العودة إلى الحكايات

حكاية

طارق وإلياس يبنيان معًا قلعة رملية كبيرة واحدة

طارق وإلياس يبنيان معًا قلعة رملية كبيرة واحدة
كان الشاطئ مشرقًا دافئًا صباح يوم السبت. كان البحر هادئًا أزرق، تزيّنه كشكشات بيضاء صغيرة حيث تتدحرج الأمواج. وكانت طيور النورس تحلّق عاليًا في السماء، والرمل بلون العسل.

ركض طارق أمام والديه وفي إحدى يديه دلو أحمر، وفي الأخرى مجرفة صفراء. كان ينتظر هذا اليوم طوال الأسبوع.

قال لأبيه: «سأبني أكبر قلعة رملية في العالم.»

قال بابا مبتسمًا: «يبدو هذا عملًا كثيرًا.» وفرش بطّانية مخطّطة وفتح مظلّة كبيرة. «سنكون هنا.»

وجد طارق مكانًا ممتازًا. كان قريبًا من الماء، حيث الرمل رطب داكن سهل التشكيل. جثا على ركبتيه وبدأ يحفر.

غرف، غرف، غرف. ملأ دلوه. ربت، ربت، ربت. ضغط الرمل حتّى صار مستويًا. ثمّ قلب الدلو، ونقر على قاعه، ورفعه ببطء.

فوقف على الرمل برج مستدير. كان أملس متماسكًا، وقد علقت على جانبه قطعة صغيرة من الأعشاب البحرية.

قال طارق فرحًا: «برج واحد.»

وفي تلك اللحظة، رأى ولدًا يجثو على بعد خطوات قليلة. كان شعره بنّيًّا مجعّدًا، وعلى رأسه قبّعة شمس خضراء، ومعه دلو أزرق. كان يبني قلعة رملية هو أيضًا. وكان قد بنى برجين وجدارًا صغيرًا.

عبس طارق. لم يكن يريد أن يبني أحد قلعة قرب قلعته. كان يريد أن تكون قلعته الأكبر.

فحفر أسرع. غرف، غرف، غرف. ربت، ربت، ربت. وارتفع برج ثانٍ، ثمّ برج ثالث.

نظر الولد الآخر إليه، وحفر أسرع هو أيضًا. فارتفع برجه الثالث والرابع.

حفر طارق بسرعة كبيرة حتّى تطاير الرمل فوق كتفه. صنع جدارًا. وصنع تلّة متعرّجة. وحاول أن يصنع جسرًا، لكنّه سقط بصوت ناعم: فلمب.

وحاول الولد الآخر أن يحفر خندقًا حول قلعته. لكنّ الحفرة ظلّت تمتلئ بالماء، وتنهار جوانبها. فمال جداره وسقط.

جلس الولدان على أعقابهما، وقد أحسّا بالحرّ وهما يلهثان. كانت قلعتاهما متكتّلتين قليلًا. ولم تكن أيّ منهما أكبر قلعة في العالم.

نظر الولد الآخر إلى طارق. ونظر طارق إلى الولد الآخر.

وأخيرًا قال الولد: «أبراجك مستديرة جدًّا.»

وقال طارق: «جدارك طويل جدًّا.»

قال الولد: «أنا إلياس. عمري ستّ سنوات وثلاثة أرباع.»

«وأنا طارق. عمري ستّ سنوات ونصف.»

نظر إلياس إلى البحر وقال: «أردت أن أصنع خندقًا، لكنّ الماء يظلّ يهدم جدراني.»

ونظر طارق إلى قلعته وقال: «وأنا أردت أن أصنع جسرًا، لكنّه يظلّ يسقط.»

سكتا لحظة. وتدحرجت موجة صغيرة وقبّلت طرف الرمل.

قال إلياس: «جدّي يقول إنّ الرمل يصير أقوى حين يكون مبلولًا جدًّا، مثل الطين الكثيف. عليك أن تقطّره.»

سأل طارق: «تقطّره؟»

غرف إلياس حفنة من الرمل المبلول كالحساء، وتركه يقطر ببطء من بين أصابعه. قطرة، قطرة، قطرة. فتكوّم في شكل شوكة عالية متعرّجة، مثل قلعة في حكاية خيالية.

قال طارق: «واو! هل تقطّر واحدة على برجي؟»

ابتسم إلياس، وقطّر سقفًا مدبّبًا على برج طارق المستدير. فبدا رائعًا.

