العودة إلى الحكايات

حكاية

غالية تجدّف بين أشجار القرم مع خالتها منى

غالية تجدّف بين أشجار القرم مع خالتها منى
كان الماء أملس مثل الزجاج حين حملت غالية وخالتها منى القارب الصغير البرتقالي إلى الشاطئ. كانت شمس الصباح ما تزال منخفضة، والهواء دافئًا مالحًا. وعلى طرف الماء نمت غابة من أشجار القرم، خضراء كثيفة، لها جذور متشابكة تمتدّ إلى البحر مثل أصابع بنّية طويلة.

سألت غالية وهي تشير إلى الممرّات الخضراء الضيّقة بين الأشجار: «هل سندخل هناك حقًّا؟»

قالت الخالة منى: «حقًّا.» وشدّت أحزمة سترة النجاة الصفراء الزاهية على غالية، وتأكّدت أنّها مثبّتة جيّدًا. «أشجار القرم مليئة بالطرق السرّية. ومليئة بالحيوانات أيضًا، إن كنّا أذكياء.»

كان عمر غالية ستّ سنوات، ولم تركب قارب كاياك من قبل. صعدت إلى المقعد الأمامي. وصعدت الخالة منى إلى المقعد الخلفي. تمايل القارب، ثمّ استقرّ. وأعطت الخالة منى غالية مجدافًا صغيرًا له شفرة في كلّ طرف.

قالت الخالة منى: «هكذا نجدّف. اغمسي في اليسار. ثمّ اغمسي في اليمين. يسار، يمين، يسار، يمين. بهدوء وبطء.»

قالت غالية: «سهل!»

غمست المجداف في الماء. طرطش! وغمست الجهة الأخرى. طرطش! وجدّفت بأقصى قوّتها وأسرع ما تستطيع. طرطش، طرطش، طرطش، طرطش!

تطاير الماء في كلّ مكان. رشّ وجه غالية. ورشّ قبّعة الخالة منى. ودار القارب في دائرة بطيئة، حتّى صار وجهه نحو الشاطئ من جديد.

قالت غالية: «أوه. نحن نسير في الاتّجاه الخطأ.»

ضحكت الخالة منى ومسحت وجهها. وقالت: «هذا لأنّنا نجدّف كلتانا، لكن ليس معًا. مجدافي يذهب في اتّجاه، ومجدافك في اتّجاه آخر. والقارب لا يعرف إلى أين يذهب.»

سألت غالية: «فماذا نفعل؟»

قالت الخالة منى: «نُصغي إلى بعضنا. أنتِ في الأمام، فستكونين القائدة. قولي "يسار" حين تغمسين في اليسار، و"يمين" حين تغمسين في اليمين. وسأراقبك وأجدّف معك في الوقت نفسه.»

أحبّت غالية أن تكون القائدة. فجلست مستقيمة جدًّا.

قالت: «يسار.» وغمست مجدافها.

قالت الخالة منى خلفها: «يسار.»

قالت غالية: «يمين.»

قالت الخالة منى: «يمين.»

«يسار. يمين. يسار. يمين.»

وببطء، استدار القارب. وصار يتّجه نحو أشجار القرم. ثمّ بدأ ينساب. انزلق على الماء، ناعمًا مستقيمًا، مثل بطّة على بركة.

قالت غالية: «نحن نفعلها!»

قالت الخالة منى بلطف: «هسس. ليس بصوت عالٍ. لنرَ من يعيش هنا.»

جدّفتا إلى ممرّ ضيّق. وعلى الجانبين، ارتفعت أشجار القرم خضراء مورقة. كانت جذورها تصنع أقواسًا فوق الماء، والظلّ باردًا مرقّطًا بالضوء. ولمعت أسماك فضّية صغيرة تحت القارب.

همست غالية: «يسار. يمين.»

كان الماء صافيًا جدًّا حتّى إنّها رأت القاع الرملي. وكان شيء يتحرّك هناك. سلطعون! كان صغيرًا مخضرًّا، وإحدى كمّاشتيه أكبر بكثير من الأخرى. فمشى جانبيًّا واختبأ تحت جذر.

همست غالية: «انظري.»

همست الخالة منى: «سلطعون كمانيّ. يلوّح بتلك الكمّاشة الكبيرة ليقول مرحبًا.»

وانسابتا أكثر. يسار، يمين، يسار، يمين. صار المجدافان يغمسان بنعومة الآن، بلا صوت تقريبًا. ولاحظت غالية أنّهما حين تجدّفان معًا، يكون القارب هادئًا. وحين تطرطشان، تختبئ الحيوانات. وحين تتحرّكان بلطف، تخرج الحيوانات.

