العودة إلى الحكايات

حكاية

سِوار صديقة رغد المفضّلة تنتقل إلى مدينة بعيدة

سِوار صديقة رغد المفضّلة تنتقل إلى مدينة بعيدة
كانت رغد وسِوار صديقتين حميمتين منذ كان عمرهما ثلاث سنوات. كانتا تسكنان في العمارة نفسها، رغد في الطابق الثاني، وسِوار في الطابق الرابع. وكلّ عصر، كانتا تلعبان على الدرج الواسع بين شقّتيهما.

وكانت لهما طرقة سرّية: طق، طق، طق-طق-طق. حين تسمعها رغد على بابها، تعرف أنّ سِوار هناك. وحين تسمعها سِوار على بابها، تعرف أنّ رغد هناك.

كانتا تتقاسمان الأقلام الملوّنة والملصقات وآخر بسكويتة في العلبة. وترسمان قططًا على رؤوسها تيجان. وبنتا حصنًا من الوسائد على بسطة الدرج، وسمّتاه قلعة الملكتين.

ثمّ في مساء من الأمسيات، نزلت سِوار الدرج ببطء شديد. لم تطرق الطرقة السرّية. بل وقفت عند الباب، تمسك يد أمّها، وعيناها مبلولتان حمراوان.

قالت سِوار بصوت صغير جدًّا: «سننتقل. بابا وجد عملًا جديدًا في مدينة بعيدة. سنرحل بعد أسبوع.»

أحسّت رغد كأنّ الأرض مالت تحت قدميها.

قالت: «بعيدة؟ كم بعيدة؟»

قالت أمّ سِوار بلطف: «بعيدة جدًّا. سنضطرّ أن نسافر بالطائرة.»

في تلك الليلة، لم تستطع رغد أن تتوقّف عن البكاء. جلست ماما على طرف سريرها، وراحت تمسح على شعرها.

قالت رغد وهي تنشج: «مع من سألعب على الدرج؟ من سيعرف طرقتنا السرّية؟ سِوار ستنساني. سيكون لها أصدقاء جدد، وسأبقى وحدي.»

قالت ماما بهدوء: «حين ينتقل صديق بعيدًا، يكون الأمر حزينًا جدًّا. ولا بأس أن تشعري بالحزن. لكنّ الصداقة الحقيقية لا تُحفظ في عمارة واحدة يا حبيبتي. إنّها تستطيع أن تسافر.»

شهقت رغد. «كيف تسافر الصداقة؟»

قالت ماما: «سنفكّر في ذلك معًا. غدًا.»

في الصباح التالي، استيقظت رغد وعندها فكرة. كانت فكرة صغيرة، لكنّها كانت مثل ضوء دافئ.

أخذت علبة أحذية من الخزانة. وغطّتها بورق أصفر، ورسمت عليها نجومًا، وملكتين على رأسيهما تاجان، تمسكان بيدي بعضهما.

سألت ماما: «ماذا تصنعين؟»

قالت رغد: «صندوق صداقة. تأخذه سِوار معها. حتّى لا تنسى.»

وطوال الأسبوع، ملأت رغد الصندوق.

يوم الاثنين، وضعت فيه رسمة لقلعة الملكتين، وقد لوّنت كلّ وسادة فيها.

ويوم الثلاثاء، وضعت فيه أجمل ملصق عندها، الملصق اللامع الذي عليه حصان وحيد القرن بألوان قوس قزح. كان صعبًا أن تعطيه. لكنّها أرادت أن يكون لسِوار.

ويوم الأربعاء، ضغطت زهرة بنفسجية صغيرة من أصيص النافذة بين ورقتين، ووضعتها في الصندوق.

ويوم الخميس، طلبت من ماما أن تساعدها في كتابة بطاقة. وبأكبر حروفها وأكثرها عناية، كتبت: سِوار، أنتِ صديقتي المفضّلة. ثمّ رسمت قلبًا ولوّنته بالأحمر.

ويوم الجمعة، صنعت هي وماما بسكويتًا على شكل نجوم. ولفّتا قطعتين منه بالورق وربطتاهما بشريطة. واحدة لسِوار، وواحدة لأخيها الصغير.

ثمّ جاء يوم السبت، آخر يوم.

كانت العمارة مليئة بالصناديق والضجيج. وكان رجال يحملون كنبة على الدرج. وكان أبو سِوار يلصق الصناديق الكرتونية. وجلست سِوار على الدرجة الأخيرة، تبدو تائهة.

نزلت رغد ومعها صندوقها الأصفر. وجلست بجانب سِوار، ووضعته في حضنها.

قالت: «هذا لكِ. إنّه صندوق صداقة.»

فتحته سِوار. نظرت إلى رسمة القلعة. ولمست الزهرة البنفسجية. وأمسكت الملصق اللامع. وقرأت البطاقة ببطء، ثمّ بدأت تبتسم، مع أنّ الدموع كانت تسيل على خدّيها.

