العودة إلى الحكايات

حكاية

كنز والفراشة الزرقاء كالسماء

كنز والفراشة الزرقاء كالسماء
في كلّ صباح، حين تُطلّ الشمس من فوق سور الحديقة، كانت كنز تركض إلى الخارج بفستانها الورديّ وحذائها الورديّ. كان شعرها البنّيّ المجعّد يقفز مثل نوابض صغيرة، وكان طوقها الورديّ يُبعد الخصلات عن عينيها البنّيتين اللامعتين. وفي الأيام المشمسة كانت تلبس نظّارتها الورديّة المستديرة، لأنها تساعدها على رؤية كلّ شيء صغير في الحديقة.

وكانت الحديقة مليئة بالأشياء الصغيرة.

كانت هناك زهور توليب حمراء وصفراء، وزهور أقحوان بيضاء قلوبها كالشمس، وزهور زرقاء صغيرة جدًّا حتى إن كنز كانت تجثو على العشب الناعم لتراها. وكانت هناك فراشات: برتقاليّة وبيضاء، وفراشة مميّزة جدًّا، جناحاها أزرقان كالسماء وأطرافهما بلون البرتقال.

سمّتها كنز «سما».

كانت كنز تهمس كلّ يوم: «صباح الخير يا سما!» وكانت سما تطير من زهرة إلى زهرة ولا تقترب أبدًا. وكانت كنز تتمنّى أن تمسكها أكثر من أيّ شيء في الدنيا.

وفي صباح ما خطرت لكنز فكرة. ركضت إلى البيت وعادت ومعها برطمان زجاجيّ كبير.

قالت: «ماما، سأمسك سما وأضعها في غرفتي، فتصير فراشتي إلى الأبد، وأراها كلّ دقيقة.»

كانت ماما تنشر الغسيل على الحبل. نظرت إلى البرطمان ثم إلى كنز. لم تقل لا، بل ابتسمت ابتسامة لطيفة وقالت: «لنراقب سما أوّلًا، ونرى ما الذي يُسعدها.»

فجلست كنز على العشب والبرطمان في حضنها، وأخذت تراقب.

حطّت سما على زهرة توليب ورديّة، ومدّت لسانًا طويلًا رفيعًا مثل شفّاطة صغيرة، وشربت الرحيق الحلو من قلب الزهرة.

قالت كنز: «إنها تتناول فطورها.»

ثم طارت سما إلى زهرة أقحوان وفتحت جناحيها في الشمس الدافئة.

قالت ماما: «والآن تتدفّأ. الفراشات تحتاج إلى الشمس لتساعدها على الطيران.»

ثم طارت سما عاليًا عاليًا فوق السور، ورقصت في الريح مع فراشتين بيضاوين.

قالت كنز بهدوء: «إنها تلعب مع صديقاتها.»

نظرت كنز إلى برطمانها. كان نظيفًا لامعًا، لكن لم يكن فيه زهور، ولا شمس، ولا ريح، ولا صديقات. لم يكن فيه إلا قليل من الهواء وكثير من الزجاج.

رفعت كنز نظّارتها على أنفها وفكّرت كثيرًا.

قالت ببطء: «ماما، إذا وضعت سما في البرطمان فلن تستطيع أن تفطر، ولا أن تتدفّأ، ولا أن تلعب مع صديقاتها.»

قالت ماما وهي تجلس بجانبها على العشب: «صحيح. أحيانًا حين نحبّ شيئًا نريد أن نمسكه بقوّة. لكنّ الحبّ الحقيقيّ أن نفكّر فيما يحتاجه الآخر، لا فيما نريده نحن فقط.»

شعرت كنز بإحساس غريب في بطنها. كان فيه شيء من الحزن، لأنها ما زالت تريد أن تمسك سما، وكان فيه أيضًا دفء، مثل الدفء الذي تشعر به حين تعانق جدّتها.

قالت كنز: «إذن لن أمسكها. لكن يا ماما، كيف أكون صديقتها إذا لم أستطع أن أمسكها؟»

لمعت عينا ماما وقالت: «الأصدقاء يفعلون أشياء لطيفة بعضهم لبعض. ماذا يمكنك أن تفعلي ليسعد سما؟»

نظرت كنز حولها في الحديقة، إلى التوليب والأقحوان، ثم قفزت بسرعة حتى ارتدّت خصلاتها.

«الزهور! سما تحبّ الزهور! أستطيع أن أهديها زهورًا أكثر!»

