حكاية
مازن وجدّه ينظران داخل صندوق الموسيقى القديم
على الرفّ العلوي في مكتبة جدّي خليل، بين كومة من ألبومات الصور القديمة وبرطمان من الأقلام الملوّنة، كان هناك صندوق خشبي صغير. كان بلون العسل الداكن، وعلى غطائه زهرة محفورة، وعلى جانبه مفتاح نحاسي صغير.
كان مازن ينظر إلى ذلك الصندوق في كلّ زيارة. كان عمره سبع سنوات، ويحبّ أن يعرف كيف تعمل الأشياء. أراد أن يعرف لماذا تطنّ الثلّاجة، وكيف يرنّ جرس الباب، ومن أين تأتي الموسيقى حين يدير جدّي المفتاح الصغير.
فحين يدير جدّي المفتاح، يعزف الصندوق أغنية. أغنية رنّانة متلألئة، خفيفة مثل قطرات الماء، تجعل كلّ من في الغرفة يسكت ويبتسم.
في عصر يوم ممطر، أنزل جدّي الصندوق عن الرفّ، ووضعه على طاولة المطبخ.
وسأل: «هل تحبّ أن تسمعه؟»
قال مازن: «نعم، من فضلك.»
أدار جدّي المفتاح النحاسي: تك، تك، تك، تك. ثمّ فتح الغطاء.
فخرجت الأغنية: تِنغ، تِنغ، تِنغِل، تِنغ. كانت تشبه أجراسًا صغيرة. وتشبه عصفورًا في الصباح. اقترب مازن وأصغى، حتّى صارت الأغنية أبطأ فأبطأ، ثمّ توقّفت.
قال مازن: «جدّي، كيف يعزف الموسيقى؟ ليس في داخله أحد. وليس فيه أزرار. من أين تأتي الأغنية؟»
لمعت عينا جدّي خلف نظّارته المستديرة.
وسأل: «هل تحبّ أن تكتشف؟»
فتح مازن فمه دهشة. «هل نستطيع أن ننظر في داخله؟»
قال جدّي: «نستطيع. لكن هناك قاعدة واحدة. في داخل هذا الصندوق قطع صغيرة جدًّا ورقيقة جدًّا. يجب أن تكون لنا عينان صبورتان ويدان لطيفتان. هل تستطيع ذلك؟»
هزّ مازن رأسه بقوّة حتّى قفز شعره. وردّد: «عينان صبورتان ويدان لطيفتان.»
أحضر جدّي مفكًّا صغيرًا، وقطعة قماش ناعمة، وصحنًا أبيض صغيرًا. وفرش القماش على الطاولة.
وقال: «الصحن للبراغي. إنّها صغيرة جدًّا، والأشياء الصغيرة تحبّ أن تتدحرج بعيدًا.»
قلب جدّي الصندوق. وكان في قاعه أربعة براغٍ صغيرة، ليست أكبر من حبّات الأرزّ.
سأل جدّي: «هل تحبّ أن تفكّ الأوّل؟»
أخذ مازن المفكّ. كانت أصابعه تريد أن تسرع. كان يريد أن يرى الداخل حالًا. لكنّه تذكّر القاعدة: يدان لطيفتان.
وضع المفكّ في البرغي الأوّل، وأداره ببطء. لفّة ولفّة. لفّة ولفّة. فخرج البرغي. ووضعه بحذر في الصحن.
قال جدّي: «أحسنت.»
وفكّ مازن البرغي الثاني، والثالث. وكان الرابع قاسيًا. فضغط أقوى، فانزلق المفكّ وخدش خدشًا صغيرًا.
قال مازن: «أوه لا.»
قال جدّي بهدوء: «لا بأس. حين يكون الشيء قاسيًا، لا نضغط أقوى. بل نتمهّل أكثر. جرّب مرّة أخرى.»
أخذ مازن نفسًا. وأدار المفكّ ببطء شديد. صرير، صرير. فخرج البرغي الرابع، وذهب إلى الصحن.
رفع جدّي اللوح السفلي. واقترب مازن ليرى.
وفي الداخل كان شيء رائع.
