العودة إلى الحكايات

حكاية

قصة نبي الله يعقوب عليه السلام والصبر الجميل

قصة نبي الله يعقوب عليه السلام والصبر الجميل
في تلال كنعان الخضراء، حيث تنمو أشجار الزيتون وتسرح قطعان الغنم فوق العشب، عاش نبي الله يعقوب عليه السلام. وكان يعقوب ابن النبي إسحاق، وحفيد النبي إبراهيم عليهم السلام جميعًا. وكان له اسم آخر هو إسرائيل.

كان ليعقوب اثنا عشر ابنًا، وكانوا رعاة. كل صباح يخرجون بالغنم إلى التلال، وكل مساء يعودون بها لتشرب من بئر العائلة.

وكان أصغرهم يوسف وبنيامين. وكان يعقوب يحب أولاده جميعًا، لكنه كان يخصّ هذين الصغيرين برعاية خاصة، ويرى في يوسف شيئًا مميزًا جدًّا.

وفي صباح جاء يوسف الصغير إلى أبيه وعيناه واسعتان وقال: «يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين» (سورة يوسف، الآية 4).

وكان يعقوب نبيًّا آتاه الله الحكمة، ففهم أنها رؤيا صادقة، وأن الله سيختار يوسف لأمر عظيم.

فقال له برفق: «يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا» (سورة يوسف، الآية 5)، فقد كان يعلم أن الإخوة الكبار يغارون أحيانًا.

وللأسف كان محقًّا. فقد تهامس الإخوة الكبار وقالوا: «أبونا يحب يوسف وأخاه أكثر منا»، وكبرت غيرتهم شيئًا فشيئًا.

وفي يوم جاؤوا إلى أبيهم وقالوا: «يا أبانا، لماذا لا تأمنّا على يوسف؟ أرسله معنا غدًا يلعب ويفرح، ونحن له حافظون».

فقلق يعقوب وقال: «إني ليحزنني أن تذهبوا به، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون».

قالوا: «نحن جماعة أقوياء، لن يصيبه ذئب ونحن معه». فسمح لهم يعقوب أخيرًا.

وفي المساء عاد الإخوة يبكون، ورفعوا قميص يوسف وعليه بقعة حمراء، لكنها لم تكن دم يوسف. وقالوا: «يا أبانا، ذهبنا نتسابق وتركنا يوسف عند متاعنا، فجاء الذئب وأخذه!»

لكن يعقوب نظر إلى القميص جيدًا، فإذا هو غير ممزق أبدًا، ولو أخذه ذئب لمزّقه. فعرف يعقوب أن أبناءه لا يقولون الصدق، وأنهم اختلقوا القصة.

لم يصرخ يعقوب ولم يفقد هدوءه، بل قال: «بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» (سورة يوسف، الآية 18).

والصبر الجميل هو أن تصبر دون أن تشكو إلى الناس، وأن ترجع إلى الله وحده.

ومرّت سنوات كثيرة، وكان يعقوب يشتاق إلى يوسف كل يوم، لكنه لم يتوقف عن التوكل على الله. كان يصلي، ويعلّم أهله، ويعتني ببنيامين.

ثم جاءت أيام صعبة؛ انقطع المطر، ولم تنبت الزروع، وقلّ الطعام في البلاد كلها. وقال الناس إن في مصر وزيرًا حكيمًا خزّن الحبوب. فسافر أبناء يعقوب إلى مصر ليشتروا طعامًا.

ولما عادوا كان معهم حبوب، ومعهم طلب أيضًا: أراد وزير مصر أن يحضروا أخاهم الأصغر بنيامين في المرة القادمة، وإلا فلن يأخذوا حبوبًا بعد ذلك.

لم يرد يعقوب أن يرسل بنيامين، فقد تذكّر ما حدث ليوسف. لكن العائلة تحتاج إلى الطعام. فأخذ على أبنائه عهدًا بالله أن يعيدوا بنيامين سالمًا، ثم قال: «الله على ما نقول وكيل» (سورة يوسف، الآية 66).

لكن الأبناء رجعوا بدون بنيامين، وقالوا إنه بقي في مصر لأن صُواع الملك وُجد في متاعه. وبقي أخوهم الأكبر هناك أيضًا، خجلًا من أن يعود.

فقد يعقوب يوسف، ثم بنيامين، ثم ابنًا آخر. فثقل قلبه كثيرًا، وتولّى عنهم وقال: «يا أسفى على يوسف»، وبكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن فلم يعد يبصر جيدًا (سورة يوسف، الآية 84).

قال له أبناؤه: «يا أبانا، أتظل تذكر يوسف إلى الأبد؟»

فأجاب يعقوب: «إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون» (سورة يوسف، الآية 86).

ثم قال كلمات مليئة بالأمل: «يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله» (سورة يوسف، الآية 87).

فبعد كل تلك السنين ما زال يعقوب يرجو!

فعاد الإخوة إلى مصر، وهناك حدث أمر عجيب: أخبرهم وزير مصر بحقيقته؛ إنه أخوهم يوسف! فعفا يوسف عنهم، وأعطاهم قميصه وقال: «اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا».

ولما خرجت القافلة من مصر، قال يعقوب في كنعان البعيدة: «إني لأجد ريح يوسف». وظن من حوله أنه يتذكر الماضي فقط.

ثم وصل البشير، وألقى قميص يوسف على وجه يعقوب، فعاد يبصر بإذن الله!

فقال يعقوب: «ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟»

فندم أبناؤه وقالوا: «يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين». فقال يعقوب بقلب رحيم إنه سيستغفر لهم ربه (سورة يوسف، الآيتان 97-98).

وسافرت العائلة كلها إلى مصر، ورأى يعقوب يوسف بعد سنين طويلة، فتعانقا وشكرا الله. وتحققت رؤيا يوسف القديمة.

وبعد سنوات كثيرة، حين صار يعقوب شيخًا كبيرًا، جمع أبناءه حوله وسألهم: «ما تعبدون من بعدي؟» قالوا: «نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون» (سورة البقرة، الآية 133). فاطمأن قلب يعقوب.

يعلّمنا نبي الله يعقوب عليه السلام الصبر الجميل: حين نحزن نستطيع أن نخبر الله بكل شيء، ومهما طال الانتظار لا نيأس أبدًا من رحمة الله.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

ناديا تزرع بذرة دوّار الشمس
ناديا تزرع بذرة دوّار الشمس

في صباح من أيّام الربيع، نادت الأمّ ناديا إلى المطبخ. قالت الأمّ: «أغمضي عينيكِ، ومدّي يدكِ.»...

سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة
سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة

كان سَنَد حُوارًا صغيرًا، أي جملًا صغيرًا. فروه ناعم منفوش بلون الخبز المحمّص. له ساقان طويلتان تتما...

السلحفاة الثرثارة والبطّتان الطيبتان
السلحفاة الثرثارة والبطّتان الطيبتان

تأتي هذه الحكاية من الهند، من كتاب قديم جدًا لقصص الحيوان اسمه «بنجاتنترا»، ومن حكايات «جاتاكا». وقد...