العودة إلى الحكايات

حكاية

الفئران التي أكلت الحديد (من كليلة ودمنة)

الفئران التي أكلت الحديد (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، في مدينة قديمة بيوتها بلون الرمل وأسواقها مزدحمة، عاش تاجر.

كان التاجر يسافر بعيدًا وكثيرًا. يركب جمله عبر الصحارى وفوق الجبال. وكان له شارب معقوف، وعباءة خضراء مطرّزة بالذهب، وبريق في عينيه.

في أحد الأيّام، كان التاجر يستعدّ لرحلة طويلة جدًّا.

قال: «سأغيب سنة كاملة. فماذا أفعل بحديدي؟»

كان عند التاجر صندوق خشبيّ ثقيل، فيه مئة قضيب من الحديد. رمادية قويّة، وغالية جدًّا. ادّخر التاجر سنوات كثيرة ليشتريها.

قال التاجر: «لا أستطيع أن أحمله على جملي، إنّه ثقيل جدًّا. سأطلب من صديقي أن يحفظه لي.»

فذهب التاجر إلى بيت صديقه. كان صديقه يسكن بيتًا كبيرًا له فناء مبلّط، ونافورة، وأصص من الأزهار الحمراء.

قال التاجر: «يا صديقي، هل تحفظ لي صندوق الحديد حتى أعود؟»

قال الصديق بابتسامة كبيرة: «طبعًا! سأحرسه كأنّه كنزي. لا تقلق أبدًا.»

تصافح الصديقان، وركب التاجر جمله وانطلق في الصحراء.

لم يكن الصديق رجلًا شرّيرًا، لكنّه كان طمّاعًا قليلًا. وبعد أسابيع قليلة، بدأ ينظر إلى صندوق الحديد.

قال لنفسه: «مئة قضيب من الحديد! هذه تساوي ذهبًا كثيرًا. والتاجر لن يعود قبل سنة كاملة. ربّما ينساه تمامًا.»

ففي إحدى الليالي، حمل الصديق الحديد بهدوء إلى السوق، وباعه كلّه حتى آخر قضيب. ثمّ أعاد الصندوق الفارغ إلى الزاوية، وغطّاه بقطعة قماش.

مرّت السنة، وتغيّرت الفصول. وفي أحد الأيّام، عاد التاجر على جمله، مغبرًّا سعيدًا.

وذهب مباشرة إلى بيت صديقه.

قال الصديق بصوت عالٍ قليلًا أكثر من اللازم: «أهلًا بعودتك يا صديقي! كيف كانت رحلتك؟»

قال التاجر: «رائعة. وقد جئت الآن لآخذ حديدي.»

اهتزّت ابتسامة الصديق. حرّك قدميه بارتباك، وشدّ لحيته.

وقال: «آه. حديدك. حسنًا. أتعرف؟ هناك مشكلة صغيرة.»

قاد التاجر إلى الفناء، وأزاح القماش عن الصندوق، وفتح الغطاء.

كان فارغًا.

قال الصديق وهو يشير إلى الصندوق: «أنا آسف جدًّا. أكلته الفئران.»

رفع التاجر أحد حاجبيه: «الفئران؟»

قال الصديق بسرعة: «نعم. فئران جائعة، مئات منها. جاءت في الليل: قَرض، قَرض، قَرض. وفي الصباح، كانت القضبان المئة كلّها قد اختفت.»

وفي تلك اللحظة، أطلّ فأر رماديّ صغير على حافّة الصندوق. شمّ الهواء، وحرّك شواربه.

قال الصديق وهو يشير إليه: «انظر! هذا واحد منها!»

نظر الفأر الصغير إلى الصديق، ثمّ إلى التاجر. ثمّ ركض ليبحث عن فتات خبز لذيذ.

نظر التاجر إلى الصندوق الفارغ، ثمّ إلى صديقه. كان يعرف جيّدًا أنّ الفئران لا تأكل الحديد. الفئران تأكل البذور والجبن والفتات. أمّا الحديد فصلب مثل الصخر.

لكنّ التاجر لم يصرخ، ولم يغضب. ابتسم ببطء فقط، وفتل شاربه المعقوف.

وقال: «حسنًا، حسنًا. فئران تأكل الحديد! أمر غريب جدًّا. أظنّ أنّ هذه الأشياء تحدث.»

تنفّس الصديق الصعداء: «نعم، نعم، تحدث. أنا سعيد جدًّا لأنّك فهمت.»