كانت هناك أسطوانة نحاسية لامعة، مثل شوبك صغير، مغطّاة بمئات النتوءات الصغيرة. وبجانبها مشط معدني مسطّح، له أسنان رفيعة مختلفة الطول، بعضها طويل وبعضها قصير، مصفوفة كلّها في صفّ واحد. ووراء الأسطوانة نابض ملفوف، وعجلة صغيرة لها أسنان أصغر أيضًا.
همس مازن: «واو.»
قال جدّي: «انظر.» وأدار المفتاح مرّة واحدة فقط. تك.
بدأت الأسطوانة تدور، ببطء، ببطء. وحين تدور، تلمس النتوءات الصغيرة أسنان المشط. وكلّ نتوء ينقر سنًّا، تمامًا كما ينقر إصبع وترًا.
تِنغ. تِنغ. تِنغِل.
قال مازن: «النتوءات تعزف على المشط!»
قال جدّي: «بالضبط. الأسنان الطويلة تصدر أصواتًا منخفضة. والأسنان القصيرة تصدر أصواتًا عالية. وقد وضع أحدهم كلّ نتوء في مكانه الصحيح تمامًا، حتّى يغنّي المشط الأغنية.»
سأل مازن: «والمفتاح؟»
قال جدّي وهو يشير إلى اللفّة: «المفتاح يشدّ النابض. والنابض يريد أن ينفكّ، فيدفع العجلات، والعجلات تدير الأسطوانة. وحين ينفكّ النابض كلّه، تتوقّف الأغنية.»
نظر مازن ونظر. رأى النابض. ورأى العجلات. ورأى النتوءات تلتقي بالأسنان. وفجأة، صار كلّ شيء مفهومًا، مثل قطع أحجية تركّبت معًا.
قال: «جدّي، إنّها مثل فرقة موسيقية صغيرة صنعها أحدهم بيديه.»
ضحك جدّي ضحكة دافئة سعيدة. «هذه طريقة جميلة لقولها.»
ولاحظ مازن شيئًا آخر. كان تحت أحد أسنان المشط قليل من الغبار والوبر.
«جدّي، انظر. هناك غبار. هل لهذا السبب تبدو إحدى النغمات مشوّشة قليلًا؟»
نظر جدّي عن قرب. «أظنّك على حقّ. عيناك الصبورتان وجدتا شيئًا فات عينيّ العجوزين.»
وأعطى مازن فرشاة صغيرة ناعمة. وقال: «بلطف شديد.»
حبس مازن أنفاسه. وبطرف الفرشاة تمامًا، كنس الغبار من تحت السنّ. فِش، فِش. لم يثنِ شيئًا. ولم يدفع شيئًا. يدان لطيفتان.
قال جدّي: «والآن لنُعِد تركيبه.»
ركّبا اللوح السفلي. وأخذ مازن البراغي الأربعة الصغيرة من الصحن، واحدًا واحدًا، وأدارها ببطء. لفّة ولفّة. وليس بقوّة زائدة. وصار الصحن فارغًا من جديد. لم يتدحرج بعيدًا ولا برغي واحد.
قلب جدّي الصندوق على وجهه الصحيح. وأدار المفتاح: تك، تك، تك، تك.
وفتح مازن الغطاء.
تِنغ، تِنغ، تِنغِل، تِنغ. انسكبت الأغنية صافية مشرقة. وهذه المرّة، رنّت النغمة التي كانت مشوّشة نقيّة مثل جرس.
قال مازن: «صوتها أجمل!»
قال جدّي: «صوتها أجمل بفضلك.» ووضع ذراعه حول كتفي مازن.
في الخارج، كان المطر ينقر بلطف على النافذة. وفي الداخل، كان المطبخ دافئًا تفوح منه رائحة شاي النعناع. واستمرّت الأغنية الصغيرة تعزف، أبطأ فأبطأ، حتّى انتهت بآخر «تِنغ» صغيرة.
جلس مازن ساكنًا جدًّا، يبتسم.
وقال: «جدّي، ماذا يوجد أيضًا في بيتك نستطيع أن ننظر في داخله؟»
ضحك جدّي. وقال: «في المرّة القادمة، سأريك كيف تقول الساعة القديمة في الممرّ تِك تَك. لكن فقط لولد له عينان صبورتان ويدان لطيفتان.»
