العودة إلى الحكايات

حكاية

بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي

بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي
هذه قصة عن فتى اسمه بنيامين. لم يكن بنيامين نبيًّا، بل كان الأخ الأصغر لنبي الله يوسف عليه السلام، وابن نبي الله يعقوب عليه السلام. ويذكر القرآن قصته ويسمّيه «أخاه» أي أخا يوسف، ويخبرنا علماء التفسير أن اسمه بنيامين.

كان بنيامين ويوسف من أم واحدة، وكانا أصغر الإخوة الاثني عشر. وحين فُقد يوسف قبل سنين كثيرة كان بنيامين صغيرًا جدًّا، فكبر وهو يشتاق إلى أخيه الكبير. وكان أبوه يعقوب يعتني به عناية خاصة ويبقيه قريبًا منه.

ثم جاءت سنوات الجوع؛ انقطع المطر، وجفّت حقول كنعان، وقلّ الطعام عند العائلة.

وقال الناس إن في مصر حبوبًا تُباع، فقد خزّنها وزير حكيم في السنين الطيبة. فسافر عشرة من الإخوة إلى مصر بجمالهم، وبقي بنيامين في البيت مع أبيه.

استقبل وزير مصر الإخوة وأعطاهم الحبوب، ولم يعرفوا سرًّا كبيرًا: كان الوزير هو أخاهم يوسف!

سألهم يوسف عن عائلتهم ثم قال: «ائتوني بأخ لكم من أبيكم، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي» (سورة يوسف، الآيتان 59-60).

وأمر يوسف فتيانه أن يعيدوا نقود الإخوة في رحالهم سرًّا، لعلهم يرجعون مرة أخرى.

ولما وصل الإخوة إلى البيت أخبروا أباهم بكل شيء، وقالوا: «يا أبانا، لن نأخذ حبوبًا إلا إذا أخذنا أخانا، فأرسله معنا ونحن نحفظه».

قلق يعقوب، فقد تذكّر أنهم وعدوا الوعد نفسه في يوسف. ثم فتح الإخوة متاعهم فوجدوا نقودهم فيه! فقالوا: «يا أبانا، هذه بضاعتنا رُدّت إلينا، ومع بنيامين نأخذ حبوبًا أكثر لعائلتنا».

فوافق يعقوب أخيرًا، لكنه أخذ عليهم عهدًا بالله أن يعيدوا بنيامين إلا أن يحدث أمر خارج عن قدرتهم. ثم قال: «الله على ما نقول وكيل» (سورة يوسف، الآية 66).

ونصحهم يعقوب أيضًا: «يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة»، وذكّرهم أن الله وحده هو الحافظ، وأنه متوكل عليه.

فسافر بنيامين إلى مصر مع إخوته. كانت الطريق طويلة حارّة، والجمال تتمايل في سيرها، حتى رأوا أخيرًا أسوار المدينة.

ولما دخلوا على الوزير حدث أمر عجيب؛ أخذ يوسف بنيامين إلى جانبه وقال له بهدوء: «إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون» (سورة يوسف، الآية 69).

تخيّل فرحة بنيامين! أخوه الكبير الذي فُقد سنين طويلة حيّ معافى، بل هو وزير كبير في مصر! لكن يوسف طلب منه أن يكتم السر قليلًا، فوثق بنيامين بأخيه.

ثم جهّز يوسف جمال الإخوة بالحبوب، وجعل صُواع الملك، وهو كأس للكيل، في رحل بنيامين، وكان ذلك جزءًا من خطته.

ولما بدأت القافلة تمضي نادى منادٍ: «أيتها العير إنكم لسارقون!»

فالتفت الإخوة مدهوشين وقالوا: «ماذا تفقدون؟»

قالوا: «نفقد صُواع الملك، ومن جاء به فله حِمل بعير من الحبوب جائزة».

فقال الإخوة: «تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين».

قالوا: «فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟»

فأجاب الإخوة بشريعة بلادهم، ففي بلادهم من أخذ شيئًا بقي يعمل عند صاحبه. فقالوا: «جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه».

فبدأ التفتيش، وبدأ يوسف بأوعية الإخوة الكبار قبل وعاء أخيه. وعاء ثم وعاء ثم وعاء، ولا شيء. وفي الآخر فتح وعاء بنيامين، فإذا الصُّواع يلمع في ضوء الشمس!

شهق الإخوة، ووقف بنيامين هادئًا، فقد كان يعرف السر، ولم يكن خائفًا لأنه يعلم أن لأخيه خطة حكيمة.

ويقول القرآن: «كذلك كِدنا ليوسف» (سورة يوسف، الآية 76). فهكذا يسّر الله ليوسف أن يبقي أخاه عنده بأمان ولطف.

وتوسّل الإخوة: «أيها العزيز، إن له أبًا شيخًا كبيرًا يحبه كثيرًا، فخذ أحدنا مكانه». لكن يوسف قال إنه لا يأخذ إلا من وُجد الصُّواع عنده.

وتذكّر الإخوة عهدهم لأبيهم، فقال كبيرهم: «لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي». فبقي في مصر، ورجع الآخرون بالخبر الحزين.

وهذه المرة كان الإخوة مختلفين. فقبل سنين كانوا يغارون من يوسف، أما الآن فقد صاروا يهتمون حقًّا ببنيامين وبأبيهم، وتعلّموا قيمة الوعد.

وفي البيت حزن يعقوب كثيرًا، لكنه قال: «فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا». وأمر أبناءه أن يرجعوا ويبحثوا عن يوسف وأخيه، وألا ييأسوا من رحمة الله.

فعاد الإخوة إلى مصر مرة ثالثة، ووقفوا أمام الوزير متعبين متواضعين. وعندها أخبرهم يوسف بالحقيقة: «أنا يوسف وهذا أخي، قد منّ الله علينا» (سورة يوسف، الآية 90).

خجل الإخوة مما فعلوه قديمًا، لكن يوسف عفا عنهم وقال: «لا تثريب عليكم اليوم».

ووقف بنيامين يرى عائلته وقد اجتمعت أخيرًا: أخوه الكبير يوسف، وإخوته الآخرون كلهم. وبعد قليل جاء أبوه يعقوب إلى مصر أيضًا، فاجتمعت العائلة كلها من جديد.

تعلّمنا قصة بنيامين أن الوفاء بالوعد أمر عظيم، وأن الناس يستطيعون أن يتغيروا ويهتم بعضهم ببعض. وحين يكون لمن نحبهم خطة حكيمة نثق بهم، كما نثق دائمًا بالله الذي يدبّر أحسن التدبير.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل
إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل

في وسط البحيرة القريبة من كوخ الخال فيصل، كانت هناك جزيرة صغيرة. كانت مستديرة وخضراء، فيها ثلاث أشجا...

لميس وأوّل مطر في الشتاء
لميس وأوّل مطر في الشتاء

في المدينة التي عاشت فيها لميس، كان المطر نادرًا جدًّا. كانت الشمس تشرق كلّ يوم تقريبًا. تدفئ الك...

الشيخ زاهد وحلم جرّة العسل (من كليلة ودمنة)
الشيخ زاهد وحلم جرّة العسل (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في بيت أبيض صغير على طرف قرية، عاش شيخ طيّب اسمه زاهد. كان لزاهد لحية بيضاء طويلة...