حكاية
السلحفاة التي طارت مع البطّتين (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، قرب بركة خضراء باردة، عاشت سلحفاة اسمها كاشف.
كان لكاشف درع بنّيّ مستدير، وأرجل قصيرة قويّة، وابتسامة كبيرة ودودة. كان يحبّ البركة، ويحبّ أوراق الزنبق والقصب الطويل. لكنّه أكثر من كلّ شيء، كان يحبّ الكلام.
وكان أعزّ صديقيه بطّتين بيضاوين اسمهما نور وندى. كانتا تعيشان في البركة أيضًا. وكلّ يوم، كانتا تسبحان بجانبه وهو يتكلّم ويتكلّم.
كان كاشف يقول: «هل تعرفان أنّ القصب أطول هذه السنة؟ وهل تعرفان أنّ للضفدع الذي على الصخرة الكبيرة ابن عمّ؟ وهل تعرفان...»
فتضحك البطّتان وتقولان: «يا كاشف، أنت تعرف كلّ شيء!»
لكن في أحد الأصياف، بدأت البركة تتغيّر.
كانت الشمس حارّة يومًا بعد يوم، ولم ينزل مطر. وببطء، ببطء، بدأ الماء ينكمش. صارت أوراق الزنبق على طين جافّ، وصار القصب بنّيًّا يقرقش، وصارت الأسماك تسبح متلاصقة أكثر فأكثر في الوسط.
في صباح أحد الأيّام، سبحت نور وندى إلى كاشف، وكانتا حزينتين.
قالت نور: «يا كاشف، البركة تجفّ. وقريبًا لن يبقى فيها ماء أبدًا.»
وقالت ندى: «علينا أن نطير بعيدًا. وراء التلال، هناك بحيرة زرقاء كبيرة لا تجفّ أبدًا. يجب أن نذهب إليها، وإلّا عطشنا كثيرًا.»
اختفت ابتسامة كاشف وقال: «لكنّي لا أستطيع الطيران. أنا سلحفاة، أستطيع المشي فقط. وسأحتاج سنة كاملة لأمشي وراء التلال.»
نظرت البطّتان إحداهما إلى الأخرى. لم تكونا تريدان أن تتركا صديقهما. أبدًا.
ثمّ خطرت لندى فكرة.
قالت: «انتظرا هنا.»
طارت وعادت ومعها عود طويل قويّ في منقارها.
قالت ندى: «هذه هي الخطّة. نور تمسك طرف العود بمنقارها، وأنا أمسك الطرف الآخر. وأنت تعضّ على الوسط بفمك عضًّا قويًّا. ثمّ نطير ونحملك معنا!»
اتّسعت عينا كاشف: «سأطير؟ أنا؟ سلحفاة طائرة؟»
قالت نور: «نعم. لكن هناك شيئًا مهمًّا جدًّا. يجب أن تُبقي فمك مغلقًا طوال الوقت. طوال الطريق. مهما حدث، ومهما رأيت، ومهما قال أيّ أحد. ولا كلمة واحدة.»
قالت ندى: «ولا كلمة واحدة. هل تستطيع ذلك؟»
ضحك كاشف: «طبعًا أستطيع. هذا سهل جدًّا. لن أقول شيئًا.»
نظرت البطّتان إحداهما إلى الأخرى من جديد. فكاشف لم يكن ماهرًا في السكوت.
وقالتا: «تعدنا؟»
قال كاشف: «أعدكما.»
فأمسكت نور طرفًا من العود، وأمسكت ندى الطرف الآخر. وعضّ كاشف على الوسط: طَق! وتمسّك بقوّة.
قالت البطّتان من طرف منقاريهما: «مستعدّ؟»
لم يستطع كاشف أن يقول نعم. فحرّك أرجله فقط.
رفرفت البطّتان بأجنحتهما: رفرفة، رفرفة، رفرفة. وركضتا على الطين الجافّ: رفرفة، رفرفة، رفرفة. ثمّ ارتفعتا!
إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى الأعلى!