قال مازن: «هذا أنا.»
كان مازن ينظر إلى ذلك الصندوق في كلّ زيارة. كان عمره سبع سنوات، ويحبّ أن يعرف كيف تعمل الأشياء. أراد أن يعرف لماذا تطنّ الثلّاجة، وكيف يرنّ جرس الباب، ومن أين تأتي الموسيقى حين يدير جدّي المفتاح الصغير.
فحين يدير جدّي المفتاح، يعزف الصندوق أغنية. أغنية رنّانة متلألئة، خفيفة مثل قطرات الماء، تجعل كلّ من في الغرفة يسكت ويبتسم.
في عصر يوم ممطر، أنزل جدّي الصندوق عن الرفّ، ووضعه على طاولة المطبخ.
وسأل: «هل تحبّ أن تسمعه؟»
قال مازن: «نعم، من فضلك.»
أدار جدّي المفتاح النحاسي: تك، تك، تك، تك. ثمّ فتح الغطاء.
فخرجت الأغنية: تِنغ، تِنغ، تِنغِل، تِنغ. كانت تشبه أجراسًا صغيرة. وتشبه عصفورًا في الصباح. اقترب مازن وأصغى، حتّى صارت الأغنية أبطأ فأبطأ، ثمّ توقّفت.
قال مازن: «جدّي، كيف يعزف الموسيقى؟ ليس في داخله أحد. وليس فيه أزرار. من أين تأتي الأغنية؟»
لمعت عينا جدّي خلف نظّارته المستديرة.
وسأل: «هل تحبّ أن تكتشف؟»
فتح مازن فمه دهشة. «هل نستطيع أن ننظر في داخله؟»
قال جدّي: «نستطيع. لكن هناك قاعدة واحدة. في داخل هذا الصندوق قطع صغيرة جدًّا ورقيقة جدًّا. يجب أن تكون لنا عينان صبورتان ويدان لطيفتان. هل تستطيع ذلك؟»
هزّ مازن رأسه بقوّة حتّى قفز شعره. وردّد: «عينان صبورتان ويدان لطيفتان.»
أحضر جدّي مفكًّا صغيرًا، وقطعة قماش ناعمة، وصحنًا أبيض صغيرًا. وفرش القماش على الطاولة.
وقال: «الصحن للبراغي. إنّها صغيرة جدًّا، والأشياء الصغيرة تحبّ أن تتدحرج بعيدًا.»
قلب جدّي الصندوق. وكان في قاعه أربعة براغٍ صغيرة، ليست أكبر من حبّات الأرزّ.
سأل جدّي: «هل تحبّ أن تفكّ الأوّل؟»
أخذ مازن المفكّ. كانت أصابعه تريد أن تسرع. كان يريد أن يرى الداخل حالًا. لكنّه تذكّر القاعدة: يدان لطيفتان.
وضع المفكّ في البرغي الأوّل، وأداره ببطء. لفّة ولفّة. لفّة ولفّة. فخرج البرغي. ووضعه بحذر في الصحن.
قال جدّي: «أحسنت.»
وفكّ مازن البرغي الثاني، والثالث. وكان الرابع قاسيًا. فضغط أقوى، فانزلق المفكّ وخدش خدشًا صغيرًا.
قال مازن: «أوه لا.»
قال جدّي بهدوء: «لا بأس. حين يكون الشيء قاسيًا، لا نضغط أقوى. بل نتمهّل أكثر. جرّب مرّة أخرى.»
أخذ مازن نفسًا. وأدار المفكّ ببطء شديد. صرير، صرير. فخرج البرغي الرابع، وذهب إلى الصحن.
رفع جدّي اللوح السفلي. واقترب مازن ليرى.
وفي الداخل كان شيء رائع.
كانت هناك أسطوانة نحاسية لامعة، مثل شوبك صغير، مغطّاة بمئات النتوءات الصغيرة. وبجانبها مشط معدني مسطّح، له أسنان رفيعة مختلفة الطول، بعضها طويل وبعضها قصير، مصفوفة كلّها في صفّ واحد. ووراء الأسطوانة نابض ملفوف، وعجلة صغيرة لها أسنان أصغر أيضًا.
