العودة إلى الحكايات

حكاية

الريح التي لعبت الغمّيضة

الريح التي لعبت الغمّيضة
كان يومًا خريفيًّا باردًا مشرقًا. وكانت أشجار الحديقة العامّة برتقالية وحمراء وذهبية. والأوراق المتساقطة تغطّي الممرّات مثل سجّادة تُقرقش.

كانت أميرة تقفز بجانب أبيها. قَرش، قَرش، قَرش، فعلت الأوراق تحت حذائها الأحمر. وكانت تلبس معطفها الأصفر ووشاحها الأحمر الطويل.

وبين ذراعيها، كانت تحمل شيئًا مميّزًا جدًّا.

كانت طائرة ورقية. طائرة حمراء زاهية على شكل سمكة. لها عينان مستديرتان لامعتان، وذيل طويل متموّج من أشرطة حمراء وبرتقالية. أرسلتها لها جدّتها هديّة عيد ميلادها، من وراء البحر.

لم تكن أميرة قد طيّرت طائرة ورقية من قبل، ولا مرّة واحدة.

قالت: «بابا، هل ستأتي الريح وتلعب معنا اليوم؟»

نظر أبوها إلى السماء، ونظر إلى الأشجار، وقال مبتسمًا: «لنرَ.»

وصلا إلى ساحة عشب واسعة مفتوحة. في جانبها بركة، فيها بطّة بنّية صغيرة تسبح في دوائر. وتحت شجرة قيقب كبيرة مقعد خشبيّ. وكان هناك مكان واسع جدًّا للركض.

قال الأب: «هذا هو المكان المناسب.»

علّم أميرة كيف تمسك خيط الطائرة: «أمسكيه جيّدًا، ثمّ اركضي. وعندما تمسك الريح الطائرة، أرخي الخيط قليلًا قليلًا.»

أمسكت أميرة الخيط جيّدًا، وأخذت نفسًا عميقًا.

ثمّ ركضت.

ركضت بأسرع ما تستطيع على العشب. دقّ حذاؤها الأحمر الأرض، وطار وشاحها خلفها.

لكنّ الطائرة لم تطر.

ارتطمت بالأرض خلفها: بُمب، بُمب، بُمب. وانقلبت على العشب. وتشابك ذيلها بالأوراق.

توقّفت أميرة تلهث، ونظرت إلى السمكة الحمراء المرميّة على الأرض.

وقالت: «لم تنجح.»

قال أبوها: «حاولي مرّة أخرى.»

فحاولت أميرة مرّة أخرى. ركضت أسرع هذه المرّة: دَق، دَق، دَق.

بُمب، بُمب، بُمب، فعلت الطائرة. وانقلبت.

التقطت أميرة الطائرة ومشت إلى أبيها، وكتفاها متهدّلان.

وسألت: «أين الريح؟ لماذا لا تأتي لتلعب؟»

جلس أبوها على ركبتيه بجانبها، وأشار إلى الأشجار.

وقال: «انظري إلى الأوراق.»

نظرت أميرة. كانت أوراق الأشجار ساكنة جدًّا. ولا ورقة واحدة تتحرّك.

قال أبوها: «والآن انظري إلى البركة.»

نظرت أميرة. كان الماء مسطّحًا أملس، مثل المرآة. والبطّة تطفو بلا أيّ تموّج.

فكّرت أميرة لحظة.

ثمّ قالت ببطء: «بابا، أظنّ أنّ الريح مختبئة.»

ابتسم أبوها: «ربّما. ربّما تريد أن تلعب الغمّيضة.»

قالت أميرة: «إذن سأجدها!»

وقفت ساكنة تمامًا ونظرت حولها.

نظرت إلى رؤوس الأشجار: «هل أنتِ هناك أيّتها الريح؟» لم يتحرّك شيء.

نظرت إلى البركة: «هل تختبئين قرب الماء؟» لم يتحرّك شيء.

قالت أميرة: «الريح تعرف كيف تختبئ جيّدًا.»

قال أبوها: «أمهر المختبئين يأخذون وقتًا طويلًا حتى نجدهم. وأحيانًا، كلّ ما نستطيع فعله هو الانتظار.»

لم تكن أميرة تحبّ الانتظار كثيرًا. كانت تريد أن تطيّر طائرتها الآن.

لكنّها جلست على المقعد بجانب أبيها، ووضعت الطائرة السمكة الحمراء على حجرها.

أعطاها أبوها تفّاحة من جيبه، حمراء مقرمشة. أخذت أميرة قضمة كبيرة: قَرش.

راقبت البطّة البنّية الصغيرة. غطست برأسها تحت الماء، ثمّ خرجت بريش لامع. فضحكت أميرة.

