، وإنه رفعه مكانًا عليًّا (سورة مريم، الآيتان 56-57). ويذكره الله أيضًا مع الصابرين (سورة الأنبياء، الآية 85).

فنحن نعرف عن إدريس ثلاثة أشياء: كان صادقًا، وكان صابرًا، وأعطاه الله مكانة عالية كريمة.

في تلك الأيام كان كثير من الناس قد نسوا تعاليم آدم. بعضهم صار غافلًا، وبعضهم يكذب ليحصل على ما يريد، وبعضهم يسيء إلى جيرانه.

فدعاهم إدريس إلى الطريق المستقيم. علّمهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يصلّوا، وأن يعدلوا، وأن يساعدوا الفقراء، وأن يقولوا الصدق ولو كان صعبًا.

لم يكن إدريس يصرخ أو يغضب. كان يعلّمهم مرة بعد مرة بصوت هادئ وقلب رحيم. بعضهم استمع، وبعضهم أعرض. لكن إدريس لم يستسلم. وهذا هو الصبر: أن تستمر في فعل الصواب ولو كان بطيئًا، وأن تتوكل على الله.

وكتب كثير من علماء السلف أن إدريس كان يحب العلم، وقالوا إنه من أوائل من كتبوا بالقلم. وقبل ذلك كان الناس يحفظون الأشياء في رؤوسهم فقط، لكن الذاكرة قد تضعف، والكلمات قد تُنسى.

تخيّلي كيف يكون تعلّم الكتابة أول مرة! قد تكون الخطوط الأولى معوجّة، والحروف الأولى غير مرتبة. لكن بالتدريب والصبر تصبح العلامات واضحة جميلة شيئًا فشيئًا.

وبالكتابة صار من الممكن حفظ التعاليم الطيبة. فالدرس الحكيم يُكتب ويُقرأ غدًا، أو بعد سنة، أو يقرؤه أطفال لم يولدوا بعد.

وذكر بعض العلماء أيضًا أن إدريس كان يعمل بيديه ويخيط الثياب، وكان يذكر الله وهو يعمل. كان يتقن كل غرزة بأمانة، فلا يستعجل فيصنع ثيابًا رديئة، ولا يغشّ أحدًا. فصار عمله عبادة، لأنه أتقنه لوجه الله.

وتعلّم الذين اتبعوا إدريس منه الأمانة في البيع والشراء، والوفاء بالوعد، والنظر إلى سماء الليل والتفكر في الله الذي خلق كل نجم وحفظه في مكانه.

وظل إدريس يعلّم سنوات طويلة، يومًا بعد يوم صادقًا، ويومًا بعد يوم صابرًا. ولم يتكبر بعلمه، لأنه كان يعرف أن كل علم هدية من الله.

فأكرمه الله ورفعه مكانًا عليًّا. وحين صعد نبينا محمد ﷺ في السماوات ليلة المعراج، لقي إدريس في السماء الرابعة، فرحّب به وقال: «مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح». وهذا مرويّ في صحيحَي البخاري ومسلم.

توقف الجد ونظر إلى مريم، فإذا هي تنظر إلى النجوم.

قالت ببطء: «إذن كان إدريس صبورًا، حتى عندما لم يستمع إليه الناس».

قال الجد: «نعم، استمر بهدوء ولطف، ولم يترك الصدق أبدًا».

نظرت مريم إلى دفترها، فإذا اسمها بحروف معوجّة.

قالت: «ربما كانت الحروف الأولى معوجّة عند الجميع».

ضحك الجد بهدوء وقال: «ربما. لا أحد يبدأ ماهرًا. الله وحده يعلم كل شيء، أما نحن فنتعلم قليلًا قليلًا».

أمسكت مريم قلمها من جديد، وكتبت أول حرف من اسمها ببطء. كان لا يزال معوجًّا قليلًا. كتبته مرة ثانية فصار أفضل. ثم كتبته ثالثة ورابعة، ولم تستسلم.

كانت النجوم تتلألأ فوقهما، والنسيم يمرّ على السطح، وفي الأسفل أُغلق باب وماءت قطة.

قالت مريم: «يا جدي، سأتدرب قليلًا كل يوم، بصبر مثل إدريس».

قال الجد: «هذا هو الطريق: خطوات صغيرة، وقلب صبور، وعون من الله».

وفي آخر السهرة كانت مريم قد ملأت صفحة كاملة، وكانت الحروف في أسفلها أجمل بكثير من الحروف في أعلاها. أرتها لجدها، فقبّل رأسها.

وقال: «الحمد لله. أرأيتِ؟ الصبر قوة هادئة».

تثاءبت مريم، وأغلقت دفترها بعناية وضمّته إليها.

وبينما كانا ينزلان الدرج، نظرت مرة أخرى إلى النجوم، فإذا هي ما زالت تلمع في أماكنها كما خلقها الله.

وهمست مريم: «شكرًا يا الله على الأقلام، وعلى الصبر، وعلى النجوم».

كان نبي الله إدريس عليه السلام صادقًا صابرًا، يعلّم بلطف ولا يستسلم، فرفعه الله مكانًا عليًّا كريمًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

قاطع الحجارة السعيد عند الجبل الرمادي
قاطع الحجارة السعيد عند الجبل الرمادي

تُروى هذه الحكاية اللطيفة في اليابان، وفي الصين أيضًا، وقد تناقلتها العائلات منذ مئات السنين. كان...

سُهى تساعد السّاعاتيّ في البحث عن مفتاحه الذهبيّ الصغير
سُهى تساعد السّاعاتيّ في البحث عن مفتاحه الذهبيّ الصغير

في آخر شارع ضيّق في السوق القديم، كان هناك دكّان صغير له باب أخضر، ونافذة مليئة بالساعات. ساعات طويل...

مِيا وَراشِدٌ وَزَعْتَرُ يَعُدّونَ الجِمالَ إِلى عَشَرَةٍ
مِيا وَراشِدٌ وَزَعْتَرُ يَعُدّونَ الجِمالَ إِلى عَشَرَةٍ

جَلَسَتْ مِيا وَراشِدٌ عَلى سِياجِ المَزْرَعَةِ. قالَ أَبو راشِدٍ: «عُدّا الجِمالَ، عِنْدَنا عَشَرَة...