ارتفعت قدما كاشف عن الأرض، وتقلّبت بطنه. وصغرت البركة تحته أكثر فأكثر. صارت الأشجار مثل شجيرات خضراء صغيرة، وصار الطريق مثل خيط بنّيّ رفيع.
كان يطير!
اندفعت الريح على وجهه، والسماء حوله كبيرة زرقاء، والغيوم البيضاء تمرّ مثل خراف منفوشة. كان ذلك أروع شيء حدث له في حياته.
أراد كاشف أن يصيح: «انظروا إليّ! أنا أطير!» لكنّه تذكّر: ولا كلمة واحدة. فأبقى فمه مغلقًا بإحكام.
ثمّ طاروا فوق قرية بيوتها بيضاء وقبابها زرقاء مستديرة.
وفي الأسفل، كان بعض الأطفال يلعبون. رفعوا رؤوسهم، وأشاروا، وبدأوا يضحكون ويصيحون.
نادى ولد: «انظروا! انظروا هناك! سلحفاة تطير!»
وصاحت بنت: «بطّتان تحملان سلحفاة على عود! يا للطرافة! يا للذكاء!»
سمعهم كاشف.
مضحك؟ هو؟ إنّه ليس مضحكًا أبدًا. إنّه يطير! وكانت فكرته أن يأتي معهما! أراد أن يشرح، أراد أن يقول لهم كلّ شيء. أراد أن يقول: «أنا لست مضحكًا! أنا كاشف، أوّل سلحفاة طائرة في الدنيا كلّها!»
فارت الكلمات في داخله، ودفعت ودفعت. لم يستطع أن يحبسها.
ففتح كاشف فمه.
«أنا لستُ...»
ووووش!
انزلق العود من فمه. وسقط كاشف. إلى الأسفل، إلى الأسفل، إلى الأسفل.
صاحت البطّتان: «كاشف!»
ولحسن الحظّ، كان تحتهم تمامًا حقل مزارع. وفي وسط الحقل كومة كبيرة من التبن الذهبيّ الناعم.
فلُمب!
وقع كاشف في وسطها تمامًا. وتطاير التبن في كلّ مكان، واستقرّ على درعه مثل قبّعة منفوشة.
استلقى كاشف هناك يرمش. حرّك أرجله، وحرّك رأسه. لم يُصَب بأيّ أذى.
نزلت نور وندى وحطّتا بجانبه، ترفرفان بقلق.
«كاشف! هل أنت بخير؟»
جلس كاشف ببطء، والتبن يخرج من أذنيه.
وقال: «أنا بخير.» ثمّ نظر إلى الأرض. «أنا آسف. وعدتكما ألّا أقول كلمة. لكنّي فتحت فمي مع ذلك.»
ضمّته البطّتان بجناحيهما الأبيضين الناعمين.
وجاء أطفال القرية راكضين، فرأوا السلحفاة جالسة في التبن، سالمة.
قالت البنت: «أوه، نحن آسفون! لم نقصد أن نُسقطك.»
قال كاشف: «لم يكن ذنبكم. كان ذنبي. لم أحفظ وعدي.»
التقطت ندى العود من جديد وقالت: «البحيرة الزرقاء الكبيرة ما زالت بعيدة. هل تريد أن تحاول مرّة أخرى؟»
أخذ كاشف نفسًا عميقًا. نظر إلى العود، ونظر إلى صديقتيه.
وقال: «نعم. وهذه المرّة، سأبقي فمي مغلقًا. طوال الطريق.»
فأمسكت نور طرفًا، وأمسكت ندى الطرف الآخر. وعضّ كاشف على الوسط: طَق.
وطاروا من جديد. إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى الأعلى.
لوّح الأطفال وهتفوا. أراد كاشف أن يلوّح لهم، لكنّه أبقى فمه مغلقًا بإحكام، وحرّك قدميه الصغيرتين فقط.
طاروا فوق التلال، وفوق الوادي. وأخيرًا رأوها: بحيرة زرقاء كبيرة تتلألأ في الشمس.
حطّت البطّتان بنعومة على حافّتها، وترك كاشف العود.
ثمّ تكلّم. تكلّم وتكلّم وتكلّم، طوال المساء.
