العودة إلى الحكايات

حكاية

القرد والغَيلم وشجرة التين (من كليلة ودمنة)

القرد والغَيلم وشجرة التين (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، قرب بحر أزرق متلألئ، نمت شجرة تين كبيرة.

كانت أغصانها عريضة مورقة، وأوراقها مثل أيادٍ خضراء. وفي كلّ صيف، تمتلئ بالتين البنفسجيّ الحلو، المستدير الطريّ المليء بالعصير.

في تلك الشجرة عاش قرد اسمه ماهر.

كان لماهر فرو بنّيّ، وذيل طويل ملتفّ، وضحكة تُسمع حتى آخر الشاطئ. كان يقضي أيّامه يتأرجح من غصن إلى غصن، ويأكل التين، ويراقب الأمواج تأتي: شُووو، طَش. شُووو، طَش.

كان سعيدًا. لكنّه أحيانًا كان يشعر بالوحدة قليلًا.

في صباح مشمس، كان ماهر جالسًا على غصن يأكل تينة. فسقطت منه واحدة دون قصد. سقطت إلى الأسفل، إلى الأسفل، ووقعت في الماء: بُلُب.

فأطلّ رأس من بين الأمواج. كان غَيلمًا، أي سلحفاة بحر كبيرة خضراء، له عينان طيّبتان نعسانتان.

قال الغيلم: «أوه!» وشمّ التينة، ثمّ قضم منها. «ممم! هذه لذيذة!»

ضحك ماهر ونادى: «هل تحبّ التين؟»

قال الغيلم: «لم أذقه من قبل. ليس عندنا تين تحت البحر. عندنا أعشاب البحر فقط. أعشاب للفطور، وأعشاب للغداء، وأعشاب للعشاء.»

قال ماهر: «إذن خذ واحدة أخرى!» وقطف تينة كبيرة ناضجة ورماها: بُلُب!

التقطها الغيلم وأكلها بسعادة وقال: «شكرًا! اسمي صُلحة.»

قال القرد: «وأنا ماهر. تعال غدًا، وسأعطيك المزيد.»

وجاء صلحة فعلًا.

في اليوم التالي، والذي بعده، وكلّ يوم طوال الصيف، كان صلحة يسبح إلى شجرة التين. ويرمي له ماهر التين: بُلُب، بُلُب، بُلُب. ويتحدّثان ويضحكان ساعات. كان ماهر يحكي لصلحة عن الطيور ورؤوس الأشجار، وكان صلحة يحكي لماهر عن المرجان والأسماك اللامعة تحت البحر.

لم يعد ماهر وحيدًا. صار عنده صديق عزيز.

لكنّ صلحة كانت له زوجة في البيت تحت البحر، اسمها لولو. ولم تكن لولو سعيدة.

قالت متذمّرة: «أنت دائمًا عند تلك الشجرة. كلّ يوم تسبح بعيدًا، ولم أعد أراك أبدًا.»

كانت لولو تشعر بأنّها متروكة. وعندما نشعر بذلك، تخطر لنا أحيانًا أفكار سخيفة.

قالت لولو: «يا صلحة، سمعت أنّ قلوب القردة حلوة جدًّا، أحلى من التين. أريد قلب قرد. أحضر لي قلب صديقك، وإلّا سأبقى غاضبة إلى الأبد.»

لم تعجب صلحة هذه الفكرة أبدًا. فماهر صديقه. لكنّ لولو ظلّت تطلب وتطلب وتطلب. ولم يعرف صلحة كيف يقول لا.

ففي الصباح التالي، سبح صلحة ببطء إلى شجرة التين، وزعانفه ثقيلة.

نادى ماهر ملوّحًا: «صباح الخير يا صلحة! هذه تينة لك!»

قال صلحة دون أن ينظر إليه تمامًا: «يا ماهر، زوجتي لولو تريد أن تتعرّف عليك. إنّها تقيم حفلة كبيرة في بيتنا تحت البحر. هل تأتي؟»

لمعت عينا ماهر: «حفلة تحت البحر؟ لكنّي لا أعرف السباحة.»

قال صلحة: «تركب على ظهري، وأنا أحملك.»

صفّق ماهر بيديه، وقفز من الشجرة، وتسلّق على درع صلحة الأخضر الكبير وقال: «يا لها من مغامرة!»

بدأ صلحة يسبح: شُوش، شُوش. بعيدًا عن الشاطئ، وبعد الصخور، إلى البحر الأزرق العميق.

تمسّك ماهر بقوّة، وضحك والأمواج ترشّ أصابع قدميه.

