العودة إلى الحكايات

حكاية

الأرنبة فيروز وعين القمر (من كليلة ودمنة)

الأرنبة فيروز وعين القمر (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، قرب بحيرة هادئة بين التلال، عاشت عائلة من الأرانب.

كانت البحيرة مستديرة صافية ساكنة. سمّتها الأرانب «عين القمر»، لأنّ البدر في الليالي الصافية يسطع عليها مثل صحن فضّيّ كبير. وحول شواطئها حفرت الأرانب جحورها الدافئة. تقضم البرسيم، وتقفز في العشب الناعم، وكلّ مساء تجلس قرب الماء تراقب النجوم تظهر.

وكانت بين هذه الأرانب أرنبة اسمها فيروز. صغيرة، طويلة الأذنين، لها ذيل أبيض منفوش. لم تكن أكبر الأرانب ولا أسرعها. لكنّها كانت أحسنها تفكيرًا.

وبعيدًا، على الجانب الآخر من التلال، عاش قطيع من الفيلة.

كانت ضخمة رمادية لطيفة، لها خراطيم طويلة متأرجحة، وآذان مثل مراوح عملاقة. وكان قائدها فيلًا كبيرًا هو ملك الفيلة. لم يكن فيلًا شرّيرًا، لكنّه كان كبيرًا جدًّا، فلا ينتبه دائمًا إلى الأشياء الصغيرة حوله.

في تلك السنة، لم ينزل مطر على جانب الفيلة من التلال. جفّ نهرها، وتشقّقت برك الطين، وعطشت الفيلة كثيرًا.

قال ملك الفيلة: «يجب أن نجد الماء. اتبعوني.»

فمشت الفيلة ومشت، فوق التلال وعبر الوديان. دُم، دُم، دُم، فعلت أقدامها الكبيرة المستديرة.

ثمّ رفع الملك خرطومه وتشمّم: «ماء! أشمّ رائحته!»

صعدوا آخر تلّ، وإذا بعين القمر تتلألأ في الشمس.

نفخت الفيلة بخراطيمها: «هيييه!»

ركضت إلى الماء: دُم! دُم! دُم! وخاضت فيه، وشربت وشربت، ورشّت الماء على ظهورها بخراطيمها: ووووش! طَش!

لكنّها لم ترَ الأرانب الصغيرة.

داست أقدامها الكبيرة على الجحور. انبسطت رقع البرسيم، وانسدّت أبواب الجحور، وانضغطت الأعشاش الناعمة في الطين. واضطرّت الأرانب أن تهرب من الطريق بأسرع ما تحملها أرجلها.

لم يُصَب أحد بأذى. لكنّ بيوتًا كثيرة تهدّمت.

في تلك الليلة، اجتمعت الأرانب على تلّة بعيدة عن البحيرة، متعبة موحلة حزينة.

قال أرنب وهو يشهق: «جحري ذهب.»

وقال آخر: «وجحري أيضًا.»

وقال جدّ أرنب عجوز: «ستعود الفيلة كلّ يوم، وستهدم كلّ بيوتنا. سنضطرّ أن نترك عين القمر إلى الأبد.»

بدت الأرانب كلّها حزينة. لم تكن تريد أن ترحل. البحيرة بيتها.

جلست فيروز صامتة تفكّر. ارتعشت أذناها، وتحرّك أنفها. ونظرت إلى السماء. كان القمر يطلع، كبيرًا مستديرًا ساطعًا.

ثمّ ابتسمت فيروز.

وقالت: «انتظروا. دعوني أجرّب شيئًا.»

سأل الجدّ العجوز: «وماذا تستطيعين أن تفعلي؟ أنتِ صغيرة جدًّا، وهي كبيرة جدًّا.»

قالت فيروز: «أحيانًا لا نحتاج أن نكون كبارًا. نحتاج فكرة جيّدة فقط.»

في الليلة التالية، كانت السماء صافية والهواء ساكنًا. طلع البدر فوق التلال، ولمعت عين القمر مثل الفضّة.

جاء ملك الفيلة يمشي إلى الماء ليشرب: دُم، دُم، دُم.

قفزت فيروز على صخرة عالية عند حافّة البحيرة، ووقفت منتصبة طويلة بقدر ما تستطيع أرنبة صغيرة.

ونادت: «عفوًا! أيّها الفيل العظيم! توقّف من فضلك!»

توقّف ملك الفيلة ونظر حوله. نظر يسارًا ويمينًا، ثمّ نظر إلى الأسفل، فرأى الأرنبة الصغيرة على الصخرة.

