العودة إلى الحكايات

حكاية

قصة نبي الله إسحاق عليه السلام والبشرى عند الخيمة

قصة نبي الله إسحاق عليه السلام والبشرى عند الخيمة
عُرف نبي الله إبراهيم عليه السلام بخصال طيبة كثيرة؛ كان يعبد الله وحده، وكان صبورًا حكيمًا، واشتهر بشيء آخر أيضًا: كان أكرم الناس مع الضيوف. فكلما جاء ضيف إلى خيمته رحّب به بحرارة وقدّم له أطيب ما عنده من طعام.

كان إبراهيم يعيش مع زوجته سارة في أرض فلسطين، في بيت من الخيام، حوله الغنم والبقر والماعز. وكل صباح كانت الشمس تشرق فوق التلال فتلوّن السماء بالوردي والذهبي.

كان إبراهيم وسارة قد كبرا في السن. ابيضّ شعر إبراهيم ولحيته، وكبرت سارة أيضًا. وكانت تتمنى سنوات طويلة أن يكون لها طفل، لكنها لم تُرزق بولد. أما إسماعيل ابن إبراهيم فكان يعيش بعيدًا في وادي مكة مع أمه هاجر. ولم يكن لسارة بعدُ ولد.

لكن سارة لم تتوقف عن شكر الله؛ كانت تعين إبراهيم، وتعتني بالضيوف، وتثق بتدبير الله.

وفي يوم جاء زوّار إلى الخيمة، غرباء لم يرهم إبراهيم من قبل.

قالوا: «سلامًا».

فقال إبراهيم: «سلام»، ورحّب بهم.

لم يسألهم إبراهيم من هم، ولا لماذا جاؤوا، فالمضيف الكريم يبدأ بإكرام ضيوفه. فذهب إبراهيم إلى أهله بهدوء وسرعة، واختار عجلًا سمينًا، فأعدّه مشويًّا، ثم قرّبه إلى ضيوفه.

وسألهم بلطف: «ألا تأكلون؟»

لكن الضيوف لم تمتد أيديهم إلى الطعام، ولم يأكلوا منه لقمة واحدة. فتعجّب إبراهيم، فقد كان امتناع الضيف عن الطعام في ذلك الزمان علامة على أن في الأمر شيئًا. فشعر إبراهيم بشيء من الخوف.

ورأى الضيوف ما في وجهه فقالوا: «لا تخف». وأخبروه بحقيقتهم: كانوا ملائكة أرسلهم الله! والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولهذا لم يلمسوا الطعام.

وجاء الملائكة برسالة، ببشرى عظيمة لإبراهيم وسارة.

قالوا إن الله سيرزق إبراهيم وسارة ولدًا اسمه إسحاق، ومن بعد إسحاق حفيدًا اسمه يعقوب (سورة هود، الآية 71).

كانت سارة قائمة قريبًا، فلما سمعت ذلك تعجبت كثيرًا، وضربت وجهها تعجبًا كما يفعل بعض الناس حين يندهشون، وقالت: «يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا؟ إن هذا لشيء عجيب» (سورة هود، الآية 72).

فأجابها الملائكة برفق: «أتعجبين من أمر الله؟ رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت» (سورة هود، الآية 73).

لا شيء يصعب على الله. إذا أراد الله شيئًا فإنما يقول له «كن» فيكون.

فامتلأ قلبا إبراهيم وسارة فرحًا، وشكرا الله من كل قلبيهما.

وتحقق وعد الله، فولدت سارة غلامًا، وسمّياه إسحاق عليه السلام.

هل تتخيل كم كانت تلك الخيمة الصغيرة سعيدة؟ أول بكاء لإسحاق، وأول ابتسامة له، وأول خطواته المتمايلة على الرمل الناعم. كان إبراهيم وسارة يريانه يكبر، ويقولان «الحمد لله» مرة بعد مرة.

وعلّم إبراهيمُ إسحاقَ أن يعبد الله وحده كما علّم إسماعيل، وعلّمه أن يصلي ويصدق، وأن يكرم الضيوف ويجود على الفقراء.

وكان إسحاق وأخوه الكبير إسماعيل يعيشان بعيدين، كلٌّ في بلد. وكلاهما ابن لإبراهيم، وكلاهما صار نبيًّا من أنبياء الله.

ويخبرنا الله في القرآن أنه بشّر إبراهيم بإسحاق «نبيًّا من الصالحين» (سورة الصافات، الآية 112)، وأنه بارك على إبراهيم وعلى إسحاق.

ولما كبر إسحاق اختاره الله نبيًّا، فدعا أهل بلده إلى عبادة الله وحده. وكان هادئًا صالحًا، يسير على طريق أبيه إبراهيم.

وتزوّج إسحاق ورُزق أولادًا، ومنهم يعقوب عليه السلام كما بشّر الملائكة. وصار يعقوب نبيًّا أيضًا، ثم صار ابنه يوسف نبيًّا كذلك. عائلة واحدة باركها الله، فيها نبيّ بعد نبيّ.

ويقول الله في القرآن إنه وهب لإبراهيم إسحاق ويعقوب، وجعل كلًّا منهم صالحين (سورة الأنبياء، الآية 72)، وإنهم كانوا أئمة يهدون بأمره، يفعلون الخيرات ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة (سورة الأنبياء، الآية 73).

وفي الصباح، حين تتلون السماء فوق الخيام بالوردي والذهبي، كانت العائلة تستيقظ وتصلي معًا. تثغو الخراف، وتغرّد الطيور، وتختفي آخر النجوم واحدة بعد واحدة.

وكان إبراهيم يتذكر أحيانًا ذلك اليوم المميز حين جاء الغرباء. لقد أكرمهم بأطيب طعامه دون أن يعرف من هم، فجاؤوه بأجمل بشرى في حياته.

وكرم إبراهيم يعلّمنا شيئًا جميلًا: حين نكون كرماء نرحّب بالآخرين، لا ندري أيّ بركات قد يرسلها الله إلينا.

وقصة سارة تعلّمنا شيئًا أيضًا: حتى حين يبدو ما نتمناه مستحيلًا، لا نيأس أبدًا من رحمة الله. فالله هو الأكرم، وهو على كل شيء قدير.

كان نبي الله إسحاق عليه السلام بشرى سارّة، وُلد لأبوين كبيرين متفائلين، ونشأ نبيًّا صالحًا. وكانت حياته كلها آية على أن رحمة الله أوسع من كل ما نتخيل.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

فانوس السلطان وراعية الغنم
فانوس السلطان وراعية الغنم

في قديم الزمان، في مملكةٍ ذات تلالٍ خضراء وأنهارٍ هادئة، عاش سلطانٌ اسمه ناصر. لم يكن سلطانًا قاسيًا...

فينا القُضاعة والحجر المفقود في النهر
فينا القُضاعة والحجر المفقود في النهر

كانت فينا قُضاعةً صغيرة تعيش في النهر. كان فروها بنّيًّا لامعًا، وكفّاها صغيرتين سريعتين، وشواربها ت...

إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل
إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل

في وسط البحيرة القريبة من كوخ الخال فيصل، كانت هناك جزيرة صغيرة. كانت مستديرة وخضراء، فيها ثلاث أشجا...