حكاية
حصّة ترى الثلج أوّل مرّة في بيت جدّها هيثم الجبليّ
عاشت حصّة طوال عمرها في مدينة على البحر، صيفها حارّ وشتاؤها معتدل مشمس. رأت النخيل والكثبان والماء الأزرق اللامع. لكنّها لم ترَ الثلج أبدًا، أبدًا.
فحين قالت ماما: «هذا الشتاء سنزور جدّك هيثم في الجبال»، قفزت حصّة بقوّة حتّى خشخشت الصحون.
سألت: «هل سيكون هناك ثلج؟»
قالت ماما: «ربّما. الثلج مثل قطّة خجولة. يأتي حين يريد هو.»
سافروا بالطائرة، ثمّ ركبوا السيّارة وقتًا طويلًا على طريق يصعد ويصعد، ويلتفّ ويلتفّ، بين أشجار صنوبر خضراء داكنة. صار الهواء أبرد. وصنع نَفَس حصّة غيمة صغيرة على زجاج السيّارة، فرسمت فيها وجهًا مبتسمًا بإصبعها.
كان بيت الجدّ هيثم صغيرًا من الحجر الرماديّ، سقفه أحمر، ومدخنته تنفث الدخان مثل تنّين ناعس. وقف الجدّ عند الباب بكنزة بنّيّة سميكة. كان له حاجبان أبيضان كثيفان، وأدفأ يدين في الدنيا.
قال: «أهلًا، أهلًا يا لؤلؤتي الصغيرة!» وعانق حصّة بقوّة حتّى ارتفعت قدماها عن الأرض.
في الداخل كانت نار تطقطق في موقد حجريّ كبير. وكان البيت يفوح برائحة الحطب والقرفة والبرتقال.
قالت حصّة: «جدّي، هل سيتساقط الثلج؟»
اقترب الجدّ من النافذة وتشمّم الهواء مثل كلب عجوز حكيم. «همم. الغيوم ثقيلة رماديّة. والهواء رائحته باردة نظيفة. ربّما الليلة.»
لم تستطع حصّة أن تنتظر الليل. ألصقت أنفها بالنافذة الباردة. راقبت الغيوم الرماديّة. راقبت الأغصان العارية. وسألت «هل بدأ الثلج؟» مرّات كثيرة حتّى ضحكت ماما وأعطتها أحجية صور لتركّبها.
لكنّ الثلج لم يأتِ. لا وقت العشاء. ولا أثناء الحكاية التي رواها الجدّ عند الموقد. ولا حين نظّفت حصّة أسنانها.
ذكّرتها ماما وهي تدثّرها في سرير كبير مكوّم بالبطّانيّات: «الثلج مثل قطّة خجولة. لا نستطيع أن نستعجله.»
تنهّدت حصّة. استلقت تحت البطّانيّات الثقيلة، وأصغت إلى النار تطقطق في الأسفل. وببطء أُغمضت عيناها.
وفي الصباح، كان شيء ما مختلفًا.
كان الضوء الداخل من الستائر غريبًا. ساطعًا لكن ناعمًا، وأبيض جدًّا. وكان البيت هادئًا هدوءًا جديدًا، كأنّ العالم كلّه يحبس أنفاسه.
قفزت حصّة من السرير وفتحت الستائر.
وهمست: «أوه!»
كان كلّ شيء أبيض.
الحديقة بيضاء. السور الحجريّ أبيض. أشجار الصنوبر تلبس معاطف بيضاء سميكة على كلّ غصن. وسقف المخزن الأحمر اختفى تحت وسادة بيضاء منفوخة. ومن السماء الشاحبة، ما زالت ندف بيضاء صغيرة تهبط ببطء ولطف، تدور وترقص وهي تسقط.
«ماما! جدّي! إنّه يثلج!»
ركضت إلى الأسفل بملابس النوم. كان الجدّ ينتظر عند الباب ومعه كومة من الملابس الدافئة.
ضحك: «على مهلك يا لؤلؤتي. الثلج بارد. أوّلًا نلبس مثل البصلة، طبقة فوق طبقة.»