ودّع التاجر صديقه وخرج من الفناء. لكنّه كان يفكّر. وعندما وصل إلى الشارع، كانت عنده خطّة.

في الخارج، كان يوسف، ابن الصديق الصغير، يلعب بالكرة قرب النافورة. كان يوسف يحبّ التاجر، فالتاجر يحمل له دائمًا حكايات من أسفاره.

صاح يوسف: «عمّي! لقد عدت!»

قال التاجر وهو يجلس على ركبتيه: «مرحبًا يا يوسف. ما رأيك أن تأتي إلى بيتي هذا العصر؟ زوجتي صنعت كعك العسل. وعندي جمل خشبيّ صغير أحضرته لك خصّيصًا.»

قال يوسف: «نعم، من فضلك!»

فأرسل التاجر خبرًا إلى أمّ يوسف لتعرف أين هو. وقضى يوسف عصرًا سعيدًا في بيت التاجر، يأكل كعك العسل ويلعب بجمله الخشبيّ الجديد.

ثمّ مشى التاجر عائدًا إلى بيت صديقه.

كان الصديق في الفناء ينظر حوله في كلّ مكان: «أيّها التاجر! هل رأيت ابني؟ لا أجده في أيّ مكان!»

هزّ التاجر رأسه بحزن: «آه يا صديقي، عندي خبر غريب. وأنا خارج، رأيت صقرًا ينقضّ من السماء. حمل ابنك وطار به فوق السطوح.»

حدّق فيه الصديق، وانفتح فمه.

وقال: «صقر؟ صقر حمل ابني؟ هذا مستحيل! الصقر مجرّد طائر! لا يستطيع أبدًا أن يرفع ولدًا كاملًا!»

ابتسم التاجر.

وقال بلطف: «يا صديقي العزيز، في مدينة تأكل فيها الفئران الحديد، لا شكّ أنّ الصقر يستطيع أن يحمل ولدًا.»

فتح الصديق فمه، ثمّ أغلقه، ثمّ فتحه من جديد.

احمرّ وجهه، ثمّ صار ورديًّا، ثمّ نظر إلى حذائه.

لقد فهم.

قال بهدوء: «آه يا صديقي. الفئران لم تأكل حديدك. أنا بعته. كنت طمّاعًا، ثمّ قلت لك كذبة سخيفة. أنا آسف جدًّا.»

وضع التاجر يده على كتفه.

وقال: «شكرًا لأنّك قلت الحقيقة. هذا كان الجزء الأصعب.»

قال الصديق: «سأردّ لك المال، كلّ قطعة نقود. الآن حالًا.»

ودخل وخرج بكيس ثقيل من الذهب. كان يكفي لشراء مئة قضيب من الحديد، وأكثر قليلًا.

قال التاجر: «وابنك سالم سعيد في بيتي، يأكل كعك العسل. تعال، لنذهب ونحضره معًا.»

فمشى الصديقان في الشارع جنبًا إلى جنب. وعندما وصلا إلى بيت التاجر، خرج يوسف راكضًا، والعسل على ذقنه، والجمل الخشبيّ في يديه.

صاح: «بابا! انظر ماذا أعطاني عمّي!»

حمل الصديق ابنه وضمّه بقوّة.

وفي ذلك المساء، جلست العائلتان معًا في حديقة التاجر. أكلوا كعك العسل، وشربوا شاي النعناع، وضحكوا على الفئران والصقور حتى طلعت النجوم.

وفي الزاوية، وجد الفأر الرماديّ الصغير فتاتة من كعك العسل، فقرضها بسعادة.

لأنّ هذا، طبعًا، ما تأكله الفئران حقًّا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

لماذا تعيش الشمس والقمر في السماء
لماذا تعيش الشمس والقمر في السماء

تأتي هذه الحكاية القديمة من شعبي الإفيك والإيبيبيو في جنوب نيجيريا في غرب أفريقيا. كانت الجدّات يروي...

الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)
الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في أرض أشجار الزيتون والتلال الذهبية، عاش سرب من الحمام. كان الحمام رماديًّا ناعم...

ما ليانغ وفرشاة الرسم السحرية
ما ليانغ وفرشاة الرسم السحرية

تأتي هذه الحكاية المحبوبة من الصين، حيث يسمع الأطفال منذ سنوات طويلة جدًا عن الصبي ما ليانغ وفرشاته...