العودة إلى الحكايات

حكاية

قصة نبي الله يوسف عليه السلام والبئر والكواكب الأحد عشر

قصة نبي الله يوسف عليه السلام والبئر والكواكب الأحد عشر
يسمّي الله قصة يوسف «أحسن القصص» (سورة يوسف، الآية 3). إنها قصة عن رؤيا، ورحلة طويلة، وقلب كثير العفو.

كان يوسف عليه السلام ابن نبي الله يعقوب عليه السلام، وعاش في أرض كنعان مع أبيه وإخوته الأحد عشر.

وفي ليلة رأى يوسف الصغير رؤيا، فأسرع في الصباح إلى أبيه وقال: «يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين» (سورة يوسف، الآية 4).

ابتسم يعقوب بلطف، لكنه كان حذرًا، فقد عرف أنها رؤيا خاصة من الله. فطلب من يوسف ألا يخبر إخوته، لأنهم قد يغارون منه.

وكان الإخوة الكبار يغارون فعلًا، ويظنون أن أباهم يحب يوسف أكثر منهم. فدبّروا في يوم خطة سيئة؛ أخذوا يوسف إلى التلال، وألقوه في بئر عميقة جافة. ثم رجعوا إلى أبيهم وقالوا إن الذئب أخذه.

كان يوسف في قاع البئر وحده، لكنه لم يكن وحده حقًّا، فالله معه. وألقى الله في قلبه رسالة: سيأتي يوم يخبر فيه إخوته بما فعلوا، وهم لا يعرفونه (سورة يوسف، الآية 15).

وبعد قليل مرّت قافلة من المسافرين، فوقفوا عند البئر ليأخذوا الماء. وأدلى أحدهم دلوه، فلما رفعه إذا غلام متعلّق به!

فصاح الرجل: «يا بشرى! هذا غلام!»

وأخذ المسافرون يوسف معهم إلى مصر، وباعوه بدراهم قليلة. واشتراه رجل من كبار الوزراء يُسمّى العزيز، فقال لامرأته: «أكرمي مثواه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا».

فنشأ يوسف في بيت فخم في مصر، وآتاه الله حكمًا وعلمًا. وكان أمينًا مجتهدًا يذكر الله دائمًا.

ولما كبر يوسف وصار شابًّا جاءه امتحان؛ أراد بعض من في البيت أن يفعل أمرًا خاطئًا، فرفض يوسف لأنه يخاف الله. لكنه بدل أن يُشكر اتُّهم ظلمًا، وأُدخل السجن مع أنه لم يفعل شيئًا.

لم يمتلئ قلب يوسف بالمرارة، بل قال إن السجن أحب إليه من فعل الخطأ. وحتى في السجن كان لطيفًا، يساعد المساجين ويحدّثهم عن الله الواحد.

ورأى فتيان في السجن رؤيا عجيبة، كلٌّ منهما رؤياه، فسألا يوسف عن تأويلها لأنهما رأيا أنه من المحسنين. وكان الله قد علّم يوسف تأويل الأحلام. فحدّثهما أولًا عن الله، ثم فسّر رؤياهما. وأخبر أحدهما أنه سيخرج ويعود يسقي الملك. فقال له يوسف: «اذكرني عند ربك». لكن الرجل حين خرج نسي يوسف تمامًا.

فلبث يوسف في السجن بضع سنين أخرى، صابرًا متوكلًا على الله.

ثم رأى ملك مصر في ليلة رؤيا: سبع بقرات سمان تأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات. ولم يستطع أحد في القصر أن يفسرها.

وفجأة تذكّر الرجل الذي كان في السجن، فقال: «أنا أعرف من يفسرها!» وأسرع إلى السجن يسأل يوسف.

ففسّر يوسف الرؤيا: ستأتي سبع سنين فيها حصاد وفير، ثم تأتي سبع سنين شديدة فيها طعام قليل. فعلى الناس أن يزرعوا جيدًا سبع سنين، ويخزنوا أكثر الحبوب في سنابلها لتبقى محفوظة.

فتعجّب الملك وأراد أن يقابل يوسف. لكن يوسف لم يسرع بالخروج، بل طلب أولًا أن يعرف الملك حقيقة سبب سجنه. فظهرت الحقيقة، وعرف الجميع أن يوسف بريء.

فقال الملك: «إنك اليوم لدينا مكين أمين». وطلب يوسف أن يتولى خزائن الأرض وقال: «إني حفيظ عليم» (سورة يوسف، الآية 55).

فتولى يوسف أمر الحبوب، وفي السنين السبع الطيبة امتلأت المخازن. ثم جاءت السنين الشديدة، فجاء الناس من بلاد كثيرة إلى مصر يشترون الطعام.

وفي يوم وصل عشرة رجال من كنعان، فعرفهم يوسف في الحال؛ إنهم إخوته! أما هم فلم يعرفوه.

أكرمهم يوسف وأعطاهم الحبوب، وطلب منهم أن يحضروا أخاهم الأصغر بنيامين في المرة القادمة. ثم وجد بعد ذلك طريقة حكيمة ليبقي بنيامين عنده.

وأخيرًا جاء الإخوة مرة ثالثة، متعبين فقراء، يطلبون الصدقة.

فسألهم يوسف: «هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟»

فحدّق الإخوة فيه وقالوا: «أإنك لأنت يوسف؟»

قال: «أنا يوسف وهذا أخي، قد منّ الله علينا».

فامتلأ الإخوة خجلًا وقالوا: «تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين».

كان يوسف يستطيع أن يغضب ويعاقبهم، لكنه فعل شيئًا جميلًا، فقال: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» (سورة يوسف، الآية 92).

عفا يوسف عنهم عفوًا كاملًا.

ثم أرسل يوسف قميصه إلى أبيه، فلما أُلقي على وجه يعقوب عاد يبصر. وبعد قليل سافرت العائلة كلها إلى مصر.

فاستقبل يوسف أبويه ورفعهما على العرش، ثم سجد له أبواه وإخوته الأحد عشر سجود تحية واحترام، وكان ذلك في زمانهم طريقة لإكرام الإنسان.

وقال يوسف: «يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا» (سورة يوسف، الآية 100).

فالشمس والقمر هما أبواه، والكواكب الأحد عشر هم إخوته الأحد عشر. لقد تحققت الرؤيا كما قدّر الله.

مرّ نبي الله يوسف عليه السلام بالبئر والسجن وسنين صعبة كثيرة، لكنه بقي صابرًا أمينًا. وحين صار قادرًا على الانتقام، اختار العفو.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

نونو السلطعون الناسك يجرّب كلّ أصداف الشاطئ
نونو السلطعون الناسك يجرّب كلّ أصداف الشاطئ

كان نونو سلطعونًا ناسكًا صغيرًا، له أرجل برتقاليّة لامعة، وعينان سوداوان فوق عودين صغيرين، وصدفة بنّ...

ابنة النسّاجة والخيط الذهبي
ابنة النسّاجة والخيط الذهبي

في مدينةٍ مزدحمةٍ على شاطئ البحر، عاشت نسّاجةٌ اسمها أمّ رامي مع ابنتها ليلى. كان دكّانهما الصغير في...

مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ
مَنْصورٌ وَنُقْطَةُ وَعُلْبَةُ الأَضْدادِ العَجيبَةُ

وَجَدَ مَنْصورٌ في غُرْفَةِ جَدِّهِ عُلْبَةً خَشَبِيَّةً قَديمَةً، لَها غِطاءانِ: أَبْيَضُ وَأَسْوَد...