لبست حصّة جوارب سميكة، وزوجًا آخر من الجوارب. ثمّ كنزة، ثمّ معطفًا. ثمّ قبّعة صوفيّة لها كرة منفوشة. ثمّ قفّازين استعارهما الجدّ من ابنة الجيران. ثمّ وشاحًا أحمر طويلًا. حتّى إنّها بالكاد تستطيع أن تثني ذراعيها.
فتح الجدّ الباب.
اندفع هواء بارد منعش حادّ، فدغدغ أنف حصّة. خطت خطوة واحدة حذرة إلى الخارج.
كرنش.
غاص حذاؤها في الثلج. أصدر صوتًا ناعمًا يصرّ ويقرمش، مثل الدوس على كيس سكّر. خطت خطوة أخرى. كرنش. وأخرى. كرنش، كرنش، كرنش. ونظرت خلفها فرأت آثار قدميها تتبعها، مرتّبة وعميقة.
حطّت ندفة ثلج على قفّازها. ثبتت حصّة تمامًا ونظرت إليها. لم تكن نقطة بيضاء فقط. كانت نجمة صغيرة جدًّا، لها ستّة أذرع رقيقة، على كلّ ذراع فروع أصغر وأصغر، مثل الدانتيل. ثمّ، وهي تنظر، ذابت فصارت قطرة ماء.
همست حصّة: «جدّي، كلّ ندفة ثلج نجمة صغيرة.»
قال الجدّ: «كلّ واحدة منها. ولا تتشابه ندفتان أبدًا.»
رفعت حصّة رأسها وفتحت فمها. حطّت الندف على لسانها، باردة خفيفة، ثمّ اختفت. لم يكن لها طعم أبدًا، وكان لها طعم السماء أيضًا.
ثمّ جمعت حفنة من الثلج. كانت باردة حتّى من خلال القفّاز. ضغطتها، فصارت كرة.
سألت: «هل نصنع رجل ثلج؟»
دحرجوا كرة كبيرة للأسفل، يدفعونها في الحديقة حتّى سمنت وثقلت، وتركت خلفها طريقًا أخضر في الثلج. ودحرجوا كرة للوسط، ورفعها الجدّ إلى الأعلى مع أنّة. ودحرجت حصّة الرأس بنفسها. كان فيه بعض النتوءات، لكنّه كان مثاليًّا.
أحضرت ماما حبّتي زيتون أسود للعينين، وجزرة للأنف. ووجدت حصّة أكواز صنوبر للأزرار. وخلع الجدّ وشاحه البنّيّ ولفّه حول عنق رجل الثلج.
سأل الجدّ: «ماذا نسمّيه؟»
فكّرت حصّة. «بَحر. لأنّه أوّل رجل ثلج لي، وأنا جئت من البحر.»
وقفوا إلى الوراء يتأمّلون بحرًا. كان وسيمًا جدًّا بوشاحه البنّيّ.
ثمّ لاحظت حصّة شيئًا. أصابع قدميها باردة. أنفها أحمر. وخدّاها متيبّسان كأنّهما مدهونان.
قالت: «جدّي، الثلج رائع، لكنّني أظنّ أنّني أتحوّل إلى رجل ثلج أنا أيضًا.»
ضحك الجدّ ضحكته الكبيرة الدافئة. «إذن حان وقت أجمل ما في الثلج.»
«وما هو؟»
«العودة إلى الداخل.»
دقّوا أحذيتهم على العتبة، وخلعوا الطبقات كلّها، واحدة بعد واحدة. وصنع الجدّ حليبًا ساخنًا بالعسل ورشّة قرفة. وجلست حصّة عند النار المطقطقة، وبطّانيّة على كتفيها، وأصابع قدميها تدفأ ببطء، ورديّة تنمّل.
ومن النافذة كانت ترى بحرًا واقفًا بفخر في الحديقة، والندف ما زالت تحطّ بلطف على عينيه الزيتونيّتين.
قالت حصّة وهي ترشف حليبها: «جدّي، الثلج كان يستحقّ الانتظار.»
