العودة إلى الحكايات

حكاية

الأرنب الذكيّ والأسد في البئر (من كليلة ودمنة)

الأرنب الذكيّ والأسد في البئر (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، في سهل ذهبيّ واسع تنتشر فيه أشجار مسطّحة القمم، عاشت حيوانات كثيرة.

كانت هناك حُمُر وحشيّة مخطّطة، وغزلان رشيقة الأرجل، وخنازير برّية، وسلاحف، وطيور ثرثارة. وكان هناك أرنب بنّيّ صغير، طويل الأذنين، سريع الفكرة.

كانت الحيوانات سعيدة. ترعى في الشمس، وتشرب من النبع البارد، وتلعب معًا في العشب الطويل.

ثمّ، في أحد الأيّام، جاء أسد.

كان كبيرًا عالي الصوت، ومتسلّطًا جدًّا جدًّا. له لبدة ذهبية ضخمة منفوشة في كلّ اتّجاه، وأعلى زئير سمعه أحد.

زأر: «أنا ملك هذا السهل الآن! كلّ شيء هنا لي!»

وهدر الأسد: «من الآن فصاعدًا، كلّ يوم، يجب أن يأتي واحد منكم إلى كهفي ليخدمني. تروّحون عليّ بالأوراق عندما أشعر بالحرّ، وتحضرون لي أعذب الماء، وتحكّون ظهري، وتمشّطون لبدتي، وتقولون لي كم أنا رائع. طوال النهار!»

نظرت الحيوانات بعضها إلى بعض بضيق. بدا ذلك عملًا متعبًا جدًّا. ولم يبدُ أنّ الأسد سيقول شكرًا أبدًا.

وزمجر الأسد: «وإن لم يأتِ أحد، سأدبّ وأزأر في السهل كلّه، كلّ يوم، طوال النهار، حتى لا يستطيع أحد أن يرتاح أبدًا!»

فعقدت الحيوانات اجتماعًا تحت الشجرة الكبيرة.

تنهّد الحمار الوحشيّ: «ماذا نستطيع أن نفعل؟»

وقالت السلحفاة العجوز بحزن: «سنتناوب.»

وهذا ما فعلوه.

في يوم الاثنين، ذهب الحمار الوحشيّ. روّح على الأسد بالأوراق حتى ارتجفت ساقاه.

وفي يوم الأربعاء، ذهب الخنزير البرّيّ. مشّط لبدة الأسد حتى آلمته حوافره الصغيرة. ولم يقل الأسد إلّا متذمّرًا: «ليس هكذا! أعِد من جديد!»

وكلّ مساء، كان الحيوان يعود إلى بيته متعبًا مهمومًا. ولم يقل الأسد شكرًا أبدًا، ولا مرّة واحدة.

ثمّ، في صباح أحد الأيّام، جاء دور الأرنب.

تدلّت أذنا الأرنب الطويلتان: «يا ويلي، يوم كامل أحكّ ظهر ذلك الأسد المتذمّر.»

لكنّ أذنيه ارتفعتا من جديد. وارتعش أنفه، وبدأت عيناه تلمعان.

وقال: «لحظة. خطرت لي فكرة.»

فلم يسرع الأرنب إلى كهف الأسد. بل أخذ وقته. قضم بعض البرسيم، وقفز ببطء في الطريق، وتوقّف ليشمّ الأزهار.

وعندما وصل إلى الكهف، كانت الشمس قد ارتفعت في السماء.

كان الأسد يذرع المكان جيئة وذهابًا، وذيله يتأرجح، ولبدته منكوشة.

زأر الأسد: «أنت! تأخّرت! تأخّرت كثيرًا! وأنت صغير جدًّا! أين كنت؟»

انحنى الأرنب انحناءة عميقة: «يا جلالة الملك، أنا آسف جدًّا. لم يكن ذنبي. كنت في طريقي إليك، فقابلت أسدًا آخر.»

توقّف الأسد عن المشي: «أسدًا آخر؟»

قال الأرنب وهو يهزّ رأسه بجدّية: «نعم. أسدًا كبيرًا، له لبدة ذهبية عظيمة. أوقفني في الطريق وقال: إلى أين أنت ذاهب أيّها الأرنب الصغير؟ فقلت: أنا ذاهب لأخدم ملك السهل.»

سأل الأسد وهو يقترب: «وماذا قال؟»

قال الأرنب: «ضحك، وقال: ليس هنا ملك غيري! أنا أكبر، وأعلى صوتًا، ولبدتي أكثر انتفاشًا!»

اتّسعت عينا الأسد، وانتصبت لبدته أكثر. زأر: «أكثر انتفاشًا؟ لا لبدة أكثر انتفاشًا من لبدتي! أين هذا الأسد الآخر؟ خذني إليه حالًا!»

