حكاية
الحمامة والثعلب ومالك الحزين (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، قرب نهر عريض بطيء، نمت نخلة عالية.
كان جذعها خشنًا بنّيًّا. وفي أعلاها تمامًا، تنتشر سعفاتها الخضراء الطويلة مثل مظلّة كبيرة. وهناك، عاليًا فوق الأرض، بنت حمامة أمّ عشّها.
كانت الحمامة رمادية الريش ناعمته، ورديّة الأرجل، رقيقة الهديل. نسجت عشّها من الأعواد والعشب وقطع من الزغب الناعم. وفي ذلك العشّ كان فرخان صغيران جديدان.
كانا مستديرين زغبين، ومنقاراهما الصغيران مفتوحان دائمًا. يصيحان: «زيق! زيق!» ومعنى ذلك: «نحن جائعان!»
كانت الحمامة تحبّهما أكثر من أيّ شيء في الدنيا.
كلّ يوم، كانت تطير إلى ضفّة النهر لتجد الحبوب، ثمّ تطير عائدة إلى الأعلى لتطعم صغيريها. صعودًا ونزولًا، صعودًا ونزولًا. كان العمل شاقًّا. لكنّها حين ترى وجهيهما الصغيرين الزغبين، تنسى التعب كلّه.
وعند النهر، كان يعيش طائر أبيض اسمه مالك الحزين. له ساقان طويلتان رفيعتان، وعنق طويل منحنٍ، ومنقار أصفر حادّ. كان يقف ساكنًا جدًّا في الماء الضحل، يراقب الأسماك تمرّ. وكان هادئًا رزينًا حكيمًا جدًّا، وكان صديقًا للحمامة.
لكن في الشجيرات القريبة، كان يعيش ثعلب. له فرو برتقاليّ، وذيل منفوش طرفه أبيض، وابتسامة ماكرة. وكان دائمًا يبحث عن حيلة سهلة.
في صباح أحد الأيّام، جاء الثعلب ووقف أسفل النخلة، ونظر إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى العشّ.
نادى: «يا حمامة! يا حمامة!»
أطلّت الحمامة من حافّة عشّها: «نعم؟»
نفخ الثعلب صدره وقال: «أنا ملك هذه الضفّة. وقد قرّرت أنّني أريد فرخيكِ. ارميهما إليّ، لآخذهما إلى وكري.»
شهقت الحمامة، وفردت جناحيها فوق صغيريها.
وقالت: «لا! إنّهما ولداي!»
ضيّق الثعلب عينيه: «إن لم ترميهما، سأتسلّق هذه النخلة. سأتسلّق حتى القمّة، وآخذهما بنفسي!»
وخدش أسفل الجذع بمخالبه: خَرش، خَرش.
ارتجفت الحمامة، وضمّت فرخيها إليها وقالت: «أرجوك، أمهلني حتى الغد.»
قال الثعلب: «حسنًا. صباح الغد. ولا دقيقة بعده.» ومشى إلى الشجيرات وهو يهزّ ذيله.
لم تنم الحمامة تلك الليلة. جلست على عشّها، وجناحاها حول فرخيها، تقلق وتقلق.
وفي الصباح، طارت إلى النهر. كان ريشها منفوشًا مضطربًا، وعيناها متعبتين.
رفع مالك الحزين رأسه من الماء وقال: «يا حمامة، ما بكِ؟ تبدين قلقة جدًّا.»
فحكت له الحمامة كلّ شيء. عن الثعلب، وعن الفرخين، وعن تسلّق النخلة.
أصغى مالك الحزين بانتباه. ثمّ أمال عنقه الطويل، ونظر إلى النخلة. نظر إلى جذعها الطويل المستقيم، ونظر إلى العشّ في أعلاها البعيد.
وقال ببطء: «يا حمامة، هل رأيتِ يومًا ثعلبًا يتسلّق نخلة؟»
فكّرت الحمامة وقالت: «لا، لم أرَ.»