لكنّ صلحة كان صامتًا جدًّا. وفي وسط البحر، توقّف عن السباحة، وطفا يتمايل صعودًا ونزولًا.

قال بصوت خافت: «يا ماهر، يجب أن أخبرك بشيء. ليست هناك حفلة. زوجتي تريد قلبك. تقول إنّ قلوب القردة أحلى من التين.»

انفتح فم ماهر. كان الماء حوله في كلّ مكان، عميقًا أزرق. لا يستطيع أن يسبح، ولا أن يتسلّق، ولا شجرة يقفز إليها.

ودقّ قلبه: دُق، دُق، دُق.

لكنّ ماهر لم يبكِ، ولم يصرخ. أخذ نفسًا عميقًا، ثمّ فكّر.

ثمّ ضرب جبهته بيده.

وقال: «آه يا صلحة! لماذا لم تخبرني قبل أن نخرج؟ ألا تعرف أنّ القردة لا تحمل قلوبها معها أبدًا؟ نحن نحفظ قلوبنا في البيت، معلّقة في أشجارنا. قلبي الآن هناك في شجرة التين.»

رمش صلحة: «حقًّا؟»

قال ماهر: «طبعًا. إذا كنت تريده، علينا أن نعود لنحضره.»

قال صلحة: «آه. حسنًا، لا بأس.»

فاستدار صلحة: شُوش، شُوش. عائدًا بعد الصخور، نحو الشاطئ، إلى شجرة التين الكبيرة.

وما إن وصلا إلى الشاطئ، حتى قفز ماهر عن درع صلحة، وتسلّق الجذع أسرع من أيّ مرّة في حياته. إلى الأعلى، إلى الأعلى، حتى أعلى غصن.

ثمّ جلس وضحك وضحك.

نادى صلحة من الماء: «يا ماهر؟ هل تحضر قلبك؟»

نادى ماهر من فوق: «قلبي هنا في داخلي، حيث كان دائمًا. كلّ قرد يحمل قلبه في داخله. تمامًا مثل كلّ غيلم.»

احمرّ وجه صلحة، ونظر إلى الماء وقال بهدوء: «آه. لقد خدعتني.»

قال ماهر: «وأنت خدعتني أوّلًا.»

طفا صلحة هناك وقتًا طويلًا. فكّر في كلّ الأيّام السعيدة، وكلّ التين، وكلّ الضحك. وشعر بالأسف الشديد.

وقال أخيرًا: «يا ماهر، ما كان يجب أن أستمع لتلك الفكرة السخيفة. كان يجب أن أقول لا. أنت أعزّ أصدقائي، وأنا آسف.»

نظر إليه ماهر، ورأى أنّه صادق.

قال ماهر: «أسامحك. لكن في المرّة القادمة، عندما يطلب منك أحد أن تفعل شيئًا غير لطيف، كن شجاعًا وقل لا. حتى لو كان ذلك صعبًا.»

قال صلحة: «سأفعل. أعدك.»

ثمّ قطف ماهر تينة كبيرة ناضجة، ثمّ أخرى، وأخرى، حتى امتلأت ذراعاه.

وقال وهو يرميها: «خذ هذه إلى لولو.» بُلُب، بُلُب، بُلُب. «قل لها إنّها منّي. ربّما هي تحتاج إلى صديق فقط.»

حمل صلحة التين إلى البيت. ذاقت لولو واحدة، ثمّ أخرى، ثمّ ابتسمت أوّل ابتسامة منذ أسابيع.

وقالت: «ربّما أستطيع أن آتي وأتعرّف على هذا القرد.»

وفي الصباح التالي، سبح غيلمان إلى شجرة التين. ورمى لهما ماهر التين معًا.

بُلُب، بُلُب، بُلُب.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

جود والخريطة المرسومة على منديل ورقيّ
جود والخريطة المرسومة على منديل ورقيّ

في الصباح الأوّل من العطلة المدرسيّة، جلست جود وابن عمّها الصغير طارق إلى مائدة فطور جدّي عادل في ال...

المسافر وحساء الحجر العجيب
المسافر وحساء الحجر العجيب

تُروى هذه الحكاية المرحة في كل أنحاء أوروبا، في فرنسا والبرتغال والسويد وبلاد أخرى كثيرة. كل بلد يرو...

إيفو البوم الصغير وتهويدة الصباح
إيفو البوم الصغير وتهويدة الصباح

كان إيفو بومًا صغيرًا، ريشه رماديّ منفوش، وعيناه ذهبيّتان مستديرتان، وفوق رأسه خُصلتان صغيرتان واقفت...