العودة إلى الحكايات

حكاية

لومو قطار الليل الصغير الذي هدهد الوادي حتّى نام

لومو قطار الليل الصغير الذي هدهد الوادي حتّى نام
بعيدًا، في وادٍ مليء بتلال خضراء ناعمة، كان يمتدّ خطّ سكّة حديد صغير. يلتفّ حول التلال مثل شريط، مارًّا بالمزارع والقرى الناعسة، فوق جسر حجريّ، وعلى طول نهر فضّيّ.

في النهار كانت قطارات كبيرة مشغولة تندفع عليه، تحمل الناس إلى أعمالهم والصناديق إلى السوق. كانت تصفّر بصوت عالٍ، وتنفث وتقرقع. وكانت دائمًا مستعجلة.

لكن حين تغيب الشمس وتظهر النجوم الأولى، كان يخرج من المحطّة الصغيرة أعلى الوادي قطار مختلف.

اسمه لومو. كان قطار الليل.

كان لومو صغيرًا مستديرًا، مدهونًا بلون سماء المساء الأزرق العميق، وعلى جانبيه نجوم ذهبيّة صغيرة. وفي مقدّمته مصباح أصفر ناعم، مثل عين ودودة. ولم يكن يجرّ خلفه إلّا ثلاث عربات صغيرة، فيها أسرّة دافئة، ونوافذ مستديرة، وستائر بلون الحليب الدافئ.

لم يكن لومو يصفّر. ولم يكن يقرقع. كان لومو يدندن.

«همم-همم، همم-همم»، كان يدندن وعجلاته تتدحرج بلطف على القضبان. «همم-همم، همم-همم.»

كانت مهمّة قطار الليل أن يحمل المسافرين الناعسين إلى بيوتهم عبر الظلام، بهدوء ونعومة، حتّى يناموا طوال الطريق. وكان لومو ماهرًا جدًّا في ذلك.

لكن في أحد المساءات، وهو يقف في المحطّة ينتظر ركّابه، سمع لومو القطارات الكبيرة تتحدّث.

قال أكبرها، وهو قاطرة حمراء طويلة اسمها بريسكو: «قطار الليل الصغير بطيء جدًّا. ولا ينفخ صفّارته أبدًا. ما فائدة قطار يدندن؟»

ارتعش مصباح لومو. شعر أنّه صغير. وفي تلك الليلة، وهو ينطلق، تساءل: هل عليه أن يسرع؟ وهل عليه أن ينفخ صفّارة هو أيضًا؟

في عربته الأولى كانت جدّة متعبة، عائدة من زيارة حفيدها المولود حديثًا. وفي العربة الثانية عائلة معها بنتان صغيرتان بملابس نوم متشابهة. وفي العربة الثالثة شابّ معه حقيبة عود، كان يعزف في عرس حتّى وقت متأخّر جدًّا.

أخذ لومو نفسًا عميقًا من هواء الليل. وقرّر أن يجرّب أن يكون قطارًا كبيرًا سريعًا.

دفع عجلاته أسرع. طقطق-طق، طقطق-طق! ونفخ الصفّارة الصغيرة التي لم يستعملها قطّ. وييييب!

في العربة الأولى، انتفضت الجدّة جالسة، ووقع تريكوها عن حِجرها.

في العربة الثانية، استيقظت البنتان الصغيرتان وبدأتا تبكيان.

في العربة الثالثة، انزلقت حقيبة العود عن الرفّ: طَب، وفرك الشابّ عينيه.

وفي الوادي، أضيئت الأنوار في بيوت المزارع. وبدأ كلب ينبح. ورفعت الأبقار في الحقل رؤوسها وخارت متفاجئة. وقالت بومة على شجرة: «هوو! هوو!» بصوت غاضب جدًّا.

أبطأ لومو فورًا. وخفت مصباحه من الخجل.

همس: «يا للأسف. يا للأسف! لم يكن هذا صحيحًا أبدًا.»

وتوقّف بلطف بجانب النهر الفضّيّ، حيث الماء أملس كالزجاج، والقمر يلمع فيه مثل صحن أبيض مستدير.

فكّر في الجدّة، والبنتين الصغيرتين، والشابّ المتعب. فكّر في المزارعين والأبقار والبومة. لم يكونوا بحاجة إلى قطار سريع، ولا إلى قطار عالي الصوت. كانوا بحاجة إلى قطار يحملهم بنعومة عبر الليل.

كانوا بحاجة إليه هو. كما هو تمامًا.