قال مالك الحزين: «لأنّ الثعالب لا تستطيع أن تتسلّق النخيل. أقدامها خُلقت للركض لا للتسلّق. والجذع طويل جدًّا، مستقيم جدًّا، أملس جدًّا. ذلك الثعلب لن يصل إلى عشّك، ولو حاول مئة سنة.»
رمشت الحمامة: «إذن لماذا قال إنّه يستطيع؟»
قال مالك الحزين: «لأنّه يتمنّى أن تخافي فلا تفكّري. عندما يأتي في المرّة القادمة، لا تخافي. قولي له فقط: إن كنت تستطيع الصعود فاصعد، لكنّي لن أرمي فرخيّ.»
أخذت الحمامة نفسًا عميقًا، وشعرت بقلبها يهدأ.
وقالت: «شكرًا يا مالك الحزين. أنت صديق حقيقيّ.»
وطارت عائدة إلى عشّها، في الوقت المناسب تمامًا.
نادى الثعلب من الأسفل: «يا حمامة! جاء الصباح! ارمي فرخيكِ!»
نظرت إليه الحمامة. لم تعد ترتجف.
وقالت بوضوح: «لا. إن كنت تستطيع الصعود فاصعد. لكنّي لن أرمي فرخيّ.»
ارتعشت أذنا الثعلب: «سأتسلّق! سأتسلّق حقًّا!»
قالت الحمامة: «تفضّل إذن.»
وضع الثعلب قدميه الأماميّتين على الجذع وقفز. فانزلق إلى الأسفل. ثمّ قفز مرّة أخرى: خَرش، خَرش، انزلاق. بُم! وقع على مؤخّرته في الرمل.
صاح الفرخان: زيق! زيق! وكان صوتهما يشبه الضحك كثيرًا.
قام الثعلب ونفض فروه. كان وجهه أحمر تحت كلّ ذلك البرتقاليّ.
وقال بحدّة: «من قال لكِ إنّ الثعالب لا تتسلّق؟»
قالت الحمامة: «صديقي مالك الحزين.»
ضيّق الثعلب عينيه، واستدار ومشى إلى النهر.
وهناك كان مالك الحزين، واقفًا ساكنًا في الماء الضحل.
قال الثعلب بأحلى صوت عنده: «صباح الخير يا سيّد مالك. عندي سؤال لك. عندما تهبّ الريح قويّة من جهة اليسار، أين تضع رأسك؟»
قال مالك الحزين: «على جهتي اليمنى.»
«وعندما تهبّ الريح من جهة اليمين؟»
قال مالك الحزين: «على جهتي اليسرى.»
سأل الثعلب وهو يزحف أقرب قليلًا: «وعندما تهبّ الريح من كلّ الجهات معًا؟ أين تضع رأسك عندها؟ تحت جناحك؟ أرني!»
نظر مالك الحزين إلى الثعلب. نظر إلى ابتسامته الماكرة، وإلى زحفه أقرب فأقرب.
ولم يُدخل مالك الحزين رأسه تحت جناحه.
بل فرد جناحيه الأبيضين العظيمين، وارتفع في الهواء: ووووش! وطار إلى أعلى النخلة، وحطّ بجانب الحمامة.
ونادى من فوق: «عندما تهبّ الريح من كلّ الجهات، أطير عاليًا، حيث أرى كلّ شيء. وخصوصًا الثعالب التي تكثر الأسئلة.»
وقف الثعلب على ضفّة النهر وفمه مفتوح. نظر إلى مالك الحزين، ونظر إلى الحمامة، ونظر إلى الفرخين الزغبين يصيحان آمنين في عشّهما.
لم يكن هناك شيء يستطيع فعله.
فاستدار الثعلب متأفّفًا، ورفع أنفه في الهواء، وانسلّ إلى الشجيرات. ولم يزعج النخلة مرّة أخرى أبدًا.
ضمّت الحمامة فرخيها، وملّس مالك الحزين ريشه.
قال الفرخان: «زيق! زيق!»
ضحكت الحمامة: «أعرف. أنتما جائعان.»
