العودة إلى الحكايات

حكاية

تالين تزور خلايا الخال هلال وتتذوّق العسل من الشهد

تالين تزور خلايا الخال هلال وتتذوّق العسل من الشهد
كانت تالين تحبّ العسل. تحبّه على الخبز الدافئ في الصباح. وتحبّه ممزوجًا بحليبها في الليل. تحبّه كثيرًا حتّى إنّها كانت أحيانًا تلعق الملعقة ثلاث مرّات، لتتأكّد أنّها صارت نظيفة.

لكنّها لم تفكّر يومًا كثيرًا من أين يأتي العسل. يأتي من مرطبان. والمرطبان يأتي من الرفّ. هذا كلّ شيء.

ثمّ في صباح ربيعيّ قالت ماما: «اليوم سنزور الخال هلال. إنّه يربّي النحل.»

قالت تالين: «النحل؟» ورجعت خطوة صغيرة إلى الوراء. «النحل يلسع.»

قالت ماما مبتسمة: «النحل يصنع العسل. سيريك الخال هلال.»

كان الخال هلال يسكن في آخر درب مغبرّ، في بيت أبيض صغير تحيط به أشجار البرتقال والزعتر البرّيّ. كان الهواء حلوًا أخضر فوّاحًا. وفي حقل مشمس خلف البيت، وقف صفّ من الصناديق الخشبيّة، مدهونة بالأزرق والأصفر والأخضر الفاتح، مثل بيوت صغيرة بسطوح مستوية.

ومن حولها كلّها كان هناك صوت. صوت منخفض دافئ مشغول، مثل مئة محرّك صغير.

ززززززز.

أمسكت تالين يد ماما بقوّة.

خرج الخال هلال للقائهما. كان رجلًا طويلًا، وجهه أسمر طيّب، يلبس قبّعة من القشّ، وله يدان كبيرتان لطيفتان. قال: «أهلًا يا تالين! هل جئتِ لتتعرّفي إلى أصدقائي الثلاثين ألفًا؟»

صاحت تالين بصوت رفيع: «ثلاثين ألفًا؟»

قال الخال هلال: «في كلّ صندوق. لا تقلقي. إنّها مشغولة بعملها. لا يهمّها أمرنا، ما دمنا هادئين لطيفين.»

أعطى تالين بدلة خاصّة. كانت بيضاء فضفاضة، لها قبّعة تتدلّى منها شبكة ناعمة أمام الوجه. ولبس الخال واحدة أيضًا. نظرت تالين إلى نفسها في زجاج النافذة وضحكت. كانت تشبه غيمة بيضاء صغيرة لها قدمان.

قال الخال هلال: «والآن، أهمّ قاعدة عند النحل: تحرّكي ببطء. تنفّسي ببطء. النحل يحبّ الضيف الهادئ المسالم.»

مشيا ببطء في الحقل. ارتفع الطنين. كانت النحلات تمرّ مسرعة، مثل خطوط صغيرة ذهبيّة بنّيّة، تدخل وتخرج من باب ضيّق أسفل كلّ صندوق. وعلى أرجل بعضها الخلفيّة كتل صفراء صغيرة.

سألت تالين: «ما هذه؟»

قال الخال هلال: «حبوب اللقاح. يجمعها النحل من الأزهار. ويشرب أيضًا عصيرًا حلوًا من داخل الأزهار اسمه الرحيق، ويحمله إلى البيت في بطنه.»

حطّت نحلة على كمّ تالين. قفز قلبها. أرادت أن تلوّح بذراعيها وتركض. لكنّها تذكّرت القاعدة: تحرّكي ببطء. تنفّسي ببطء.

وقفت ساكنة مثل شجرة. تنفّست إلى الداخل ببطء، وإلى الخارج ببطء.

مشت النحلة بضع خطوات على كمّها. أرجلها الصغيرة تدغدغها من خلال القماش. ونظّفت وجهها بقدميها الأماميّتين، تمامًا مثل قطّة. ثمّ طنّت وطارت نحو الزعتر.

أطلقت تالين نفسًا طويلًا. همست: «لم تلسعني.»

قال الخال هلال: «لأنّك كنت هادئة. كنت ضيفة رائعة.»

نفث الخال هلال قليلًا من الدخان البارد قرب الصندوق الأزرق من علبة صفيح صغيرة، وشرح: «هذا يخبر النحل أنّنا قادمون، فيبقى هادئًا هو أيضًا.» ثمّ رفع السقف، ببطء شديد.