وعلى غصن عالٍ، وقف مالك حزين رمادي على ساقيه الطويلتين، يراقب الماء. كان له منقار أصفر حادّ، وعلى رأسه عُرف من الريش. وكان ساكنًا جدًّا حتّى بدا مثل تمثال.

توقّفت غالية عن التجديف، وتوقّفت الخالة منى أيضًا. وطفا القارب بصمت. نظر مالك الحزين إليهما، ورمش، ثمّ عاد يراقب السمك.

همست غالية: «إنّه لا يخاف منّا.»

همست الخالة منى: «لأنّنا هادئتان.»

وبعد قليل، انفتح الممرّ على بركة صغيرة مستديرة، تحيط بها أشجار القرم. كان ضوء الشمس ينزل في أشعّة ذهبية. وهناك، في وسط البركة، برز من الماء شيء مستدير داكن.

كان رأسًا. رأسًا صغيرًا مستديرًا بعينين لطيفتين.

همست غالية، وقلبها يدقّ فرحًا: «سلحفاة.»

كانت سلحفاة البحر الخضراء تطفو قرب السطح، تقضم شيئًا من عشب البحر. وكانت صدفتها منقوشة مثل أحجية، بنّية وذهبية وخضراء. رفعت رأسها، وأخذت نفسًا بطيئًا من الهواء، ونظرت إلى القارب.

لم تتحرّك غالية. لم تطرطش. وبالكاد تنفّست. كانت تتأمّل فقط، ويداها على مجدافها.

جدّفت السلحفاة بزعانفها الكبيرة واقتربت. وسبحت بجانب القارب تمامًا، قريبة جدًّا حتّى رأت غالية الأصداف الصغيرة الملتصقة بصدفتها. ثمّ خفضت رأسها وانسابت إلى الأسفل، إلى الأسفل، إلى الماء الأعمق، واختفت.

استدارت غالية في مقعدها. وكانت عيناها تلمعان.

همست: «خالتي منى، هذا أجمل شيء رأيته في حياتي.»

ابتسمت الخالة منى. «لو كنّا نطرطش، لسبحت بعيدًا قبل أن نراها.»

قالت غالية: «لأنّنا جدّفنا معًا. وبهدوء.»

قالت الخالة منى: «بالضبط.»

جلستا قليلًا في البركة المستديرة، تصغيان. غرّد عصفور صغير بين الأوراق. وقفزت سمكة، بليب، وتركت دوائر على الماء. وكانت جذور القرم تصدر طقطقات ناعمة حين تتحرّك السلطعونات الصغيرة بينها.

ثمّ حان وقت العودة.

سألت الخالة منى: «جاهزة أيّتها القائدة؟»

رفعت غالية مجدافها. وقالت: «يسار.»

قالت الخالة منى: «يسار.»

«يمين.»

«يمين.»

واستدارتا بالقارب معًا، وانسابتا عائدتين في الممرّ الأخضر. مرّتا بالسلطعون الكمانيّ يلوّح بكمّاشته الكبيرة. ومرّتا بمالك الحزين الرمادي، ما يزال واقفًا على غصنه. يسار، يمين، يسار، يمين، بنعومة وهدوء، حتّى الشاطئ المشمس.

وحين سحبتا القارب إلى الرمل، كانت ذراعا غالية متعبتين لكن سعيدتين.

سألت: «هل نأتي مرّة أخرى الأسبوع القادم؟»

قالت الخالة منى: «طبعًا. وفي المرّة القادمة، تستطيعين أن تعلّمي ابن خالتك كيف يجدّف.»

ابتسمت غالية. وقالت: «أوّلًا، سأعلّمه أن يُصغي.»
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

كنز وسنّو زهرة دوّار الشمس
كنز وسنّو زهرة دوّار الشمس

على شرفة بيت كنز كان هناك صفّ من الأصص الفخّاريّة. في بعضها زهور ورديّة، وفي بعضها أعشاب خضراء رائحت...

أنس يريد أن يعرف إلى أين يذهب ماء الحمّام
أنس يريد أن يعرف إلى أين يذهب ماء الحمّام

كان أنس يحبّ وقت الحمّام. يحبّ الماء الدافئ حتّى بطنه. ويحبّ الفقاعات التي رائحتها مثل البرتقال. ويح...

صفحة تلوين: كنز على الأرجوحة
صفحة تلوين: كنز على الأرجوحة

لوّن كنز وهي تضحك على الأرجوحة الكبيرة تحت الشجرة القديمة، والزهور في العشب. من قصّة «كنز وأجمل أرجو...