قال طارق: «وأنا أعرف كيف أجعل الأبراج ملساء. يجب أن تربت على الرمل في الدلو ثلاث مرّات بقوّة، ثمّ تنقر على القاع قبل أن ترفعه. ماما علّمتني.»

وأرى إلياس الطريقة. ربت، ربت، ربت، نقر، نقر. فارتفع برج مثالي.

قال إلياس: «أوه! هل نضعه في جهتي؟»

تردّد طارق. ثمّ نظر إلى الفراغ بين القلعتين. كان فراغًا صغيرًا فقط.

وقال ببطء: «ماذا لو لم تكن هناك جهتي وجهتك؟ ماذا لو صنعنا قلعة واحدة؟»

اتّسعت عينا إلياس. «قلعة واحدة كبيرة! فيها أبراجك وجدراني!»

قال طارق: «وخندق يدور حولها كلّها!»

قال إلياس: «وجسر!»

فبدآ من جديد، معًا.

صنع طارق الأبراج. ربت، ربت، ربت، نقر، نقر. وقطّر إلياس فوقها سقوفًا مدبّبة. قطرة، قطرة، قطرة. وبنيا معًا جدارًا طويلًا بين الأبراج، وضغطاه بكفّيهما حتّى صار أملس.

ومن أجل الخندق، خطرت لهما فكرة. حفر طارق المجرى، وبطّن إلياس جوانبه بأصداف مسطّحة وحصى، حتّى لا يهدمها الماء. ونجحت الفكرة! فحين جاءت موجة، دار الماء في الخندق مثل نهر صغير، وبقيت الجدران قويّة.

وكان الجسر أصعب جزء. سقط مرّة. وسقط مرّتين.

قال إلياس: «ربّما نحتاج شيئًا تحته.»

ركض طارق على طول الشاطئ، وعاد بقطعة خشب طويلة مسطّحة، ملساء شاحبة من ماء البحر. وضعاها فوق الخندق، وكدّسا عليها رملًا مبلولًا. وهذه المرّة بقي الجسر واقفًا.

جاء الأهل لينظروا. وجاء جدّ إلياس أيضًا، بقبّعة قشّ كبيرة ووجه طيّب كثير التجاعيد.

قال بابا: «يا إلهي! يا لها من قلعة!»

كان فيها ثمانية أبراج بسقوف مدبّبة. وجدار طويل له بوّابة. وخندق مبطّن بالأصداف والحصى، وجسر من الخشب. وفوق أعلى برج، وضع إلياس ريشة بيضاء من ريش النورس، كأنّها علم.

قال طارق: «إنّها أكبر قلعة في العالم.»

قال جدّ إلياس ضاحكًا: «إنّها أكبر قلعة على هذا الشاطئ على الأقلّ.»

جلس الولدان جنبًا إلى جنب على الرمل الدافئ، وأكلا شرائح البرتقال التي أحضرتها أمّ طارق. سال العصير على ذقنيهما. وراحا يتأمّلان الشمس تلمع على الماء.

وفيما بعد، بدأ المدّ يرتفع. واقتربت الأمواج الصغيرة شيئًا فشيئًا. وسرعان ما ملأت الخندق، ثمّ بدأ الجدار يلين.

شعر طارق ببعض الحزن. وقال: «قلعتنا تذهب.»

اتّكأ إلياس على كتفه وقال: «لا بأس. في السبت القادم، نستطيع أن نبني قلعة جديدة.»

ابتسم طارق. «معًا؟»

قال إلياس: «معًا.»

وبينما كان البحر يمسح الرمل بلطف، ركض الولدان على طول الشاطئ، يبحثان عن أجمل الأصداف للمرّة القادمة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

هادي يَقولُ شُكْرًا طُولَ اليَوْم
هادي يَقولُ شُكْرًا طُولَ اليَوْم

في الصَّباحِ تَطْبُخُ ماما بَيْضَةً لِهادي. «شُكْرًا يا ماما!» تَبْتَسِمُ ماما. في الطَّريقِ إلى...

صفحة تلوين: زعفرانة قطّة الميناء والقوارب
صفحة تلوين: زعفرانة قطّة الميناء والقوارب

صفحة تلوين من حكاية زعفرانة قطّة الميناء تعدّ القوارب العائدة. اطبع الصفحة ولوّن زعفرانة والقوارب وا...

يقطينة الزغبة الصغيرة لا تجد سريرًا دافئًا
يقطينة الزغبة الصغيرة لا تجد سريرًا دافئًا

في أعماق السياج، في أسفل مرج هادئ، كانت تعيش زغبة صغيرة اسمها يقطينة. كانت مستديرة، لونها برتقاليّ ذ...