قال بصوت هادر: «من أنتِ؟»

قالت الأرنبة بأدب: «اسمي فيروز. وعندي رسالة لك. من القمر.»

رفرفت أذنا الفيل الكبيرتان: «من القمر؟»

قالت فيروز: «نعم. القمر يرعى هذه البحيرة، ولهذا سُمّيت عين القمر. ويرعى الأرانب الصغيرة التي تعيش هنا أيضًا. البارحة، داست أقدامك على بيوتنا. والقمر ليس سعيدًا.»

نظر ملك الفيلة إلى القمر. كان يسطع عليه، مستديرًا ساطعًا.

وقال ببطء: «لم أكن أعرف. لم أرَ أيّ بيوت.»

قالت فيروز: «إذن تعال وانظر. القمر هنا الآن. انظر في البحيرة.»

مشى ملك الفيلة إلى حافّة الماء ونظر إلى الأسفل.

وهناك، في وسط الماء الساكن، كان القمر! مستديرًا فضّيًّا متوهّجًا، هناك في البحيرة.

اتّسعت عينا الفيل.

وقال بهدوء: «آه. مرحبًا أيّها القمر. أنا آسف جدًّا على البيوت.»

ومدّ خرطومه الطويل ليلمس الماء، بلطف شديد، ليسلّم.

وما إن لمس خرطومه البحيرة، حتى تموّج الماء. فاهتزّ القمر الذي في الماء، وارتجف، وتكسّر إلى مئة قطعة من الضوء المرتعش.

شهق ملك الفيلة وسحب خرطومه: «يا إلهي! القمر يرتجف! هل هو غاضب منّي؟»

قالت فيروز: «أظنّ أنّ القمر يقول لك شيئًا.»

وقف ملك الفيلة ساكنًا جدًّا. وببطء، خفّت التموّجات، وهدأ الماء من جديد. وعاد القمر كاملًا مستديرًا ساطعًا.

تنفّس الفيل نفسًا طويلًا لطيفًا.

وقال: «أيّتها الأرنبة الصغيرة، أرجوكِ قولي للقمر إنّي آسف. لم أقصد أن أهدم بيت أحد. كنت عطشان جدًّا، وفرحت جدًّا بالماء، فلم أنظر أين أمشي.»

نظرت فيروز إلى الفيل الكبير، ورأت أنّه صادق.

قالت: «أظنّ أنّ القمر سيفرح إن وعدت أن تكون حذرًا. تستطيع أن تشرب من البحيرة، فكلّ واحد يحتاج إلى الماء. لكن امشِ على الطريق الصخريّ في الجهة البعيدة، حيث لا جحور.»

قال ملك الفيلة: «أعدك. وسأخبر القطيع كلّه.»

وقد فعل.

ومن تلك الليلة، صارت الفيلة تمشي بحذر على الطريق الصخريّ في الجهة البعيدة من البحيرة: دُم، دُم، دُم. تشرب وترشّ في جهتها من الماء. ولم تدس على جحر واحد بعد ذلك أبدًا.

حفرت الأرانب بيوتًا جديدة، أدفأ من قبل. وحتى ملك الفيلة ساعد، فكان يحمل بخرطومه العشب الناعم لأعشاشها.

وفي أحد الأمسيات، جلست فيروز وملك الفيلة معًا على الشاطئ، يراقبان القمر يطلع.

قال الفيل: «يا فيروز، هل أرسلكِ القمر حقًّا؟»

ضحكت فيروز: «حسنًا، القمر ساعد قليلًا.»

فضحك ملك الفيلة ضحكة فيل كبيرة هادرة. وفي الأعلى، سطع القمر عليهما معًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الريح التي لعبت الغمّيضة
الريح التي لعبت الغمّيضة

كان يومًا خريفيًّا باردًا مشرقًا. وكانت أشجار الحديقة العامّة برتقالية وحمراء وذهبية. والأوراق المتس...

تُصبحين على خير يا يراعة الفانوس
تُصبحين على خير يا يراعة الفانوس

عند سفح تلّ هادئ، كان هناك مرج ساكن. في النهار، كان مليئًا بأزهار الحوذان والنحل الطنّان. أمّا في ال...

إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل
إياد يجدّف إلى جزيرة البطّ مع خاله فيصل

في وسط البحيرة القريبة من كوخ الخال فيصل، كانت هناك جزيرة صغيرة. كانت مستديرة وخضراء، فيها ثلاث أشجا...