في الداخل، واقفة في صفّ مرتّب، كانت إطارات خشبيّة. رفع الخال واحدًا منها وأمسكه في الشمس.

شهقت تالين.

كان الإطار مغطًّى بنقش جميل من غرف صغيرة جدًّا سداسيّة الأضلاع، كلّها بالشكل نفسه، متلاصقة تمامًا. مئات ومئات منها. بعضها مغلق بغطاء أملس شاحب من الشمع. وبعضها مفتوح، وفي داخله شيء يلمع مثل ذهب سائل.

وعلى الإطار كلّه، كان النحل يمشي ببطء وانشغال، يلمس بعضه بعضًا بقرون الاستشعار.

قال الخال هلال: «هذا هو الشهد. يبنيه النحل من شمع يصنعه بنفسه. ثمّ يملأ كلّ غرفة بالرحيق. ويهوّيه بأجنحته ليلًا ونهارًا، حتّى يصير كثيفًا حلوًا. وعندها يصير عسلًا.»

قالت تالين: «يصنعه كلّه وحده؟»

قال الخال هلال: «كلّه وحده. والنحلة الواحدة، في حياتها كلّها، لا تصنع إلّا قطرة صغيرة من العسل. قدر ما يتّسع على طرف إصبعك.»

نظرت تالين إلى الإطار اللامع، وإلى النحل المشغول كلّه، وفكّرت في المرطبان الكبير على رفّ المطبخ في البيت.

قالت ببطء: «إذن المرطبان الكامل يحتاج آلاف النحلات.»

قال الخال هلال: «آلافًا وآلافًا. تعمل كلّها معًا. وكلّ تلك الأزهار أيضًا. زهر البرتقال، والزعتر، والبرسيم، والخزامى.»

وأعاد الإطار بلطف، شيئًا فشيئًا، حتّى لا تُسحق أيّ نحلة. ثمّ أغلق الصندوق. واستمرّ الطنين، دافئًا ثابتًا.

في البيت خلعا البدلتين البيضاوين. وأحضر الخال هلال صحنًا عليه قطعة مربّعة من الشهد كان قد احتفظ بها من الأسبوع الماضي. كانت تتوهّج ذهبيّة في ضوء النافذة.

قال: «تذوّقي.» وناول تالين ملعقة صغيرة.

ضغطت تالين الملعقة في الشهد. انكسرت غرف الشمع، وسال العسل منها، كثيفًا بطيئًا لامعًا. ووضعته في فمها.

كان أروع شيء تذوّقته في حياتها. حلوًا مثل عسل المرطبان، لكن أكثر. طعمه طعم الشمس وزهر البرتقال، وشيء أخضر عشبيّ، مثل الزعتر في الحقل. وكان الشمع طريًّا يُمضغ، مثل علكة حلوة صغيرة.

قالت تالين وهي تغمض عينيها: «مممم. طعمه مثل الحقل كلّه.»

قال الخال هلال بابتسامة كبيرة: «هذا صحيح تمامًا.»

وحين حان وقت العودة، أعطاهما الخال هلال مرطبان عسل. أمسكته تالين بحرص في حِجرها بيديها الاثنتين، طوال الطريق إلى البيت.

في تلك الليلة، مزجت ماما ملعقة عسل في حليب تالين، كما تفعل دائمًا. لكنّ تالين لم تشربه فورًا. رفعت الملعقة وراقبت العسل يقطر، ذهبيًّا بطيئًا.

همست: «شكرًا أيّها النحل. شكرًا أيّتها الأزهار.»

ثمّ لعقت الملعقة ثلاث مرّات، لتتأكّد أنّها صارت نظيفة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

جود والخريطة المرسومة على منديل ورقيّ
جود والخريطة المرسومة على منديل ورقيّ

في الصباح الأوّل من العطلة المدرسيّة، جلست جود وابن عمّها الصغير طارق إلى مائدة فطور جدّي عادل في ال...

الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)
الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في أرض أشجار الزيتون والتلال الذهبية، عاش سرب من الحمام. كان الحمام رماديًّا ناعم...

عُمَرُ وَنوحٌ وَطائِرَةُ زَعْتَرَ المُلَوَّنَةُ
عُمَرُ وَنوحٌ وَطائِرَةُ زَعْتَرَ المُلَوَّنَةُ

رَكَضَ عُمَرُ وَنوحٌ إِلى الشّاطِئِ وَمَعَهُما طائِرَةٌ وَرَقِيَّةٌ. رَفْرَفْ! حَطَّ عَلَيْها البَبَ...