وطارت الحمامة ومالك الحزين معًا إلى النهر ليجدا الفطور.
كان جذعها خشنًا بنّيًّا. وفي أعلاها تمامًا، تنتشر سعفاتها الخضراء الطويلة مثل مظلّة كبيرة. وهناك، عاليًا فوق الأرض، بنت حمامة أمّ عشّها.
كانت الحمامة رمادية الريش ناعمته، ورديّة الأرجل، رقيقة الهديل. نسجت عشّها من الأعواد والعشب وقطع من الزغب الناعم. وفي ذلك العشّ كان فرخان صغيران جديدان.
كانا مستديرين زغبين، ومنقاراهما الصغيران مفتوحان دائمًا. يصيحان: «زيق! زيق!» ومعنى ذلك: «نحن جائعان!»
كانت الحمامة تحبّهما أكثر من أيّ شيء في الدنيا.
كلّ يوم، كانت تطير إلى ضفّة النهر لتجد الحبوب، ثمّ تطير عائدة إلى الأعلى لتطعم صغيريها. صعودًا ونزولًا، صعودًا ونزولًا. كان العمل شاقًّا. لكنّها حين ترى وجهيهما الصغيرين الزغبين، تنسى التعب كلّه.
وعند النهر، كان يعيش طائر أبيض اسمه مالك الحزين. له ساقان طويلتان رفيعتان، وعنق طويل منحنٍ، ومنقار أصفر حادّ. كان يقف ساكنًا جدًّا في الماء الضحل، يراقب الأسماك تمرّ. وكان هادئًا رزينًا حكيمًا جدًّا، وكان صديقًا للحمامة.
لكن في الشجيرات القريبة، كان يعيش ثعلب. له فرو برتقاليّ، وذيل منفوش طرفه أبيض، وابتسامة ماكرة. وكان دائمًا يبحث عن حيلة سهلة.
في صباح أحد الأيّام، جاء الثعلب ووقف أسفل النخلة، ونظر إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى العشّ.
نادى: «يا حمامة! يا حمامة!»
أطلّت الحمامة من حافّة عشّها: «نعم؟»
نفخ الثعلب صدره وقال: «أنا ملك هذه الضفّة. وقد قرّرت أنّني أريد فرخيكِ. ارميهما إليّ، لآخذهما إلى وكري.»
شهقت الحمامة، وفردت جناحيها فوق صغيريها.
وقالت: «لا! إنّهما ولداي!»
ضيّق الثعلب عينيه: «إن لم ترميهما، سأتسلّق هذه النخلة. سأتسلّق حتى القمّة، وآخذهما بنفسي!»
وخدش أسفل الجذع بمخالبه: خَرش، خَرش.
ارتجفت الحمامة، وضمّت فرخيها إليها وقالت: «أرجوك، أمهلني حتى الغد.»
قال الثعلب: «حسنًا. صباح الغد. ولا دقيقة بعده.» ومشى إلى الشجيرات وهو يهزّ ذيله.
لم تنم الحمامة تلك الليلة. جلست على عشّها، وجناحاها حول فرخيها، تقلق وتقلق.
وفي الصباح، طارت إلى النهر. كان ريشها منفوشًا مضطربًا، وعيناها متعبتين.
رفع مالك الحزين رأسه من الماء وقال: «يا حمامة، ما بكِ؟ تبدين قلقة جدًّا.»
فحكت له الحمامة كلّ شيء. عن الثعلب، وعن الفرخين، وعن تسلّق النخلة.
أصغى مالك الحزين بانتباه. ثمّ أمال عنقه الطويل، ونظر إلى النخلة. نظر إلى جذعها الطويل المستقيم، ونظر إلى العشّ في أعلاها البعيد.
وقال ببطء: «يا حمامة، هل رأيتِ يومًا ثعلبًا يتسلّق نخلة؟»
فكّرت الحمامة وقالت: «لا، لم أرَ.»
