العودة إلى الحكايات

حكاية

قصة نبي الله شعيب عليه السلام والميزان العادل

قصة نبي الله شعيب عليه السلام والميزان العادل
منذ زمن بعيد كانت هناك مدينة مزدحمة اسمها مَدْيَن، تقع على طريق مهم تمرّ به قوافل كثيرة. كان المسافرون يأتون بجمال محمّلة بالبضائع، ويتوقفون في مدين ليستريحوا ويبيعوا ويشتروا.

كان سوق مدين مليئًا بالأصوات والألوان؛ فيه سلال التمر والتين، وأكياس القمح والشعير، وأوعية التوابل الزاهية الحمراء والصفراء والبنية. وفي وسط كل دكان ميزان لوزن الأشياء.

للميزان كفّتان، واحدة على كل جانب. تضع الطعام في كفة، وتضع الوزن في الكفة الأخرى، فإذا استوت الكفتان كان المقدار عادلًا.

لكن أهل مدين كانت لهم عادة سيئة؛ كان كثير منهم يغشّون. إذا باعوا الطعام احتالوا ليعطوا أقل مما يجب: قليلًا من القمح أقل، وقليلًا من الشعير أقل، وبضع تمرات ناقصة. وإذا اشتروا من غيرهم أرادوا أكثر من حقهم.

وكان بعضهم يقعد في الطرق يخيف المسافرين ويأخذ ما ليس له، وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله.

فأرسل الله إليهم نبيًّا منهم اسمه شعيب عليه السلام. وكان فصيحًا حسن البيان، حتى سمّاه بعض العلماء «خطيب الأنبياء».

قال شعيب لقومه: «يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان، إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط» (سورة هود، الآية 84).

وقال أيضًا: «يا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين» (سورة هود، الآية 85).

وأخبرهم شعيب بأمر حكيم جدًّا، فقال إن ما يبقى لهم من الربح الحلال العادل خير لهم إن كانوا مؤمنين (سورة هود، الآية 86). أي إن المال القليل المكسوب بالأمانة خير من المال الكثير المكسوب بالغش، فالله يجعل البركة في الحلال.

فاستمع بعض الناس وآمنوا، وصاروا يستعملون الموازين العادلة. إذا وزنوا القمح تأكدوا أن الكفتين مستويتان، وإذا دفع الزبون ثمن سلة كاملة أعطوه سلة كاملة.

لكن المتكبرين سخروا من شعيب وقالوا: «يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟» (سورة هود، الآية 87).

ظنّوا أن أموالهم شأنهم وحدهم، ولم يفهموا أن الغش يؤذي الآخرين. فإذا غشّ البائع رجعت عائلة إلى بيتها بطعام أقل مما دفعت ثمنه.

فأجابهم شعيب بلطف وحكمة، وأخبرهم أن الله رزقه رزقًا حسنًا حلالًا، وأنه لا ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو. ثم قال: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب» (سورة هود، الآية 88).

وذكّرهم شعيب بما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح قبلهم، وأخبرهم أن الوقت لم يفت بعد: «واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه، إن ربي رحيم ودود» (سورة هود، الآية 90).

يا لها من رسالة رحيمة! كان الله مستعدًّا أن يغفر لهم لو تركوا الغش ورجعوا إليه.

لكن الزعماء المتكبرين لم يستمعوا، وقالوا: «يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول، ولولا رهطك لرجمناك». بل هدّدوا أن يخرجوا شعيبًا والمؤمنين من المدينة إن لم يعودوا إلى طريقتهم القديمة.

فقال شعيب: «يا قوم أرهطي أعزّ عليكم من الله؟» ولم يترك رسالته، ولم يترك المؤمنون إيمانهم، وبقوا أمناء ولو كان ذلك صعبًا.

وقال شعيب لقومه: «اعملوا على مكانتكم إني عامل، سوف تعلمون» (سورة هود، الآية 93).

وبعد إنذار طويل جاء عقاب الله الذين رفضوا واستمروا في الغش، كما جاء الأمم التي قبلهم. وصار سوق مدين الذي كان صاخبًا صامتًا.

لكن الله نجّى شعيبًا والذين آمنوا معه برحمته (سورة هود، الآية 94).

ونظر شعيب إلى مدينته القديمة بقلب حزين، فقد أعطاهم كل فرصة، وقال: «يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم» (سورة الأعراف، الآية 93).

وعاش شعيب والمؤمنون بعد ذلك في سلام، يعبدون الله، ويبيعون ويشترون بالعدل، ويعين بعضهم بعضًا.

وقد علّمنا نبينا محمد ﷺ أيضًا أن نكون عادلين في البيع والشراء، وأخبر أن البائع والمشتري إذا صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما (رواه البخاري ومسلم). ويقول الله في القرآن: «ويل للمطففين» (سورة المطففين، الآية 1)، عن الذين يغشون في الكيل والوزن.

فإذا قسمت الحلوى مع أخيك أو أختك، فتذكّر ميزان نبي الله شعيب العادل: هل الكفتان متساويتان؟ هل أخذ كل واحد نصيبه العادل؟

وإذا لعبت لعبة فتذكّر شعيبًا: هل تتبع القواعد حتى لو لم يرك أحد؟

وإذا كبرت وصرت تبيع وتشتري فتذكّر شعيبًا: أعطِ الناس ما دفعوا ثمنه، ولا تخفِ لنفسك شيئًا ولو قليلًا.

يعلّمنا نبي الله شعيب عليه السلام أن الأمانة خير من كل مال الدنيا. فالعدل يجعل الناس يثقون بنا، ويجعل قلوبنا نظيفة، وفوق ذلك كله: الله يحب المقسطين.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)
الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، على سفح تلّ مشمس مغطّى بالأزهار البرّية، عاش غراب. كان للغراب ريش أسود لامع يبرق...

القفّاز في الغابة المثلجة
القفّاز في الغابة المثلجة

تأتي هذه الحكاية الدافئة من أوكرانيا، حيث اسمها «روكافيتشكا». ترويها الجدّات الأوكرانيات في ليالي ال...

صفحة تلوين: سَنَد الحُوار الصغير عند الواحة
صفحة تلوين: سَنَد الحُوار الصغير عند الواحة

صفحة تلوين من حكاية سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة. اطبع الصفحة ولوّن سَنَد وأمه وال...