في ذلك العصر ذهبت كنز وماما إلى الدكّان الصغير عند الزاوية واشترتا كيسًا من بذور الزهور. وكان على الصورة زهور بنفسجيّة وبرتقاليّة وزهور على شكل نجوم صغيرة.

حفرت كنز حفرًا صغيرة بأصابعها، وأسقطت البذور: واحدة، اثنتين، ثلاثًا، وغطّتها بالتراب البنّيّ الناعم. ثم ملأت مرشّتها الخضراء وسقت كلّ حفرة.

همست: «انمي يا بذوري الصغيرة، انمي كبيرة وحلوة من أجل سما.»

كانت كنز تسقي البذور كلّ يوم. وفي بعض الأيام لم يحدث شيء، فأرادت أن تحفر لتتأكّد. لكنّ ماما قالت: «البذور تحتاج إلى وقت، كما احتجتِ أنتِ إلى وقت لتكبري.» فصبرت كنز.

وفي صباح ما رأت أوراقًا خضراء صغيرة تطلّ من الأرض. وبعد أسبوع ظهرت براعم صغيرة. وبعد ذلك، في صباح مشرق، انفجرت زاوية الحديقة كلّها بزهور بنفسجيّة وبرتقاليّة ونجميّة.

لبست كنز نظّارتها الورديّة كي لا يفوتها شيء، وجلست على العشب ساكنة جدًّا جدًّا.

في البداية لم يأتِ أحد. ثم جاءت فراشة بيضاء، ثم برتقاليّة، ثم جاءت، طائرة على ارتفاع منخفض فوق السور، فراشة جناحاها أزرقان كالسماء.

همست كنز: «سما!»

حطّت سما على زهرة بنفسجيّة وتناولت فطورًا طويلًا حلوًا، ثم طارت إلى زهرة برتقاليّة، ثم اقتربت قليلًا، وأكثر، حتى صارت بجانب كنز تمامًا.

مدّت كنز إصبعًا واحدًا. لم تخطف، ولم تضغط، بل انتظرت بلطف وصبر.

وحطّت سما بخفّة على طرف إصبعها.

دغدغتها قدماها الصغيرتان، وأخذ جناحاها الأزرقان ينفتحان وينغلقان ببطء كأنها تتنفّس. لم تتحرّك كنز، بل ابتسمت ابتسامة كبيرة حتى استدارت وجنتاها.

همست: «أهلًا يا صديقتي. هذه حديقتكِ أنتِ أيضًا.»

وبعد لحظة طارت سما عائدة إلى الزهور. لم تحزن كنز أبدًا، فقد عرفت أن سما ستعود غدًا، لأنّ الحديقة صارت أجمل مكان للفراشات في الشارع كلّه.

وفي تلك الليلة وضعت كنز برطمانها الفارغ على حافّة النافذة، وملأته ماءً، ووضعت فيه ثلاث زهرات من الحديقة: واحدة بنفسجيّة، وواحدة برتقاليّة، وواحدة على شكل نجمة.

قالت لماما: «صار للبرطمان عمل سعيد الآن.»

قبّلت ماما رأسها المجعّد وقالت: «وصار لكِ قلب سعيد.»

العبرة: حين نحبّ شيئًا حقًّا نهتمّ بما يحتاجه. اللطف ومنح الحرّيّة نوع جميل من الحبّ.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

التاجر والببغاء المتكلّمة (من ألف ليلة وليلة)
التاجر والببغاء المتكلّمة (من ألف ليلة وليلة)

في بلدة فيها سوق مزدحم، عاش تاجر اسمه حسن. كان يبيع القماش الزاهي والتوابل الطيبة الرائحة في دكان صغ...

يقطينة الزغبة الصغيرة لا تجد سريرًا دافئًا
يقطينة الزغبة الصغيرة لا تجد سريرًا دافئًا

في أعماق السياج، في أسفل مرج هادئ، كانت تعيش زغبة صغيرة اسمها يقطينة. كانت مستديرة، لونها برتقاليّ ذ...

السِّنْجابُ جوجو وَالوِشاحُ الأَحْمَر
السِّنْجابُ جوجو وَالوِشاحُ الأَحْمَر

جوجو سِنْجابٌ صَغير. اليَوْمَ يَخْرُجُ في مُغامَرَةٍ في الغابَةِ الكَبيرَة. فَوْقَ الجِذْع: نَطّ! ت...