العودة إلى الحكايات

حكاية

قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام وماء زمزم المبارك

قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام وماء زمزم المبارك
منذ زمن بعيد كان هناك وادٍ جاف كثير الصخور، ليس فيه بيوت ولا أشجار، ولا نهر ولا بئر. لم يكن فيه إلا الرمل والحجارة والشمس الحارّة. هذا الوادي صار يُسمّى فيما بعد مكة.

وفي يوم جاء نبي الله إبراهيم عليه السلام إلى هذا الوادي، ومعه زوجته هاجر وابنهما الرضيع إسماعيل عليه السلام.

كان الله قد أمر إبراهيم أن يترك هاجر وإسماعيل في هذا الوادي. فترك لهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم مضى.

فتبعته هاجر وقالت: «يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟»

لم يلتفت إبراهيم. فكرّرت سؤالها مرارًا، ثم سألت سؤالًا آخر: «آلله أمرك بهذا؟»

قال: «نعم».

فاطمأن وجه هاجر وقالت: «إذن لا يضيّعنا».

وهذه القصة مرويّة في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. لقد توكّلت هاجر على الله بكل قلبها.

ومشى إبراهيم حتى وصل إلى مكان مرتفع لا يرونه منه، فاستقبل الوادي ورفع يديه ودعا. سأل الله أن يحفظ أهله، وأن يجعل قلوب الناس تحنّ إليهم، وأن يرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (سورة إبراهيم، الآية 37).

جلست هاجر مع إسماعيل، تأكل من التمر وتشرب من الماء وترضع طفلها. لكن الماء نفد سريعًا، فعطشت هاجر، وعطش إسماعيل وبدأ يبكي.

لم تحتمل هاجر أن تراه يبكي. نظرت حولها، فإذا قريبًا منها تلّ صغير اسمه الصفا. صعدت إلى أعلاه ونظرت في الوادي: هل من أحد؟ هل من ماء؟ لم تر أحدًا.

فنزلت وأسرعت عبر الوادي إلى تلّ آخر اسمه المروة، فصعدته ونظرت مرة أخرى. لا أحد.

فعادت إلى الصفا، ثم إلى المروة، مرة بعد مرة، سبع مرات كاملة. لم تجلس تنتظر، بل بذلت كل جهدها، وتوكّلت على الله أن يعينها.

ولما وصلت إلى المروة في المرة السابعة سمعت صوتًا، فأنصتت، ثم رأت ملَكًا عند مكان إسماعيل. وبأمر الله تفجّر الماء من الأرض!

ماء عذب بارد صافٍ يفور من الرمل الجاف! أسرعت هاجر إليه، وجعلت حوله حاجزًا صغيرًا من الرمل حتى لا يسيل بعيدًا، وملأت سقاءها، وشربت وسقت طفلها، فتوقف إسماعيل عن البكاء.

هذه هي عين زمزم. وهل تعرف؟ ما زال ماء زمزم يجري حتى اليوم بعد آلاف السنين، ويشرب منه ملايين الناس كل عام.

ويتذكر المسلمون هاجر كلما ذهبوا للحج أو العمرة، فيسعون بين الصفا والمروة سبع مرات كما فعلت، ويتذكرون توكلها على الله وجهدها.

وبعد قليل جاءت الطيور تحوم فوق الوادي، وحيث تكون الطيور يكون الماء غالبًا. فرأتها قافلة من قبيلة جُرهُم، فتبعوها حتى وجدوا هاجر وطفلها عند العين.

استأذنوا هاجر بأدب أن ينزلوا قرب الماء، فوافقت، على أن يبقى الماء لها، فرضوا بذلك. فسكنوا هناك وبنوا بيوتهم، وبدأ الوادي الخالي يمتلئ بالحياة.

ونشأ إسماعيل بين جُرهُم، وتعلّم لغتهم العربية. وكان فتى لطيفًا صادقًا يحبه الجميع. ولما كبر تزوّج امرأة من القبيلة.

وكان إسماعيل معروفًا بالوفاء بالوعد، وقد أثنى الله عليه في القرآن فقال إنه «كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًّا» (سورة مريم، الآية 54). وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيًّا.

وجاء إبراهيم يزور ابنه عدة مرات. وفي إحدى المرات أخبره بامتحان عظيم من الله: رأى في المنام أنه يذبح ابنه. فلم يغضب إسماعيل ولم يهرب، بل قال: «يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» (سورة الصافات، الآية 102). فلما رأى الله أنهما مستعدان لطاعته، فدى إسماعيل بكبش عظيم، فنجا سالمًا معافى. ويتذكر المسلمون ذلك في كل عيد أضحى.

وفي زيارة أخرى قال إبراهيم: «يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، فهل تعينني؟»

قال إسماعيل: «أعينك».

فقد أمرهما الله أن يبنيا بيتًا للعبادة، هو الكعبة، قرب عين زمزم. فعمل الأب وابنه معًا؛ إسماعيل يحمل الحجارة، وإبراهيم يضعها واحدة فوق الأخرى. ولما ارتفع البناء وقف إبراهيم على حجر ليصل إلى الأعلى، وما زال هذا الحجر محفوظًا قرب الكعبة إلى اليوم، ويُسمّى مقام إبراهيم.

وكانا يدعوان وهما يبنيان: «ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم» (سورة البقرة، الآية 127). وسألا الله أن يبعث في ذريتهما رسولًا يعلّم الناس. وبعد سنين طويلة جدًّا استجاب الله دعاءهما، فبعث نبينا محمدًا ﷺ من ذرية إسماعيل.

وصار الوادي الذي كان خاليًا جافًّا مكانًا مباركًا: فيه ماء للشرب، وبيوت وعائلات، وفيه الكعبة التي يأتي إليها الناس ليعبدوا الله وحده.

نشأ نبي الله إسماعيل عليه السلام صابرًا صادقًا معينًا لأبيه. وأمه هاجر تعلّمنا شيئًا أيضًا: حين تصعب الأمور نتوكل على الله ونبذل أقصى جهدنا. والله لا يترك من يتوكل عليه.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

أبو الحسن خليفةً ليوم واحد (من ألف ليلة وليلة)
أبو الحسن خليفةً ليوم واحد (من ألف ليلة وليلة)

في مدينة بغداد العظيمة، عاش شاب مرح اسمه أبو الحسن. كان يسكن مع أمه في بيت صغير في شارع ضيق. لم يكن...

إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل
إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل

في وسط البحيرة القريبة من كوخ الخال فيصل، كانت هناك جزيرة صغيرة. كانت مستديرة وخضراء، فيها ثلاث أشجا...

السُّلَحْفاةُ مورو تَنْتَظِرُ الزَّهْرَة
السُّلَحْفاةُ مورو تَنْتَظِرُ الزَّهْرَة

مورو سُلَحْفاةٌ خَضْراءُ صَغيرَة. في الصَّباحِ يَزْرَعُ مورو بِذْرَة. طَب، طَب، طَب. تَدْخُلُ البِذ...