ابتسم الجدّ ووضع حطبة أخرى في النار. «أجمل الأشياء تستحقّ الانتظار عادةً يا لؤلؤتي.»
فحين قالت ماما: «هذا الشتاء سنزور جدّك هيثم في الجبال»، قفزت حصّة بقوّة حتّى خشخشت الصحون.
سألت: «هل سيكون هناك ثلج؟»
قالت ماما: «ربّما. الثلج مثل قطّة خجولة. يأتي حين يريد هو.»
سافروا بالطائرة، ثمّ ركبوا السيّارة وقتًا طويلًا على طريق يصعد ويصعد، ويلتفّ ويلتفّ، بين أشجار صنوبر خضراء داكنة. صار الهواء أبرد. وصنع نَفَس حصّة غيمة صغيرة على زجاج السيّارة، فرسمت فيها وجهًا مبتسمًا بإصبعها.
كان بيت الجدّ هيثم صغيرًا من الحجر الرماديّ، سقفه أحمر، ومدخنته تنفث الدخان مثل تنّين ناعس. وقف الجدّ عند الباب بكنزة بنّيّة سميكة. كان له حاجبان أبيضان كثيفان، وأدفأ يدين في الدنيا.
قال: «أهلًا، أهلًا يا لؤلؤتي الصغيرة!» وعانق حصّة بقوّة حتّى ارتفعت قدماها عن الأرض.
في الداخل كانت نار تطقطق في موقد حجريّ كبير. وكان البيت يفوح برائحة الحطب والقرفة والبرتقال.
قالت حصّة: «جدّي، هل سيتساقط الثلج؟»
اقترب الجدّ من النافذة وتشمّم الهواء مثل كلب عجوز حكيم. «همم. الغيوم ثقيلة رماديّة. والهواء رائحته باردة نظيفة. ربّما الليلة.»
لم تستطع حصّة أن تنتظر الليل. ألصقت أنفها بالنافذة الباردة. راقبت الغيوم الرماديّة. راقبت الأغصان العارية. وسألت «هل بدأ الثلج؟» مرّات كثيرة حتّى ضحكت ماما وأعطتها أحجية صور لتركّبها.
لكنّ الثلج لم يأتِ. لا وقت العشاء. ولا أثناء الحكاية التي رواها الجدّ عند الموقد. ولا حين نظّفت حصّة أسنانها.
ذكّرتها ماما وهي تدثّرها في سرير كبير مكوّم بالبطّانيّات: «الثلج مثل قطّة خجولة. لا نستطيع أن نستعجله.»
تنهّدت حصّة. استلقت تحت البطّانيّات الثقيلة، وأصغت إلى النار تطقطق في الأسفل. وببطء أُغمضت عيناها.
وفي الصباح، كان شيء ما مختلفًا.
كان الضوء الداخل من الستائر غريبًا. ساطعًا لكن ناعمًا، وأبيض جدًّا. وكان البيت هادئًا هدوءًا جديدًا، كأنّ العالم كلّه يحبس أنفاسه.
قفزت حصّة من السرير وفتحت الستائر.
وهمست: «أوه!»
كان كلّ شيء أبيض.
الحديقة بيضاء. السور الحجريّ أبيض. أشجار الصنوبر تلبس معاطف بيضاء سميكة على كلّ غصن. وسقف المخزن الأحمر اختفى تحت وسادة بيضاء منفوخة. ومن السماء الشاحبة، ما زالت ندف بيضاء صغيرة تهبط ببطء ولطف، تدور وترقص وهي تسقط.
«ماما! جدّي! إنّه يثلج!»
ركضت إلى الأسفل بملابس النوم. كان الجدّ ينتظر عند الباب ومعه كومة من الملابس الدافئة.
ضحك: «على مهلك يا لؤلؤتي. الثلج بارد. أوّلًا نلبس مثل البصلة، طبقة فوق طبقة.»