ولم تمانع البطّتان أبدًا.
كان لكاشف درع بنّيّ مستدير، وأرجل قصيرة قويّة، وابتسامة كبيرة ودودة. كان يحبّ البركة، ويحبّ أوراق الزنبق والقصب الطويل. لكنّه أكثر من كلّ شيء، كان يحبّ الكلام.
وكان أعزّ صديقيه بطّتين بيضاوين اسمهما نور وندى. كانتا تعيشان في البركة أيضًا. وكلّ يوم، كانتا تسبحان بجانبه وهو يتكلّم ويتكلّم.
كان كاشف يقول: «هل تعرفان أنّ القصب أطول هذه السنة؟ وهل تعرفان أنّ للضفدع الذي على الصخرة الكبيرة ابن عمّ؟ وهل تعرفان...»
فتضحك البطّتان وتقولان: «يا كاشف، أنت تعرف كلّ شيء!»
لكن في أحد الأصياف، بدأت البركة تتغيّر.
كانت الشمس حارّة يومًا بعد يوم، ولم ينزل مطر. وببطء، ببطء، بدأ الماء ينكمش. صارت أوراق الزنبق على طين جافّ، وصار القصب بنّيًّا يقرقش، وصارت الأسماك تسبح متلاصقة أكثر فأكثر في الوسط.
في صباح أحد الأيّام، سبحت نور وندى إلى كاشف، وكانتا حزينتين.
قالت نور: «يا كاشف، البركة تجفّ. وقريبًا لن يبقى فيها ماء أبدًا.»
وقالت ندى: «علينا أن نطير بعيدًا. وراء التلال، هناك بحيرة زرقاء كبيرة لا تجفّ أبدًا. يجب أن نذهب إليها، وإلّا عطشنا كثيرًا.»
اختفت ابتسامة كاشف وقال: «لكنّي لا أستطيع الطيران. أنا سلحفاة، أستطيع المشي فقط. وسأحتاج سنة كاملة لأمشي وراء التلال.»
نظرت البطّتان إحداهما إلى الأخرى. لم تكونا تريدان أن تتركا صديقهما. أبدًا.
ثمّ خطرت لندى فكرة.
قالت: «انتظرا هنا.»
طارت وعادت ومعها عود طويل قويّ في منقارها.
قالت ندى: «هذه هي الخطّة. نور تمسك طرف العود بمنقارها، وأنا أمسك الطرف الآخر. وأنت تعضّ على الوسط بفمك عضًّا قويًّا. ثمّ نطير ونحملك معنا!»
اتّسعت عينا كاشف: «سأطير؟ أنا؟ سلحفاة طائرة؟»
قالت نور: «نعم. لكن هناك شيئًا مهمًّا جدًّا. يجب أن تُبقي فمك مغلقًا طوال الوقت. طوال الطريق. مهما حدث، ومهما رأيت، ومهما قال أيّ أحد. ولا كلمة واحدة.»
قالت ندى: «ولا كلمة واحدة. هل تستطيع ذلك؟»
ضحك كاشف: «طبعًا أستطيع. هذا سهل جدًّا. لن أقول شيئًا.»
نظرت البطّتان إحداهما إلى الأخرى من جديد. فكاشف لم يكن ماهرًا في السكوت.
وقالتا: «تعدنا؟»
قال كاشف: «أعدكما.»
فأمسكت نور طرفًا من العود، وأمسكت ندى الطرف الآخر. وعضّ كاشف على الوسط: طَق! وتمسّك بقوّة.
قالت البطّتان من طرف منقاريهما: «مستعدّ؟»
لم يستطع كاشف أن يقول نعم. فحرّك أرجله فقط.
رفرفت البطّتان بأجنحتهما: رفرفة، رفرفة، رفرفة. وركضتا على الطين الجافّ: رفرفة، رفرفة، رفرفة. ثمّ ارتفعتا!
إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى الأعلى!
ارتفعت قدما كاشف عن الأرض، وتقلّبت بطنه. وصغرت البركة تحته أكثر فأكثر. صارت الأشجار مثل شجيرات خضراء صغيرة، وصار الطريق مثل خيط بنّيّ رفيع.