همس مازن: «واو.»
قال جدّي: «انظر.» وأدار المفتاح مرّة واحدة فقط. تك.
بدأت الأسطوانة تدور، ببطء، ببطء. وحين تدور، تلمس النتوءات الصغيرة أسنان المشط. وكلّ نتوء ينقر سنًّا، تمامًا كما ينقر إصبع وترًا.
تِنغ. تِنغ. تِنغِل.
قال مازن: «النتوءات تعزف على المشط!»
قال جدّي: «بالضبط. الأسنان الطويلة تصدر أصواتًا منخفضة. والأسنان القصيرة تصدر أصواتًا عالية. وقد وضع أحدهم كلّ نتوء في مكانه الصحيح تمامًا، حتّى يغنّي المشط الأغنية.»
سأل مازن: «والمفتاح؟»
قال جدّي وهو يشير إلى اللفّة: «المفتاح يشدّ النابض. والنابض يريد أن ينفكّ، فيدفع العجلات، والعجلات تدير الأسطوانة. وحين ينفكّ النابض كلّه، تتوقّف الأغنية.»
نظر مازن ونظر. رأى النابض. ورأى العجلات. ورأى النتوءات تلتقي بالأسنان. وفجأة، صار كلّ شيء مفهومًا، مثل قطع أحجية تركّبت معًا.
قال: «جدّي، إنّها مثل فرقة موسيقية صغيرة صنعها أحدهم بيديه.»
ضحك جدّي ضحكة دافئة سعيدة. «هذه طريقة جميلة لقولها.»
ولاحظ مازن شيئًا آخر. كان تحت أحد أسنان المشط قليل من الغبار والوبر.
«جدّي، انظر. هناك غبار. هل لهذا السبب تبدو إحدى النغمات مشوّشة قليلًا؟»
نظر جدّي عن قرب. «أظنّك على حقّ. عيناك الصبورتان وجدتا شيئًا فات عينيّ العجوزين.»
وأعطى مازن فرشاة صغيرة ناعمة. وقال: «بلطف شديد.»
حبس مازن أنفاسه. وبطرف الفرشاة تمامًا، كنس الغبار من تحت السنّ. فِش، فِش. لم يثنِ شيئًا. ولم يدفع شيئًا. يدان لطيفتان.
قال جدّي: «والآن لنُعِد تركيبه.»
ركّبا اللوح السفلي. وأخذ مازن البراغي الأربعة الصغيرة من الصحن، واحدًا واحدًا، وأدارها ببطء. لفّة ولفّة. وليس بقوّة زائدة. وصار الصحن فارغًا من جديد. لم يتدحرج بعيدًا ولا برغي واحد.
قلب جدّي الصندوق على وجهه الصحيح. وأدار المفتاح: تك، تك، تك، تك.
وفتح مازن الغطاء.
تِنغ، تِنغ، تِنغِل، تِنغ. انسكبت الأغنية صافية مشرقة. وهذه المرّة، رنّت النغمة التي كانت مشوّشة نقيّة مثل جرس.
قال مازن: «صوتها أجمل!»
قال جدّي: «صوتها أجمل بفضلك.» ووضع ذراعه حول كتفي مازن.
في الخارج، كان المطر ينقر بلطف على النافذة. وفي الداخل، كان المطبخ دافئًا تفوح منه رائحة شاي النعناع. واستمرّت الأغنية الصغيرة تعزف، أبطأ فأبطأ، حتّى انتهت بآخر «تِنغ» صغيرة.
جلس مازن ساكنًا جدًّا، يبتسم.
وقال: «جدّي، ماذا يوجد أيضًا في بيتك نستطيع أن ننظر في داخله؟»
ضحك جدّي. وقال: «في المرّة القادمة، سأريك كيف تقول الساعة القديمة في الممرّ تِك تَك. لكن فقط لولد له عينان صبورتان ويدان لطيفتان.»
قال مازن: «هذا أنا.»


