العودة إلى الحكايات

حكاية

كنان ومشوار الجدّ جواد البطيء إلى المخبز

كنان ومشوار الجدّ جواد البطيء إلى المخبز
في كلّ صباح جمعة، كان كنان وجدّه يمشيان إلى المخبز في آخر شارع الياسمين، ليشتريا خبزًا دافئًا للفطور.

كان كنان في الخامسة، ويحبّ الركض. يركض نازلًا الدرج درجتين درجتين. يركض إلى السيّارة. يركض إلى الحمّام، وأحيانًا يركض راجعًا إلى السرير.

أمّا الجدّ جواد فلا يركض. كان يمشي ببطء، ومعه عصا خشبيّة تقول: طَك، طَك، طَك على الرصيف. كان شعره أبيض ناعمًا، ويلبس سترة صوفيّة رماديّة بأزرار من الجلد، ويتوقّف كثيرًا ليسلّم على الناس.

في هذه الجمعة، كان كنان جائعًا جدًّا.

قال وهو يقفز عند البوّابة: «أسرع يا جدّي! سينفد الخبز!»

قال الجدّ: «الخبز سينتظرنا. لقد انتظرنا دائمًا.»

ركض كنان أمامه إلى الزاوية. ثمّ اضطرّ أن ينتظر. ركض إلى عمود النور. ثمّ اضطرّ أن ينتظر. ركض إلى صندوق البريد الأحمر. ثمّ اضطرّ أن ينتظر من جديد. وفي كلّ مرّة يأتي الجدّ: طَك، طَك، طَك على الرصيف، مبتسمًا غير مستعجل أبدًا.

تأوّه كنان: «جدّي، أنت بطيء مثل الحلزون.»

ضحك الجدّ. «الحلزون يرى أشياء كثيرة. أتحبّ أن تجرّب المشي مثل الحلزون معي؟ اليوم فقط؟»

جعّد كنان أنفه. «لماذا؟»

قال الجدّ: «لأنّ الشارع، في المشوار البطيء، يكشف لك أسراره.»

لم يصدّق كنان أنّ للشارع أسرارًا. فهو يمشي فيه كلّ يوم. لكنّه كان فضوليًّا. فأمسك يد جدّه الحرّة، ومشى بجانبه. ببطء. طَك، طَك، طَك.

في البداية كان الأمر صعبًا جدًّا. ساقاه تريدان الركض، وقدماه تقفزان إلى الأمام. لكنّ يد الجدّ كانت دافئة ثابتة، وشيئًا فشيئًا تباطأت قدما كنان لتوافقا طَك العصا.

قال الجدّ بصوت خافت وهو يتوقّف عند سور منخفض: «انظر هناك.»

نظر كنان. رأى سورًا. سورًا عاديًّا من حجارة صفراء قديمة.

قال الجدّ: «انظر عن قرب.»

انحنى كنان. وهناك، في شقّ بين حجرين، كانت سحليّة خضراء صغيرة جدًّا، ليست أطول من إصبعه. مستلقية في الشمس وعيناها نصف مغمضتين. جلدها منقّط مثل الحصى، وجنباها الصغيران يدخلان ويخرجان مع أنفاسها.

همس كنان: «أوه. إنّها تتشمّس.»

قال الجدّ: «كلّ صباح. أقول لها صباح الخير أيّام الجمعة.»

ومشيا. طَك، طَك، طَك.

عند البيت ذي الباب الأزرق، توقّف الجدّ من جديد وأغمض عينيه. «شُمّ.»

أغمض كنان عينيه وتشمّم. في البداية لم يشمّ شيئًا. ثمّ شمّها. شيء حلو أبيض رائع، يطفو من فوق سور الحديقة.

قال الجدّ: «الياسمين. لهذا سُمّي الشارع باسمه.»

فتح كنان عينيه ونظر إلى أعلى. من فوق السور انسكب شلّال من أزهار بيضاء صغيرة على شكل نجوم. ركض بجانب هذا السور مئة مرّة، ولم ينتبه له ولا مرّة.

ومشيا. طَك، طَك، طَك.

أمام دكّان مصلّح الأحذية، كان رجل عجوز بمريلة جلديّة يجلس على كرسيّ صغير في الشمس، يدقّ مسمارًا صغيرًا في كعب جزمة. طَق، طَق، طَق.

قال الجدّ: «صباح الخير يا أبا منير!»