أرجحت ساقيها، ودندنت أغنية صغيرة.

كانت الشمس دافئة على وجهها، والمقعد مريحًا. وكادت أميرة تنسى الريح.

ثمّ...

بدأت ورقة واحدة على شجرة القيقب تهتزّ.

ثمّ ورقة أخرى، وأخرى. خَشخَشة، خَشخَشة، خَشخَشة.

اعتدلت أميرة في جلستها.

وفي البركة، جرى تموّج صغير على الماء، وتمايلت البطّة إلى الأعلى والأسفل.

وارتفعت خصلة من شعر أميرة ودغدغت خدّها.

وبدأ وشاحها يرفرف.

قفزت أميرة عن المقعد: «بابا! بابا، وجدتها! وجدت الريح!»

رفعت طائرتها عاليًا وصاحت: «وجدتكِ أيّتها الريح! وجدتكِ!»

وركضت على العشب: دَق، دَق، دَق.

هذه المرّة، كانت الريح مستعدّة. انقضّت وأمسكت الطائرة السمكة الحمراء، ورفعتها عن الأرض. إلى الأعلى، وإلى الأعلى، وإلى الأعلى!

نادى أبوها: «أرخي الخيط! قليلًا قليلًا!»

أرخت أميرة الخيط قليلًا قليلًا. وارتفعت الطائرة أعلى. أعلى من المقعد، أعلى من شجرة القيقب، أعلى من كلّ الأشجار البرتقالية والذهبية في الحديقة.

هزّت السمكة الحمراء ذيلها المزيّن بالأشرطة. ورقصت وانقضّت بين الغيوم البيضاء، كأنّها تسبح في بحر أزرق كبير.

صاحت أميرة: «إنّها تطير! بابا، انظر! إنّها تطير!»

ضحك أبوها: «أراها! لقد فعلتِها!»

وضحكت أميرة أيضًا. أمسكت الخيط جيّدًا، وشعرت بالريح تشدّه بلطف، كأنّها تقول: «هيّا نلعب!»

ثمّ لاحظت أميرة ولدًا صغيرًا، واقفًا على طرف الساحة. كان في مثل عمرها، يلبس قبّعة زرقاء وحذاءً موحلًا. وكان يراقب الطائرة السمكة الحمراء بعينين واسعتين لامعتين.

لم تكن معه طائرة.

نظرت أميرة إلى الولد، ثمّ إلى طائرتها الراقصة في السماء. كانت طائرتها المميّزة، هديّة عيد ميلادها، وأوّل مرّة تطيّرها.

رفعت نظرها إلى أبيها. لم يقل شيئًا. أومأ لها إيماءة صغيرة لطيفة فقط.

مشت أميرة إلى الولد.

وقالت: «مرحبًا. هل تريد أن تمسكها؟»

أضاء وجه الولد مثل فانوس: «حقًّا؟ هل أستطيع؟»

قالت أميرة: «نستطيع أن نمسكها معًا.»

فأمسكا الخيط معًا، جنبًا إلى جنب. أربع أيدٍ على خيط واحد. ضحك الولد، وضحكت أميرة. وعاليًا فوقهما، سبحت السمكة الحمراء عبر السماء.

طيّرا الطائرة حتى بدأت الشمس تغيب منخفضة ورديّة خلف الأشجار.

وعندما حان وقت العودة إلى البيت، لفّت أميرة الخيط بعناية، ووضعت الطائرة السمكة الحمراء تحت ذراعها، ولوّحت للولد مودّعة.

ثمّ استدارت ولوّحت للأشجار.

ونادت: «شكرًا لأنّكِ لعبتِ معنا أيّتها الريح! أنتِ تعرفين كيف تختبئين جيّدًا!»

وخشخشت الأوراق لها بنعومة ولطف، كأنّها تقول: مع السلامة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

تامر والسنّ التي تهتزّ لتقول مرحبًا
تامر والسنّ التي تهتزّ لتقول مرحبًا

في صباح يوم الاثنين، قضم تامر قطعة الخبز المحمّص، وشعر بشيء غريب. إحدى أسنانه الأمامية السفلية تح...

الأرنبة روزي تتعلّم أن تنتظر دورها
الأرنبة روزي تتعلّم أن تنتظر دورها

في مرج مشمس، قرب بركة لامعة، كانت هناك شجرة قديمة كبيرة. أغصانها عريضة مورقة. ومن أقوى أغصانها تتدلّ...

الحطّاب الصغير والنخلة التي تتكلّم
الحطّاب الصغير والنخلة التي تتكلّم

على طرف صحراءٍ ذهبية كانت واحةٌ صغيرة، فيها بِركةٌ من الماء الصافي، تحيط بها حلقةٌ من النخيل الطويل....