العودة إلى الحكايات

حكاية

راكان وأربطة الحذاء التي تنحلّ دائمًا

راكان وأربطة الحذاء التي تنحلّ دائمًا
كان عند راكان حذاء جديد. أزرق، على كلّ جانب منه خطّ أخضر لامع، ونعله أبيض سميك يرتدّ حين يقفز. كان أجمل حذاء امتلكه في حياته.

لكن كانت هناك مشكلة واحدة. كان له أربطة.

حذاء راكان القديم كان بأشرطة لاصقة، تصدر «ررريب» حين يفتحها، و«سكرتش» حين يضغطها. سهل جدًّا. أمّا هذا الحذاء الجديد فله أربطة بيضاء طويلة، في طرفها رأس بلاستيكيّ صغير، وتتمايل هنا وهناك مثل دودتين ناعستين.

قال راكان صباح الأحد: «ماما، هل تربطين حذائي؟»

جثت ماما وربطته بعقدتين أنيقتين. أصابعها تتحرّك: لفّة، دورة، شدّة، بسرعة كبيرة حتّى إنّ راكان لم يستطع أن يرى كيف فعلت ذلك.

في المدرسة، ركض راكان في الساحة. قفز عن السور المنخفض. سابق صديقه غيث إلى السياج ورجع. وحين نظر إلى قدميه، كان الرباطان يزحفان في الغبار.

قال: «يا معلّمة سوسن، هل تربطين حذائي؟»

ربطته المعلّمة سوسن: لفّة، دورة، شدّة.

بعد الغداء انحلّ من جديد، فربطته أخت غيث الكبرى. وبعد رحلة الحافلة إلى البيت انحلّ من جديد، فربطه جدّه، ببطء، مع أنّة صغيرة وهو ينحني.

في ذلك المساء، جلس راكان على أسفل الدرج وعبس في وجه حذائه.

قال: «الجميع يربطون حذائي. طوال النهار. أريد أن أفعلها بنفسي.»

جلس بابا على الدرجة بجانبه. «إذن لنتعلّم. لكن عليّ أن أحذّرك. الأربطة صعبة. لا أحد ينجح من أوّل مرّة.»

قال راكان: «أنا سأنجح.»

أراه بابا. «أوّلًا، نصالب الرباطين مثل حرف X. ثمّ ندسّ واحدًا تحت الآخر ونشدّ، فيعانقان بعضهما.»

صالب راكان الرباطين. دسّ واحدًا تحت الآخر. شدّ. فتعانقا. «فعلتها!»

قال بابا: «هذه الخطوة الأولى. والآن اصنع حلقة بأحد الرباطين. مثل أذن أرنب.»

صنع راكان حلقة. كانت رخوة مائلة، لكنّها حلقة.

«والآن لفّ الرباط الآخر حول أذن الأرنب، وادفعه من الفتحة الصغيرة تحتها، لتصنع أذنًا ثانية. ثمّ شُدّ الأذنين بقوّة.»

لفّ راكان. دفع. انزلق الرباط من بين أصابعه. سقطت أذن الأرنب. وانحلّ كلّ شيء.

قال بابا: «المحاولة الأولى.»

حاول راكان من جديد. هذه المرّة مرّ الرباط الثاني من الفتحة، لكن حين شدّ الأذنين، انزلقتا كلتاهما، وبقي في يده رباطان مستقيمان.

قال بابا بهدوء: «المحاولة الثانية.»

في المحاولة الثالثة كانت الحلقة الأولى صغيرة جدًّا فاختفت. وفي الرابعة شدّ الطرف الخطأ. وفي الخامسة صنع عقدة مشدودة متشابكة، حتّى اضطرّ بابا أن يفكّها بأظافره، وأخذ ذلك وقتًا طويلًا.

احمرّ وجه راكان. شعر أنّ أصابعه خرقاء، كأنّها تلبس قفّازات.

قال: «لا فائدة!» ورمى حذاءه عبر الممرّ. ارتطم بالباب: طَب! «أصابعي لا تعرف كيف.»

لم يغضب بابا. ذهب والتقط الحذاء، وجلس على الدرجة من جديد.

قال: «أتعرف بماذا كنت أفكّر؟ حين كنت رضيعًا، حاولت أن تمشي. وقفت ووقعت. وقفت ووقعت. أتعرف كم مرّة؟»

هزّ راكان رأسه.