قال الأرنب: «اتبعني يا جلالة الملك.» وقفز في الطريق.

ودبّ الأسد وراءه: دَب، دَب، دَب.

قاد الأرنب الأسد عبر العشب الذهبيّ. مرّا بالشجرة الكبيرة المسطّحة، وبالصخور المغبرّة. حتى وصلا إلى بئر حجرية قديمة، مستديرة عميقة، في قاعها ماء بارد صافٍ.

همس الأرنب وهو يشير: «إنّه يسكن هناك، في البئر. احذر، إنّه شرس جدًّا.»

ثمّ قفز الأرنب خلف صخرة كبيرة، وأطلّ منها.

مشى الأسد إلى البئر، ووضع مخلبيه الكبيرين على حافّتها الحجرية. وانحنى ونظر إلى الماء.

وهناك، ينظر إليه من الأسفل، كان أسد! أسد كبير له لبدة ذهبية عظيمة، وعينان واسعتان، وفم مفتوح.

زأر الأسد: «إذن أنت هنا!»

وفتح الأسد الذي في الماء فمه أيضًا. ومن أعماق البئر خرج زئير: «...أنت هنا!» وتردّد الصدى على الجدران الحجرية، دورة بعد دورة.

قفز الأسد إلى الوراء، واتّسعت عيناه أكثر.

ثمّ انحنى من جديد، ببطء، وصنع وجهًا شرسًا.

فصنع الأسد الذي في الماء الوجه الشرس نفسه.

هزّ لبدته، فهزّ الأسد الذي في الماء لبدته أيضًا.

قال الأسد: «غرررر!»

وقالت البئر: «...غرررر! غرررر! غرررر!»

انخفضت أذنا الأسد، والتفّ ذيله بين ساقيه. ذلك الأسد هناك كان بحجمه تمامًا، وبصوته العالي تمامًا. ولبدته حقًّا منفوشة مثل لبدته.

قال الأسد بصوت صغير: «يا إلهي. يا إلهي، يا إلهي.»

ولأوّل مرّة في حياته، شعر الأسد الكبير المتسلّط بما يشعر به من يتسلّط عليه أحد. ولم يعجبه ذلك أبدًا.

تراجع عن البئر: خطوة، خطوة، خطوة.

ثمّ استدار وركض. ركض عبر السهل الذهبيّ، وبجانب الأشجار المسطّحة، وفوق التلال، بعيدًا بعيدًا.

ولم يعد أبدًا ليتسلّط على أحد في ذلك السهل.

قفز الأرنب من خلف الصخرة، وأطلّ من حافّة البئر. في الأسفل، كان أرنب بنّيّ صغير طويل الأذنين ينظر إليه.

ضحك الأرنب ولوّح، فلوّح له الأرنب الذي في الماء.

في ذلك المساء، اجتمعت الحيوانات كلّها تحت الشجرة الكبيرة.

صاحت: «يا أرنب! أين الأسد؟ ماذا حدث؟»

حكى لهم الأرنب القصّة كلّها. ضحك الحمار الوحشيّ حتى وقع. وقفز الغزال في الهواء. وشخر الخنزير البرّيّ فرحًا. وابتسمت السلحفاة العجوز أكبر ابتسامة وأبطأها.

قالت السلحفاة: «أنت صغير جدًّا، ومع ذلك كنت أشجع منّا جميعًا وأذكى.»

في تلك الليلة، أقامت الحيوانات حفلة. أكلت العشب الحلو، وشربت من النبع البارد، ولعبت في العشب الطويل تحت النجوم.

ولم يضطرّ أحد منها أن يحكّ ظهر أحد.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

أَكْمِلْ بِالتّاءِ المَرْبوطَةِ: مَدينَةُ التّاءِ المَرْبوطَةِ
أَكْمِلْ بِالتّاءِ المَرْبوطَةِ: مَدينَةُ التّاءِ المَرْبوطَةِ

اُكْتُبِ التّاءَ المَرْبوطَةَ في المُرَبَّعِ في آخِرِ كُلِّ كَلِمَةٍ، ثُمَّ اقْرَأْها. الإِجاباتُ في...

صفحة تلوين: الحمامة المطوّقة وأصدقاؤها
صفحة تلوين: الحمامة المطوّقة وأصدقاؤها

صفحة تلوين من حكاية الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة. اطبع الصفحة ولوّن الحمامات والفأر الطيب والغرا...

رانيا تتساءل: لماذا يلحق القمر بسيّارتنا؟
رانيا تتساءل: لماذا يلحق القمر بسيّارتنا؟

كان الوقت متأخّرًا في المساء، وكانت عائلة رانيا عائدة بالسيّارة من بيت خالتها في الريف. كانت راني...