قالت: «وأنا صنعت شيئًا أيضًا.»

ومدّت يدها إلى جيبها، وأخرجت سوارًا من الخرز. كان أزرق وأصفر، لونَي رغد المفضّلين. وفي وسطه خرزة عليها حرف الراء.

قالت سِوار وهي تُري معصمها: «وعندي واحد أيضًا.» كان سوارها ورديًّا وأخضر، عليه حرف السين. «حتّى نلبسهما كلتانا ونتذكّر.»

أدخلت رغد السوار في معصمها. فجاء على مقاسه تمامًا.

ثمّ جاءت أمّ سِوار، تحمل ورقة.

وقالت: «رغد، هذا عنواننا الجديد. وهذا رقم هاتفنا. تستطيع سِوار أن تتّصل بكِ كلّ يوم جمعة، فتتكلّمان وتريان بعضكما على الشاشة. وتستطيعان أن تتبادلا الرسائل أيضًا. رسائل حقيقية، عليها طوابع.»

أمسكت رغد الورقة بقوّة. «كلّ يوم جمعة؟»

وعدت أمّ سِوار: «كلّ يوم جمعة.»

وقبل أن يرحلوا، وقفت رغد وسِوار عند باب الشقّة مرّة أخيرة. رفعت رغد يدها وطرقت: طق، طق، طق-طق-طق.

ضحكت سِوار وسط دموعها. وطرقت على الحائط: طق، طق، طق-طق-طق.

وقالت: «حتّى وأنا بعيدة، سأطرق طرقتنا على بابي الجديد. وسأفكّر فيكِ.»

ثمّ تعانقتا عناقًا طويلًا قويًّا، وصعدت سِوار إلى السيّارة وصندوق الصداقة الأصفر في حضنها. ولوّحت رغد ولوّحت، حتّى انعطفت السيّارة عند الزاوية واختفت.

كان الدرج هادئًا جدًّا ذلك العصر. جلست رغد على البسطة حيث كانت قلعة الملكتين. ونظرت إلى سوارها الأزرق والأصفر، وشعرت بالحزن، لكن ليس بقدر ما كانت حزينة من قبل.

وفي يوم الجمعة التالي، رنّ الهاتف.

قال صوت سِوار، مشرقًا فرحًا: «رغد!» وظهر وجهها على الشاشة، مبتسمًا. ووراءها غرفة جديدة بنافذة كبيرة. «احزري ماذا؟ طرقت طرقتنا على بابي الجديد. فطرقت بنت من الجيران ردًّا عليّ! اسمها لمياء. حكيت لها كلّ شيء عنكِ.»

أحسّت رغد بوخزة قلق صغيرة. لكنّ سِوار كانت ترفع معصمها. وكان السوار الوردي والأخضر ما يزال هناك.

قالت سِوار: «إنّها تريد أن تكون صديقتكِ أيضًا. هل تقول لكِ مرحبًا؟»

وأطلّ على الشاشة وجه خجول بابتسامة كبيرة. وقالت لمياء: «مرحبًا يا رغد.»

فابتسمت رغد. وقالت: «مرحبًا يا لمياء.»

في ذلك المساء، جلست رغد إلى طاولة المطبخ مع أقلامها الملوّنة، وبدأت رسمة جديدة. كانت فيها ثلاث بنات على رؤوسهنّ تيجان، يمسكن بأيدي بعضهنّ، أمام قلعة كبيرة جدًّا مصنوعة من الوسائد.

سألت ماما وهي تنظر من فوق كتفها: «من هؤلاء؟»

قالت رغد: «هذه قلعة الملكات الثلاث.» ومدّت يدها إلى القلم الأصفر.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

تالين تزور خلايا الخال هلال وتتذوّق العسل من الشهد
تالين تزور خلايا الخال هلال وتتذوّق العسل من الشهد

كانت تالين تحبّ العسل. تحبّه على الخبز الدافئ في الصباح. وتحبّه ممزوجًا بحليبها في الليل. تحبّه كثير...

مِيا وَراشِدٌ وَزَعْتَرُ يَعُدّونَ الجِمالَ إِلى عَشَرَةٍ
مِيا وَراشِدٌ وَزَعْتَرُ يَعُدّونَ الجِمالَ إِلى عَشَرَةٍ

جَلَسَتْ مِيا وَراشِدٌ عَلى سِياجِ المَزْرَعَةِ. قالَ أَبو راشِدٍ: «عُدّا الجِمالَ، عِنْدَنا عَشَرَة...

وائل يُصغي إلى أصوات البيت النائم
وائل يُصغي إلى أصوات البيت النائم

كانت هذه أوّل ليلة في البيت الجديد، ولم يستطع وائل أن ينام. كان سريره هو السرير نفسه. وبطّانيّته...