قال بابا: «مئات المرّات. كلّ يوم. كنت تقع على مؤخّرتك، بُف، فتضحك وتحاول من جديد. ولم ترمِ قدمك عبر الممرّ ولا مرّة واحدة!»

لم يستطع راكان إلّا أن يضحك.

قال بابا: «أصابعك لا تعرف كيف بعد. الأصابع تتعلّم مثلما تتعلّم الأقدام. محاولة بعد محاولة.»

أخذ راكان نفسًا عميقًا، والتقط الحذاء ووضعه في حِجره.

سأل: «هل أستطيع أن أتدرّب ببطء؟»

قال بابا: «ببطء كما تشاء.»

صالب راكان الرباطين. دسّ واحدًا تحت الآخر. شدّ. صنع أذن أرنب وأمسكها جيّدًا بين إصبعه وإبهامه، حتّى لا تهرب. ثمّ، ببطء شديد، لفّ الرباط الآخر حولها.

همس، وهو يؤلّف الكلمات وهو يعمل: «الأرنب يركض حول الشجرة، ويقفز في الحفرة.»

دفع الرباط من الفتحة. قرصه. شدّ الأذنين، بلطف أوّلًا، ثمّ بقوّة أكبر.

وثبتتا.

هناك، فوق الحذاء، جلست عقدة على شكل فراشة. كانت مائلة قليلًا. وإحدى الأذنين أطول بكثير من الأخرى. لكنّها عقدة، وبقيت مكانها.

قال راكان وعيناه واسعتان جدًّا: «المحاولة السادسة! نجحت في المحاولة السادسة!»

قال بابا: «نجحت!» وصفّق كفّه بكفّ راكان أكبر تصفيقة في تاريخ الدرج.

فكّها راكان فورًا وأعادها. أخذ ذلك وقتًا طويلًا، وسقطت إحدى الأذنين، لكنّها نجحت. وأعادها مرّة ثالثة، وهو يهمس: «الأرنب يركض حول الشجرة، ويقفز في الحفرة.» وقبل وقت النوم كان قد ربط حذاءه إحدى عشرة مرّة. وكان جدّه يراقبه من كرسيّه ويصفّق في كلّ مرّة.

في الصباح التالي، لبس راكان حذاءه الأزرق وربطه بنفسه، ببطء، ولسانه يطلّ من زاوية فمه. وانتظرت ماما عند الباب ومفاتيح السيّارة في يدها، ولم تستعجله ولا مرّة.

في المدرسة، ركض راكان في الساحة. قفز عن السور المنخفض. سابق غيث إلى السياج ورجع. وحين نظر إلى قدميه، كان أحد الرباطين يزحف في الغبار.

لكنّه هذه المرّة لم يذهب يبحث عن المعلّمة سوسن. جثا هناك عند السياج وربطه، وهو يهمس بكلمات الأرنب.

نظر غيث وفمه مفتوح. «أتعرف ربط الأربطة؟»

قال راكان: «منذ البارحة. في المحاولة السادسة.»

نظر غيث إلى حذائه، وكان بأشرطة لاصقة. ثمّ نظر إلى عقدة راكان الأنيقة المائلة.

سأله: «هل تعلّمني؟»

ابتسم راكان، وجلس على العشب بجانب صديقه.

قال: «حسنًا. لكن عليّ أن أحذّرك. الأربطة صعبة. لا أحد ينجح من أوّل مرّة.»
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام والنار التي صارت بردًا وسلامًا
قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام والنار التي صارت بردًا وسلامًا

منذ زمن بعيد، في بلد فيه أسواق مزدحمة وأبنية عالية، عاش شاب اسمه إبراهيم عليه السلام. كان قوم إبر...

رانيا تتساءل: لماذا يلحق القمر بسيّارتنا؟
رانيا تتساءل: لماذا يلحق القمر بسيّارتنا؟

كان الوقت متأخّرًا في المساء، وكانت عائلة رانيا عائدة بالسيّارة من بيت خالتها في الريف. كانت راني...

السمكات الثلاث في بركة الزنبق (من كليلة ودمنة)
السمكات الثلاث في بركة الزنبق (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في وادٍ أخضر هادئ، كانت هناك بركة صغيرة. كان ماؤها صافيًا باردًا. تطفو فوقه أزهار...