كان يطير!
اندفعت الريح على وجهه، والسماء حوله كبيرة زرقاء، والغيوم البيضاء تمرّ مثل خراف منفوشة. كان ذلك أروع شيء حدث له في حياته.
أراد كاشف أن يصيح: «انظروا إليّ! أنا أطير!» لكنّه تذكّر: ولا كلمة واحدة. فأبقى فمه مغلقًا بإحكام.
ثمّ طاروا فوق قرية بيوتها بيضاء وقبابها زرقاء مستديرة.
وفي الأسفل، كان بعض الأطفال يلعبون. رفعوا رؤوسهم، وأشاروا، وبدأوا يضحكون ويصيحون.
نادى ولد: «انظروا! انظروا هناك! سلحفاة تطير!»
وصاحت بنت: «بطّتان تحملان سلحفاة على عود! يا للطرافة! يا للذكاء!»
سمعهم كاشف.
مضحك؟ هو؟ إنّه ليس مضحكًا أبدًا. إنّه يطير! وكانت فكرته أن يأتي معهما! أراد أن يشرح، أراد أن يقول لهم كلّ شيء. أراد أن يقول: «أنا لست مضحكًا! أنا كاشف، أوّل سلحفاة طائرة في الدنيا كلّها!»
فارت الكلمات في داخله، ودفعت ودفعت. لم يستطع أن يحبسها.
ففتح كاشف فمه.
«أنا لستُ...»
ووووش!
انزلق العود من فمه. وسقط كاشف. إلى الأسفل، إلى الأسفل، إلى الأسفل.
صاحت البطّتان: «كاشف!»
ولحسن الحظّ، كان تحتهم تمامًا حقل مزارع. وفي وسط الحقل كومة كبيرة من التبن الذهبيّ الناعم.
فلُمب!
وقع كاشف في وسطها تمامًا. وتطاير التبن في كلّ مكان، واستقرّ على درعه مثل قبّعة منفوشة.
استلقى كاشف هناك يرمش. حرّك أرجله، وحرّك رأسه. لم يُصَب بأيّ أذى.
نزلت نور وندى وحطّتا بجانبه، ترفرفان بقلق.
«كاشف! هل أنت بخير؟»
جلس كاشف ببطء، والتبن يخرج من أذنيه.
وقال: «أنا بخير.» ثمّ نظر إلى الأرض. «أنا آسف. وعدتكما ألّا أقول كلمة. لكنّي فتحت فمي مع ذلك.»
ضمّته البطّتان بجناحيهما الأبيضين الناعمين.
وجاء أطفال القرية راكضين، فرأوا السلحفاة جالسة في التبن، سالمة.
قالت البنت: «أوه، نحن آسفون! لم نقصد أن نُسقطك.»
قال كاشف: «لم يكن ذنبكم. كان ذنبي. لم أحفظ وعدي.»
التقطت ندى العود من جديد وقالت: «البحيرة الزرقاء الكبيرة ما زالت بعيدة. هل تريد أن تحاول مرّة أخرى؟»
أخذ كاشف نفسًا عميقًا. نظر إلى العود، ونظر إلى صديقتيه.
وقال: «نعم. وهذه المرّة، سأبقي فمي مغلقًا. طوال الطريق.»
فأمسكت نور طرفًا، وأمسكت ندى الطرف الآخر. وعضّ كاشف على الوسط: طَق.
وطاروا من جديد. إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى الأعلى.
لوّح الأطفال وهتفوا. أراد كاشف أن يلوّح لهم، لكنّه أبقى فمه مغلقًا بإحكام، وحرّك قدميه الصغيرتين فقط.
طاروا فوق التلال، وفوق الوادي. وأخيرًا رأوها: بحيرة زرقاء كبيرة تتلألأ في الشمس.
حطّت البطّتان بنعومة على حافّتها، وترك كاشف العود.
ثمّ تكلّم. تكلّم وتكلّم وتكلّم، طوال المساء.
ولم تمانع البطّتان أبدًا.