قال مالك الحزين: «لأنّ الثعالب لا تستطيع أن تتسلّق النخيل. أقدامها خُلقت للركض لا للتسلّق. والجذع طويل جدًّا، مستقيم جدًّا، أملس جدًّا. ذلك الثعلب لن يصل إلى عشّك، ولو حاول مئة سنة.»
رمشت الحمامة: «إذن لماذا قال إنّه يستطيع؟»
قال مالك الحزين: «لأنّه يتمنّى أن تخافي فلا تفكّري. عندما يأتي في المرّة القادمة، لا تخافي. قولي له فقط: إن كنت تستطيع الصعود فاصعد، لكنّي لن أرمي فرخيّ.»
أخذت الحمامة نفسًا عميقًا، وشعرت بقلبها يهدأ.
وقالت: «شكرًا يا مالك الحزين. أنت صديق حقيقيّ.»
وطارت عائدة إلى عشّها، في الوقت المناسب تمامًا.
نادى الثعلب من الأسفل: «يا حمامة! جاء الصباح! ارمي فرخيكِ!»
نظرت إليه الحمامة. لم تعد ترتجف.
وقالت بوضوح: «لا. إن كنت تستطيع الصعود فاصعد. لكنّي لن أرمي فرخيّ.»
ارتعشت أذنا الثعلب: «سأتسلّق! سأتسلّق حقًّا!»
قالت الحمامة: «تفضّل إذن.»
وضع الثعلب قدميه الأماميّتين على الجذع وقفز. فانزلق إلى الأسفل. ثمّ قفز مرّة أخرى: خَرش، خَرش، انزلاق. بُم! وقع على مؤخّرته في الرمل.
صاح الفرخان: زيق! زيق! وكان صوتهما يشبه الضحك كثيرًا.
قام الثعلب ونفض فروه. كان وجهه أحمر تحت كلّ ذلك البرتقاليّ.
وقال بحدّة: «من قال لكِ إنّ الثعالب لا تتسلّق؟»
قالت الحمامة: «صديقي مالك الحزين.»
ضيّق الثعلب عينيه، واستدار ومشى إلى النهر.
وهناك كان مالك الحزين، واقفًا ساكنًا في الماء الضحل.
قال الثعلب بأحلى صوت عنده: «صباح الخير يا سيّد مالك. عندي سؤال لك. عندما تهبّ الريح قويّة من جهة اليسار، أين تضع رأسك؟»
قال مالك الحزين: «على جهتي اليمنى.»
«وعندما تهبّ الريح من جهة اليمين؟»
قال مالك الحزين: «على جهتي اليسرى.»
سأل الثعلب وهو يزحف أقرب قليلًا: «وعندما تهبّ الريح من كلّ الجهات معًا؟ أين تضع رأسك عندها؟ تحت جناحك؟ أرني!»
نظر مالك الحزين إلى الثعلب. نظر إلى ابتسامته الماكرة، وإلى زحفه أقرب فأقرب.
ولم يُدخل مالك الحزين رأسه تحت جناحه.
بل فرد جناحيه الأبيضين العظيمين، وارتفع في الهواء: ووووش! وطار إلى أعلى النخلة، وحطّ بجانب الحمامة.
ونادى من فوق: «عندما تهبّ الريح من كلّ الجهات، أطير عاليًا، حيث أرى كلّ شيء. وخصوصًا الثعالب التي تكثر الأسئلة.»
وقف الثعلب على ضفّة النهر وفمه مفتوح. نظر إلى مالك الحزين، ونظر إلى الحمامة، ونظر إلى الفرخين الزغبين يصيحان آمنين في عشّهما.
لم يكن هناك شيء يستطيع فعله.
فاستدار الثعلب متأفّفًا، ورفع أنفه في الهواء، وانسلّ إلى الشجيرات. ولم يزعج النخلة مرّة أخرى أبدًا.
ضمّت الحمامة فرخيها، وملّس مالك الحزين ريشه.
قال الفرخان: «زيق! زيق!»
ضحكت الحمامة: «أعرف. أنتما جائعان.»
وطارت الحمامة ومالك الحزين معًا إلى النهر ليجدا الفطور.


