العودة إلى الحكايات

حكاية

كنز وقلعة الرمل على شاطئ البحر

كنز وقلعة الرمل على شاطئ البحر
كان البحر يغنّي أغنيته الهادئة حين وصلت كنز إلى الشاطئ مع بابا وماما. كانت تلبس فستانها الصيفيّ الورديّ وتحمل دلوها الأحمر المفضّل ومجرفة معدنيّة صغيرة. كانت الريح المالحة تطيّر شعرها المجعّد، وكان طوقها الورديّ متمسّكًا به جيّدًا.

قالت كنز: «اليوم سأبني أكبر قلعة رمليّة في العالم كلّه.»

ضحك بابا: «العالم كبير جدًّا يا حبيبتي.»

قالت كنز: «إذن ستكون قلعة كبيرة جدًّا.»

اختارت مكانًا قريبًا من الماء، حيث الرمل ناعم ومبلّل ولامع. خلعت حذاءها وغرست أصابع قدميها في الرمل البارد، فشعرت به مثل كعكة طريّة باردة.

أوّلًا ملأت دلوها بالرمل المبلّل، وربّتت على سطحه حتى صار مستويًا: طب، طب، طب. ثم قلبت الدلو بسرعة ورفعته ببطء شديد.

فوقف على الشاطئ برج كامل!

صاحت: «برج واحد!»

ثم صنعت برجًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا، وحفرت بالمجرفة ممرًّا صغيرًا بينها. وضغطت الأصداف في الجدران لتكون نوافذ: أصدافًا بيضاء وورديّة، وصدفة مخطّطة مثل مروحة صغيرة. بل وجدت ريشة طويلة من نورس البحر فغرستها فوق أعلى برج كأنها علم.

قالت كنز لماما: «إنها قلعة لأميرة البحر.»

قالت ماما: «إنها جميلة. لقد تعبتِ كثيرًا.»

ابتعدت كنز قليلًا لتنظر، وكانت فخورة جدًّا حتى أخذت تقفز من قدم إلى قدم.

ثم غنّى البحر بصوت أعلى قليلًا: شششش.

جاءت موجة تركض على الرمل. كانت موجة صغيرة لكنها مشغولة جدًّا، فاصطدمت بالبرج الأوّل وأوقعته، ثم رجعت إلى البحر آخذةً معها نصف الممرّ.

صرخت كنز: «لا! ابتعدي أيتها الموجة! هذه قلعتي!»

وجاءت موجة أخرى: شششش. وأخذت هذه نافذتين من الأصداف وريشة النورس.

ارتجفت شفة كنز وامتلأت عيناها بالدموع، فضربت الرمل المبلّل بقدمها الحافية.

«هذا ليس عدلًا! تعبت كثيرًا، والبحر يكسر كلّ شيء!»

وجلست على الأرض فجأة وبكت في يديها.

جاء بابا وجلس بجانبها. لم يقل لها توقّفي عن البكاء، بل وضع ذراعه الكبيرة الدافئة حول كتفيها وانتظر حتى صار بكاؤها شهقات صغيرة.

قال: «من المحزن جدًّا أن ينكسر شيء صنعناه. كانت قلعتك رائعة.»

قالت كنز وهي تشهق: «البحر شرّير.»

نظر بابا إلى الماء وقال: «البحر ليس شرّيرًا. البحر يتصرّف كما يتصرّف البحر. يأتي ويذهب كلّ يوم في كلّ مكان في العالم، ولا يعرف شيئًا عن القلاع.»

مسحت كنز أنفها وقالت: «إذن كيف يبني أحد قلعة على الشاطئ؟»

ابتسم بابا: «هذا سؤال جيّد جدًّا. ما رأيك أنتِ؟ ماذا يمكن أن نفعل بطريقة مختلفة؟»

فكّرت كنز. نظرت إلى المكان الذي كانت فيه قلعتها، فإذا هو مبلّل ومستوٍ ومليء بالزبد. ثم نظرت إلى أعلى الشاطئ، حيث الرمل أكثر جفافًا ولا تصل إليه الأمواج أبدًا.

قالت ببطء: «ربّما نستطيع أن نبنيها هناك، حيث لا تصل الأمواج.»

قال بابا: «فكرة ذكيّة.»