قال مصلّح الأحذية: «صباح الخير يا جواد! ومن هذا الشابّ الأنيق؟»

قال الجدّ بفخر: «هذا حفيدي، كنان.»

مدّ أبو منير يده، فصافحها كنان. كانت خشنة قويّة دافئة. قال أبو منير: «حين يهترئ حذاؤك أيّها الشابّ، أحضره إليّ. سأعيده جديدًا.»

ومشيا. صار كنان يلاحظ الأشياء في كلّ مكان. قطّة رماديّة تغسل كفّيها على حافّة نافذة. عشّ عصفور صغير مدسوس تحت حافّة شرفة، يطلّ منه منقار صغير. شقّ في الرصيف على شكل حصان يركض تمامًا. وسيّدة تسقي أصص إبرة الراعي الحمراء، لوّحت لهما ونادت: «صباح الخير يا جواد! وصباح الخير يا جواد الصغير!» فضحك كنان، لأنّها ظنّته نسخة صغيرة من جدّه. ومشى بعدها أطول قليلًا، وصار يدقّ الرصيف بقدمه: طَك، طَك، طَك، مثل العصا تمامًا.

قال كنان: «جدّي، هناك أسرار كثيرة جدًّا.»

قال الجدّ: «كانت هناك دائمًا. لكنّك كنت تركض متجاوزًا إيّاها.»

وأخيرًا وصلا إلى المخبز. كان الباب مفتوحًا، والرائحة تتدحرج خارجه لتستقبلهما، دافئة محمّصة ذهبيّة. وفي الداخل، كانت الخبّازة، امرأة ممتلئة مرحة على أنفها طحين، تُخرج أرغفة مسطّحة ساخنة من الفرن الكبير بمجرفة خشبيّة طويلة.

قالت: «جواد! في الوقت المناسب تمامًا. هذه أسخن أرغفة الصباح.»

نظر كنان إلى جدّه بعينين واسعتين. «الخبز انتظرنا.»

قال الجدّ وهو يغمز: «دائمًا ينتظر.»

لفّت الخبّازة ستّة أرغفة دافئة في ورق، وأعطت كنان رغيفًا صغيرًا مستديرًا له وحده، ما زال منفوخًا مثل وسادة. أمسكه بيديه الاثنتين. كان دافئًا حتّى نمّلت أصابعه.

وفي طريق العودة، لم يركض كنان أمام جدّه ولا مرّة. مشى بجانبه، طَك، طَك، طَك، يقضم رغيفه الصغير ويشير إلى الأسرار.

«هذه السحليّة. انتقلت إلى الحجر الآخر.»

«هذا الياسمين. رائحته أقوى الآن.»

«هذا أبو منير. صباح الخير مرّة أخرى يا أبا منير!»

حين وصلا إلى البيت، فتحت ماما الباب. قالت: «تأخّرتما كثيرًا. هل كان في المخبز ناس كثيرون؟»

قال كنان، وعلى ذقنه فتات الخبز: «لا. مشينا مثل الحلزون. والشارع كشف لنا أسراره.»

نظرت ماما إلى الجدّ. ونظر الجدّ إلى ماما. وابتسم كلاهما.

وفي صباح الجمعة التالية، كان كنان ينتظر عند البوّابة قبل أن يلبس الجدّ سترته.

قال: «أسرع يا جدّي!»

رفع الجدّ حاجبيه الكثيفين.

قال كنان بابتسامة عريضة: «أسرع لتجهز، حتّى نمشي ببطء شديد، شديد.»
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

عُدّ وضع دائرة: عدّ زعفرانة في الميناء
عُدّ وضع دائرة: عدّ زعفرانة في الميناء

صفحة عدّ مستوحاة من حكاية زعفرانة قطّة الميناء تعدّ القوارب العائدة. اطبع الصفحة وعُدّ القوارب والأس...

ميساء تلحق بقبّعتها الصفراء في أشدّ الأيّام ريحًا
ميساء تلحق بقبّعتها الصفراء في أشدّ الأيّام ريحًا

كانت الريح تهبّ منذ الفطور. تهزّ مصاريع النوافذ. وتجعل الغسيل على الحبل يرفرف مثل الأعلام. وتحني أشج...

صِلِ الكَلِمَةَ بِالصّورَةِ: نُزْهَةُ إِيلّا
صِلِ الكَلِمَةَ بِالصّورَةِ: نُزْهَةُ إِيلّا

اُرْسُمْ خَطًّا مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ إِلى صورَتِها، وَقُلْها بِصَوْتٍ عالٍ.