فبدأ لومو، بلطف شديد، يدندن.

«همم-همم، همم-همم.»

وبدأ يتدحرج من جديد، ببطء ونعومة، على منعطف النهر. عجلاته تدور وتدور، ناعمة ثابتة، مثل نبض القلب. وعرباته تتمايل من جانب إلى جانب، بلطف، كما تهزّ الأمّ المهد.

«همم-همم، همم-همم.»

في العربة الأولى، التقطت الجدّة تريكوها، وابتسمت، وأسندت رأسها إلى الوسادة الناعمة. وأُغمضت عيناها.

في العربة الثانية، توقّفت البنتان عن البكاء. ودثّرهما أبوهما ببطّانيّة. أصغتا إلى الهزهزة اللطيفة والدندنة الناعمة، فثقلت جفونهما، ونامتا وهما ممسكتان بيدي بعضهما.

في العربة الثالثة، أعاد الشابّ حقيبة العود إلى الرفّ. وأصغى إلى دندنة لومو قليلًا. ثمّ، بهدوء شديد، أخرج عوده وبدأ يعزف معه. نغمات ناعمة قليلة فقط. تهويدة. ثمّ استلقى هو أيضًا ونام.

وفي الوادي، انطفأت أنوار بيوت المزارع، واحدًا بعد واحد. والتفّ الكلب على بطّانيّته. واستلقت الأبقار في العشب البارد. ونفشت البومة ريشها واستقرّت على غصنها.

«همم-همم، همم-همم»، دندن لومو وهو يعبر الجسر الحجريّ القديم، مارًّا بالقرى النائمة، عبر التلال المظلمة الهادئة، ومصباحه الأصفر الصغير يضيء الطريق.

نام الوادي كلّه.

وقبيل الفجر، دخل لومو بلطف إلى المحطّة في أسفل الوادي. كانت السماء تصير ورديّة شاحبة عند أطرافها. واستيقظ ركّابه مرتاحين مبتسمين.

قالت الجدّة وهي تربّت على جنب لومو الأزرق: «يا لها من رحلة رائعة. لم أنم هكذا منذ سنوات.»

قالت البنتان الصغيرتان وهما تلوّحان: «شكرًا يا لومو.»

وجثا الشابّ صاحب العود عند عجلة لومو الأماميّة. قال: «أنت تدندن على مقام التهويدة. أكنت تعرف ذلك؟»

توهّج مصباح لومو ساطعًا دافئًا.

وفي تلك اللحظة، دخل بريسكو، القاطرة الحمراء الكبيرة، إلى المحطّة يهدر، مستعدًّا لنهار مشغول.

قال بريسكو: «صباح الخير يا قطار الليل الصغير. سمعت أنّه كانت هناك ضجّة كبيرة في الوادي البارحة. هل كانت منك؟»

اعترف لومو: «للحظة. حاولت أن أكون مثلك. لكنّني لست قطار نهار. أنا قطار ليل.»

نظر بريسكو إلى الركّاب السعداء المرتاحين وهم ينزلون من عربات لومو. وسكت لحظة.

قال بريسكو: «أتعرف؟ لم أجعل أحدًا ينام ولا مرّة. هذه مهمّة خاصّة جدًّا.»

ابتسم لومو ابتسامة قطاره الصغيرة، ودخل ببطء إلى المرآب ليرتاح. وبينما كان يطفئ مصباحه، أشرقت الشمس فوق الوادي، وبدأت قطارات النهار تصفّر.

«همم-همم»، دندن لومو بهدوء لنفسه. «همم-همم.»

ثمّ نام قطار الليل الصغير هو أيضًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الأمير أحمد والجنية بري بانو والهدايا العجيبة الثلاث (من ألف ليلة وليلة)
الأمير أحمد والجنية بري بانو والهدايا العجيبة الثلاث (من ألف ليلة وليلة)

كان يا ما كان، سلطان حكيم له ثلاثة أبناء. الأكبر هو الأمير حسين، والأوسط هو الأمير علي، والأصغر هو ا...

الفئران التي أكلت الحديد (من كليلة ودمنة)
الفئران التي أكلت الحديد (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في مدينة قديمة بيوتها بلون الرمل وأسواقها مزدحمة، عاش تاجر. كان التاجر يسافر بعيد...

آية تعدّ الرعد في ليلة عاصفة
آية تعدّ الرعد في ليلة عاصفة

كان المطر يهطل طوال العصر. وحين جاء وقت النوم، كان المطر يطقطق على السطح ويقرع النوافذ. كانت آية مست...