قالت كنز: «لكنّ الرمل هناك جافّ، والرمل الجافّ يتفتّت.»

قال بابا: «همم، هل هناك طريقة لنحمل الرمل المبلّل إلى هناك؟»

قفزت كنز: «دلوي! أستطيع أن أحمل الرمل المبلّل في دلوي!»

وهذا ما فعلوه. كانت كنز تملأ دلوها بالرمل المبلّل قرب الماء وتحمله إلى أعلى الشاطئ وهي تلهث وتضحك. وحمل بابا بعضه في يديه الكبيرتين، وانضمّت ماما إليهما، وسرعان ما صار هناك كومة كبيرة من الرمل المبلّل بعيدًا عن الأمواج.

بنت كنز الأبراج من جديد، وهذه المرّة كانت تعرف الطريقة تمامًا: املئي، ربّتي، اقلبي، ارفعي. وكان لقلعتها الثانية خمسة أبراج بدل أربعة. وحفرت حولها خندقًا، حلقة صغيرة من الماء تحميها، وحملت الماء في دلوها لتملأه. ووجدت أصدافًا جديدة أجمل من قبل، وريشة جديدة للعلم.

قالت ماما: «إنها أجمل من الأولى.»

أمالت كنز رأسها ونظرت إليها وقالت: «إنها أجمل، لأنني تعلّمت الطريقة.»

وفي وقت لاحق، حين صارت الشمس منخفضة ذهبيّة، جاء ولد صغير يحمل دلوًا أصفر يمشي على الشاطئ. أخذ يبني قلعة قريبة جدًّا من الماء، في المكان نفسه الذي بنت فيه كنز قلعتها الأولى.

رأت كنز موجة تتسلّل وتوقع برجه، فتجعّد وجه الولد الصغير.

ركضت كنز إليه وقالت بلطف: «لا تحزن. البحر ليس شرّيرًا، إنه يتصرّف كالبحر فقط. تعال معنا إلى هناك حيث لا تصل الأمواج، وسأريك كيف تحمل الرمل المبلّل.»

مسح الولد عينيه وأومأ برأسه. وحملا معًا دلوًا بعد دلو، وأرته كنز كيف يربّت على السطح ويرفع الدلو ببطء شديد.

وحين صارت السماء ورديّة، كانت هناك قلعتان جنبًا إلى جنب، يصل بينهما سور رمليّ طويل.

قال الولد: «قلعتانا صديقتان.»

وحين حان وقت العودة إلى البيت، نظرت كنز خلفها مرّة أخيرة. كان المدّ يقترب، لكنّ قلعتها كانت واقفة آمنة فخورة على الرمل الجافّ.

قالت كنز في السيّارة وهي نعسانة ومليئة بالرمل: «بابا، حين انكسرت القلعة الأولى ظننت أنه أسوأ يوم في حياتي.»

سألها بابا: «والآن؟»

تثاءبت كنز: «الآن أظنّه أجمل يوم، لأنه حين ينكسر شيء نستطيع أن نحاول من جديد، ونصنعه أجمل.»

العبرة: حين تسوء الأمور لا بأس أن نحزن، ثم نأخذ نفسًا عميقًا ونفكّر من جديد ونجرّب طريقة أفضل.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

قصة نبي الله صالح عليه السلام والناقة الوديعة
قصة نبي الله صالح عليه السلام والناقة الوديعة

منذ زمن بعيد، في شمال جزيرة العرب، عاش قوم يُسمَّون ثمود. سكنوا واديًا فيه صخور حمراء عالية. وكانوا...

صفحة تلوين: ميلو الخُلد وكلوفر يتأمّلان النجوم
صفحة تلوين: ميلو الخُلد وكلوفر يتأمّلان النجوم

صفحة تلوين من حكاية ميلو الخُلد الصغير الذي أراد أن يرى النجوم. اطبع الصفحة ولوّن ميلو وهو يطلّ من ك...

قصة نبي الله آدم عليه السلام والجنة الجميلة
قصة نبي الله آدم عليه السلام والجنة الجميلة

منذ زمن بعيد جدًّا، قبل أن يعيش أيّ إنسان على الأرض، أراد الله أن يخلق خلقًا جديدًا. كان الله قد خلق...