لبست حصّة جوارب سميكة، وزوجًا آخر من الجوارب. ثمّ كنزة، ثمّ معطفًا. ثمّ قبّعة صوفيّة لها كرة منفوشة. ثمّ قفّازين استعارهما الجدّ من ابنة الجيران. ثمّ وشاحًا أحمر طويلًا. حتّى إنّها بالكاد تستطيع أن تثني ذراعيها.
فتح الجدّ الباب.
اندفع هواء بارد منعش حادّ، فدغدغ أنف حصّة. خطت خطوة واحدة حذرة إلى الخارج.
كرنش.
غاص حذاؤها في الثلج. أصدر صوتًا ناعمًا يصرّ ويقرمش، مثل الدوس على كيس سكّر. خطت خطوة أخرى. كرنش. وأخرى. كرنش، كرنش، كرنش. ونظرت خلفها فرأت آثار قدميها تتبعها، مرتّبة وعميقة.
حطّت ندفة ثلج على قفّازها. ثبتت حصّة تمامًا ونظرت إليها. لم تكن نقطة بيضاء فقط. كانت نجمة صغيرة جدًّا، لها ستّة أذرع رقيقة، على كلّ ذراع فروع أصغر وأصغر، مثل الدانتيل. ثمّ، وهي تنظر، ذابت فصارت قطرة ماء.
همست حصّة: «جدّي، كلّ ندفة ثلج نجمة صغيرة.»
قال الجدّ: «كلّ واحدة منها. ولا تتشابه ندفتان أبدًا.»
رفعت حصّة رأسها وفتحت فمها. حطّت الندف على لسانها، باردة خفيفة، ثمّ اختفت. لم يكن لها طعم أبدًا، وكان لها طعم السماء أيضًا.
ثمّ جمعت حفنة من الثلج. كانت باردة حتّى من خلال القفّاز. ضغطتها، فصارت كرة.
سألت: «هل نصنع رجل ثلج؟»
دحرجوا كرة كبيرة للأسفل، يدفعونها في الحديقة حتّى سمنت وثقلت، وتركت خلفها طريقًا أخضر في الثلج. ودحرجوا كرة للوسط، ورفعها الجدّ إلى الأعلى مع أنّة. ودحرجت حصّة الرأس بنفسها. كان فيه بعض النتوءات، لكنّه كان مثاليًّا.
أحضرت ماما حبّتي زيتون أسود للعينين، وجزرة للأنف. ووجدت حصّة أكواز صنوبر للأزرار. وخلع الجدّ وشاحه البنّيّ ولفّه حول عنق رجل الثلج.
سأل الجدّ: «ماذا نسمّيه؟»
فكّرت حصّة. «بَحر. لأنّه أوّل رجل ثلج لي، وأنا جئت من البحر.»
وقفوا إلى الوراء يتأمّلون بحرًا. كان وسيمًا جدًّا بوشاحه البنّيّ.
ثمّ لاحظت حصّة شيئًا. أصابع قدميها باردة. أنفها أحمر. وخدّاها متيبّسان كأنّهما مدهونان.
قالت: «جدّي، الثلج رائع، لكنّني أظنّ أنّني أتحوّل إلى رجل ثلج أنا أيضًا.»
ضحك الجدّ ضحكته الكبيرة الدافئة. «إذن حان وقت أجمل ما في الثلج.»
«وما هو؟»
«العودة إلى الداخل.»
دقّوا أحذيتهم على العتبة، وخلعوا الطبقات كلّها، واحدة بعد واحدة. وصنع الجدّ حليبًا ساخنًا بالعسل ورشّة قرفة. وجلست حصّة عند النار المطقطقة، وبطّانيّة على كتفيها، وأصابع قدميها تدفأ ببطء، ورديّة تنمّل.
ومن النافذة كانت ترى بحرًا واقفًا بفخر في الحديقة، والندف ما زالت تحطّ بلطف على عينيه الزيتونيّتين.
قالت حصّة وهي ترشف حليبها: «جدّي، الثلج كان يستحقّ الانتظار.»
ابتسم الجدّ ووضع حطبة أخرى في النار. «أجمل الأشياء تستحقّ الانتظار عادةً يا لؤلؤتي.»


